المد الجماهيري بمدينة العرائش (8) محمد داكلي، ابن الاتحاد المغربي للشغل -معركة البحارة-

العرائش نيوز:

بقلم: أبو التّوأم

معركة البحارة خلال فترة التسعينات:

بقيت تمثيلية القطاع البحري بكل من النقابتين واحدة بالاتحاد المغربي للشغل وهي تمثيلية شكلية لا تفيد القطاع البحري في شيء بحكم أعضائها القليلي الدينامية. وقد حاول أعضاء الاتحاد المغربي للشغل إعادة ضخ دماء جديدة بهذا القطاع إلا أن الأغلبية اعتبر أن عملية الخيانة التي قام بها الكاتب العام لقطاع الصيد البحري ونائبه كانت كافية للابتعاد عن نقابة الاتحاد المغربي للشغل مع العلم أن الاتحاد المحلي كان قد قام بدعوى قضائية ضد الإثنين (الكاتب العام ونائبه )بتاريخ 20/01/1989 حيث أدانتهما المحكمة ب4 أشهر موقوفة التنفيذ وغرامة مالية في حكم جنحي عدد 92/820 بتاريخ 1992.

وفي المقابل كانت ك. د. ش تتوفر على مكتب نقابي رغم جموده النسبي، إلا أن كاتبه العام هو ذو شخصية قوية وتاريخ نضالي طويل، حيث سبق له أن كان ينتمي إلى اليسار الجذري وخاصة منظمة إلى الأمام، الشيء الذي أكسبه تكوينا سياسياً سهل له التواصل والالتصاق بالجماهير الشعبية وخاصة قطاع البحارة.

فبرغم الركود الذي كان يعرفه هذا القطاع نقابيا، فإن كاريزما عمر الشريف (المختار بلّيط) وحدها كانت كافية لفرض عدة أعراف وحقوق نسبية وتضامن عام بين جل البحارة. والسيد عمر هو من مواليد 1947، تابع دراسته الابتدائية بمدرسة عقبة بن نافع، والإعدادي بإعدادية الإمام مالك الثانوي بالمعهد الأصيل، ثم التحق بالحراك الشبابي لليسار الجذري الذي كان ممتدّا بالمدينة.

صحوة جديدة سيعرفها قطاع الصيد البحري بالمدينة إبان أواسط التسعينيات، ففي عشية 1996 وخلال الزيارة التي قام بها أحد الوزراء من أجل تدشين المقر الجديد للبحرية الملكية وسط الميناء برفقة مسؤولي المدينة يترأسهم السيد عامل إقليم العرائش “مولودي بوسيف”، وخلال هذه الزيارة تجمهر حول الوزير والمسؤولين عدة بحارة يتزعمهم السيد عبد القادر العُش، والذي سأل السيد الوزير عن دولة الديموقراطية وحقوق الإنسان والبحار يعيش وضعية مزرية ومهضوم الحقوق، وقبل أن يكمل قاطعه السيد عامل الإقليم العرائش مرحبا بمشاكل هذا القطاع بمكتبه على أساس أن يبتعد هذا عن القطاع العشوائية وينتظم في إطار ما.

شكل هذا الحدث مناسبة مهمة من أجل نقاش واسع داخل هذا القطاع الذي كان يضم في أحشائه عدة شرائح من المجتمع، بل إن جل الشباب حاملي الشهادات المنحدرين من المدينة القديمة كانوا يشتغلون بهذا القطاع، كما أن أنصار ومناضلي عمر الشريف كانوا بكثرة في هذا القطاع وما زالوا يكنون له الاحترام والتقدير إلى اليوم.

شكلت مقهى الجرس (كانت ملاصقة لمندوبية الصّيد) مقرا مهماً لتلاقح المفاهيم والإيدلوجيات بين شباب سبق لهم أن اشتغل بالبحر قبل أن يصبحوا موظفين وأطرا للدولة، لكن تشبثهم بأحيائهم (خريجي أ.و.ط.م) جعلهم  يعيشون مع هذا القطاع كل مآسيه ومشاكله. وكانت زيارة الوزير والحدث الذي خلّفه كلام عامل الإقليم مناسبة لتحفيز البحارة من أجل التفكير الجدي في خلق إطار قوي ومنظّم. ومن بين من ساهموا في هذا التأطير والنقاش المرحوم عبد الحميد أخريف، والسيد عبد الإله الجباري والسيد عبد المالك الجباري وآخرون، كلهم شباب اشتغلوا بهذه المهنة وعارفين بمشاكلها بالتفصيل.

