في نقد العلاقة بين التراث و التاريخ عند دعاة الاصالة و المعاصرة

العرائش نيوز:

بقلم: عـــــزيـــــز قنجـــــــاع

لقد اتفقت كل القراءات الحداثية للتراث على ضرورة التمكن من هذا الموجود الطاغي و العجيب و إعادته إلى مضانه ضمن حقيقة حضوره في التاريخ. فالقول بأن التراث حاضر اليوم بفعل استمرار الماضي في الحاضر على اعتباره جوهرا موجود ضمن أعراضه في انسيابات الزمن، وان الزمن ما حقيقته إلا المضارعة الدائمة للتراث حيث يصبح التاريخ في هذا المعنى مصاحبة دائمة لهوية ثابتة.

 انتبهت المدرسة الماركسية العربية لهذا الإشكال ففي كتابه أزمة الحضارة أم أزمة البرجوازية العربية قدم مهدي عامل نقدا لندوة الكويت اعتمد فيه النظرة الالثوسيرية لطرح مسالة التراث.

 إن الاتفاق على تسمية هذه النظرة إلى المنتوج الفكري ذو الحضور المركزي في حاضرنا بفكر “الأصالة” باعتباره جوهرا مفارقا للزمان بحيث يحضر في الزمان و لا يحضر الزمان فيه. في عملية توصيف إيديولوجي للموقف من التراث اكثر منها عملية توصيف علمي، نجد جذورها في الفلسفة الألمانية ابتدأت بهردر وامتدت إلى دلتاي و تشمبرلن إلى  الإشكالية الهيغيلية في العلاقة مع التراث و الذي يرى في الاستمرار عملية تحقق ذات لا تكتمل إلا في النهاية وبعد انقطاعات عدة ومع ذلك تبقى تاريخانية هيغل هذه في جوهرها اكثر تقدما من النظرة الأصولية السلفية التي لا يمكن تفسيرها الا بناء على نظرة ” منوية”  لاستمرار الذات. وهي تشبه إلى حد ما النظرة الفلسفية التي صاحبت بروز النظريات المحافظة المعارضة لنتائج الثورة الفرنسية و انتفاضات 1848 و الارتداد إلى الاستمرارية المعومة في ماض يستغرق الحاضر في عضوانية مع العودة المظفرة للملكيات إلى أوروبا بعد تصفية التركة البونابارتية .

النظرية العضوانية للتاريخ قائمة على البحث عن أصول أولى مستمرة أسطوريا  في فعلها و استمرارها،  و هو اتجاه يرى للأصول أحداث أبوية الأثر ذات مرجعية ثابتة أو كما يقرر ذلك (أبو الحسن الأشعري 260هـ – 324ه)ـفي كتابه رسالة استحسان الخوض في علم الكلام “فهذا ما علم الله نبيه من رد الشيء إلى شكله ونظيره ” فبالنسبة لابي الحسن الأشعري فانه يعتبر كما جاء في هذا الكتاب “رد الشيء إلى شكله و نظيره” هو الطريق القويم والاجتهاد الصائب وهو كما يقول ” أصل لنا في سائر ما نحكم به من الشبيه و النظير” فتصبح مهمة الفكر في تعريف أصحاب الأصالة والمعاصرة وبعد مرور 11 قرنا على تقريرها من قبل الأشعري مهمة تقنية تشبه نوعا ما عملية ما نسميه في دارجتنا بـ “البريكولاج”, وهي تبيان وعزل و تصنيف الأصيل من الدخيل وعند تسوير هذا الأصيل و تعريفه و تبيانه تصبح مهمة الفكر آنذاك التفريق داخله بين ما هو صالح و ما هو طالح ’ الصالح الذي يعيش معنا ومن ثمة معاصرته أو لم يعد كذلك فنعدمه فيتم بذلك افراغ الحاضر من كل فاعلية على اعتبار انه لحظة تكرار للماضي.

تقيم هذه الفاعلية الفكرية عملية قسرية تماثل فيها بين عناصر من تراث وعناصر من معاصرة،  معتبرة أن وجود أمور ماضية في الحاضر بداهة تعمل على الإيهام بالحقيقة المتاتية عن صحة المشاهدة المباشرة، فتقيم بناء على ذلك المقابلة بين الأشياء، إلا أن المحدد فيها هو الأصالة. فكل ما هو معاصر لا يساير الأصالة يطوع لان يصبح أصيلا وتتم هذه العملية عبر مقارنة بين العناصر المعاصرة وتلك المستدعاة من الماضي لإيجاد عناصر المماثلة أو المخالفة وقد ابرز عبد الله العروي عمليا هذا الآلية لذا التراثيين من خلال دراسته لمحمد عبدو في كتابه “الايدولوجيا العربية المعاصرة”.

والحقيقة أن هذه الدراسة لمحمد عبده أبرزت أن هذا الفاعلية الذهنية لأصحاب الأصالة القائمة على اعتبار التصنيف الفاعلية الأساسية للعقل، والتصنيف فاعلية العقل الأولى لها جذور في إشكالية النهضة وليس بالتيارات الظلامية وليدة صراعات نهاية القرن الماضي، فغلبة المقال النهضوي متاتية عن بتر أفكار من إطارها الأصلي في المقال الليبرالي و إشكاليته مثلا وربطها بالمقال النهضوي، وقد تغذت حركات الإسلام السياسي من المقالة التراثية في انحدارها وتراجعاتها الفكرية جيلا بعد جيل من جمال الدين الأفغاني مرورا بمحمد عبده إلى رشيد رضى إلى حسن البنا إلى سيد قطب تاريخ ارتسمت فيه حدود المقالة التراثية المعرفية وارتكاسها الزمني حيث  تقوم علاقة ماض مستمر بحاضر مغاير له في ظروفه الخارجية علاقة جواني ببراني مطلق، علاقة بين ذات ومحيط هذا الذات، المنفصل عنها بمفارقة مطلقة. لهذا التحديد إلغاء للفاعليات المعينة للمجتمع وللتناقضات التي تحكمه لصالح نظام عمودي صارم المرجعية و المنمطة بما للاستبداد من قوة. أما حضور اليوم أو الآن في هذه الأطروحات ما هو الا لحظة عبور او لحظة انتقال ، فقد حاول مهدي عامل إعادة الاعتبار إلى الآن من خلال مفهوم نمط الإنتاج المسيطر وشكل حركته حيث عمل على إبراز أن الأصل ليس مضمون اليوم بل مضمون اليوم تشكله. فوجود الماضي في الحاضر ليس من باب الرواسب التي يمكن إحصاؤها وحصرها لمحاصرتها و تصفيتها ، بل أن حضور الماضي في الحاضر وفعله فيه راجع لا لكونه ماضيا بل بتأصله في الآن وتكامله فيه وخضوعه لشروطه. ومحاربة مخلفات الماضي المعطلة ليس محاربة الماضي بل محاربة أمور معاصرة مندرجة في يومنا. 

فلقيام نظرة علمية إلى التراث لا بد من النظر إليه عل اعتبار أن التصنيف ليس العملية الأساسية للعقل مع ضرورة إدراك التاريخ بما هو سلسلة من الانقطاعات لوحدات متكاملة في واقع (واقعنا) ذو أزمنة ومجتمعات متقطعة غير فاعلة الصِّلات ، مفتقدة للتراكب العضوي المتوافق مع الزمانية ذات التكامل المتنامي.

 

 


شاهد أيضا
تعليقات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.