وبالفعل، في هذه السنة 1996 وبحضور جماهيري كبير، عقد بحارة العرائش جمعا عاما بمقر ك.د.ش وذلك بحضور المجلس الكونفدرالي وتحت إشراف الكاتب العام داكلي محمد، حيث تم تجديد المكتب النقابي والذي ضم مجموعة من خيرة الأطر النقابية ونذكر من بعضهم (الصديق-عبد السلام البطيوي-محمد المسيوي-حميدالأشوخي-عبد المالك بنيونش) يترأسهم قيدوم مناضلي البحارة، من بعد عمر الشريف، ألا وهو المناضل عبد القادر العُش.

هذا المكتب النقابي الذي دشن أولى نشاطاته بتنظيم وقفة احتجاجية أمام باب مقر مندوبية الصّيد، مطالبا بفتح حوار جاد ومسؤول مع الممثلين النقابيين. هذه الوقفة التي يمكن اعتبارها الشرارة الأولى التي انطلقت منها هذه التجربة بعد ركود دام عدة سنوات.

وحسب تصريح السيد عبد القادر العُش، أن المطالب الأساسية التي كانت قد رفعتها النقابة آنذاك هي:

– مشكل توزيع الحصص

– التسجيل في الضمان الاجتماعي

– إدخال جميع المحصول إلى سوق الجملة بالميناء

– التغطية الصحية

– خلق مناديب بكل مركب

– تكليف المناديب بمتابعة المنتوج وإحصاء المحصول والمراقبة على أساس 40% للباطرونا و 60% للبحارة.

و بحديثنا عن هذه المحطّة المهمّة في تاريخ نضال قطاع الصّيد البحري، وبسبب افتقادنا لوثائق تلك المرحلة، فإنّنا سنقوم برصد أهمّ أحداث هذه الفترة دون الدّخول في التفاصيل:

– تعرض المناضلين النقابيين لاعتداء شنيع داخل إدارة مندوبية الصّيد من طرف المويسي، ومن بين من تعرض للاعتداء الكاتب العام لـ ك.د.ش داكلي محمد عندما كان هناك حوار من أجل إرجاع بعض المطرودين النقابيين. وقد تراجع النقابيون عن تقديم دعوى قضائية في حق المعتدي مقابل إرجاع المطرودين.

– حوكم الكاتب العام عبد القادر العش بفصل 288،وتعود أسباب هذه المحاكمة إلى دعوة هذا الأخير جميع المراكب إلى عدم الخروج إلى البحر، – وهو عرف معروف في جميع الموانئ أي بعد موت أو فقدان أحد البحارة يتم ربط جميع المراكب لمدة 24 ساعة- و على إثر هذا، اتهم أرباب المراكب الكاتب العام بالعصيان وتعرضه واعتراضه للبحارة الذين أرادوا الخروج إلى البحر، و تحولت هذه المحاكمة، التي حضر فيها أعمدة القضاء في المغرب وعلى رأسهم الأستاذ والنقيب بن عمر والأستاذ السفياني ومجموعة من الأساتذة  وصلوا الى 18 محامي مؤازر. وهي المحاكمة التي تم اعتبارها محطة نضالية مهمة، إذ أنه مباشرة بعد المحاكمة، نظم بحارة العرائش بمؤازرة المجتمع المدني والمسؤولين النقابيين مسيرة احتجاجية من المحكمة في إتجاه مقر الـ “ك..د.ش” المتواجدة بشارع سور الإشارة.

 

– من أجل دعم هذه التجربة التاريخية يقوم أحد الغيورين على هذا القطاع بعمل خيالي لا يسمع عنه إلا في الكتب والروايات، حيث سيقوم المرحوم عبد الحميد أخريف بتقديم استقالته من الوظيفة العمومية قصد الالتحاق بمكتب البحارة والوقوف بجانب البحارة من أجل تحقيق مطالبهم المشروعة والعادلة. والمرحوم أخريف توفي هذه السنة بعد مرض عضال، عرف بصدقه ونضاله المستميت في الدفاع عن الجماهير الشعبية، تعرض لعدة متابعات بسبب ممارسته للعمل النقابي بالقطاع الطلابي للاتحاد الوطني لطلبة المغرب.

– من أجل إنجاح، هذه التجربة شرع المسؤولون النقابيون في التفكير بخلق جامعة وطنية لقطاع الصيد البحري، وهو المطلب والعمل الذي عجل بعقد اجتماع على مستوى عال بمقر عمالة العرائش حضره كل من السيد بناني سميرس، بوراس، والبشير الجباري، وبالحضور الشخصي للسيد عامل الإقليم. وكان الهدف من هذا اللقاء هو محاصرة نضال البحارة بمدينة العرائش والعمل على وقف أي نقل لهذه التجربة خارج مدينة العرائش، وهوما عبّر عنه السيد بناني سميرس، الممثل الوطني لأرباب الصّيد، و بأن هذه التجربة يجب أن تقتل بمدينة العرائش.

دام الإضراب أكثر من شهرين، بل تم تمديده إلى إضراب مفتوح أمام انتقادات بعض النقابيين والبحارة لأنهم اعتبروا أن المجازفة بإضراب لا محدود، وخاصة في وقت (طييمبو(Tiempo،أي وقت المطر والريح لا يشكل أي ضغط على الباطرونا، بقدر ما يشكل عبئا وحصارا اقتصاديا على البحار مما أثر على القدرة المعيشية للبحارة خاصةً أمام قلة المساهمات من أجل دعم هذا الإضراب.

عرض على السيد عبد القادر العُش عدة إغراءات من طرف عدة جهات من أجل تقديم استقالته. فخلال عدة حوارات كان يعرض عليه المسؤولون ورقة استقالة مكتوبة ينقصها الإمضاء، كما وعدوه – إن نفد هذا الأمر بتشغيل أبنائه في أحسن الوظائف، ولضمان حياة سعيدة ومستقبل مضمون- قال له السيد العلمي (رئيس قسم الشؤون العامة بلهجته الجبلية ) “ماش دكون معانا والمصلحة ديالك واخا تكون في خنشة مملوءة بالحيياي(الأفاعي) سنمكنك منها”،  في إشارة قوية إلى ضرورة الانضمام إلى أجهزة الدولة وترك المسار النضالي. تشبت السيد عبد القادر العُش بنضال أصدقائه ورفض كل هذه المساومات، الشيء الذي جعله يعيش حصارا لمدة أزيد من أربع سنوات، وقد كان ممنوعا من الركوب في أي مركب وأي قائد لأي مركب خرق هذا، سيتم إنزاله من المركب.

أصبح المناضل عمر الشريف (المختار بليط) سندا اقتصاديا قويا للسيد عبد القادر العُش طول هذه المدة وذلك بجمع مساهمات مالية من طرف البحارة.

 نتيجة الحصار الاقتصادي وقلة الوعي والصراعات الداخلية بين البحارة (الرايس – النيبرو- البوطيرو- الكوزينيرو- المكلف بالكوبييرطا…) والمضايقات التي كان يتعرض لها مناديب البحارة، بالإضافة إلى الحراك الدّاخلي للأطراف السياسية داخل النقابة، فشلت هذه التجربة كسابقاتها ليدخل القطاع في سبات دام أكثر من عشر سنوات.

كانت لهذه التجربة نتائج وخيمة على الإطار النقابي “الكونفدرالية الديموقراطية للشغل” وإشعاعها النضالي، بل كان له انعكاس أيضا على مناضليه وأطر النقابة. وأكبر المعاناة كانت للسيد الكاتب العام للـ ك.د.ش،  داكلي محمد الذي كان عليه أن يوقف بين التيارات السياسية المشكلة للكونفدرالية، ونقاشاتها ومزيداتها داخل هذه المعركة من جهة ومواجهة الأطراف الخارجية والسلطة التي كانت تعتبره المسؤول الأول والأخير عن جميع الأشكال النضالية”والفوضى” التي تقع في هذا القطاع، وصلت إلى حد أن عامل إقليم العرائش أوقف جميع حواراته مع السيد داكلي محمد.

 وأصبح يتعامل مع المسؤول الكونفدرالي بمدينة طنجة، مما شكل حصارا على نضالات الكونفدرالية بمدينة العرائش، بل إن عامل إقليم العرائش هاتف الكاتب الوطني نوبير الأموي وقال له بأنه “يعترف بنقابة ك.د.ش، ولكن لا يعترف بكاتبها ذو السلوكيات المشينة”.

 وفي نفس السنة، سيسافر الكاتب العام داكلي محمد إلى مدينة الدار البيضاء للقاء المسؤول الوطني الأول، والذي أكد له كلام السيد عامل إقليم العرائش، فرد عليه السيد داكلي محمد مقولته الشهيرة” كنت أظن أن القيادة تتلقى تقاريرها من المناضلين وليس من الداخلية”، لينسحب من مسؤوليته بهدوء تام تاركا وراءه تاريخا حافلا بالعطاء.

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.