رب ضارة نافعة.. هل يؤسس التصعيد الأخير بالصحراء لواقع سياسي جديد يناسب كل الأطراف؟

العرائش نيوز:

سالم بن عبد الفتاح
باحث وناشط مدني من إقليم الصحراء 

ما يتسرب من الأنباء الشحيحة بخصوص الأعمال القتالية الجارية فيما بين قوات البوليساريو والجيش المغربي، يؤكد أنها لا ترقى إلى معارك عسكرية حقيقية، وإنما مجرد مناوشات تدور رحاها على مستوى الخطوط الأمامية، دون أن تصل إلى عمق أي من الجانبين. فالبوليساريو التي أعلنت من جانبها رسمياً إنهاء الالتزام بالهدنة العسكرية السارية منذ سنة 1991، تود حفظ ماء وجهها بعد اضطرارها إلى الانسحاب من معبر الكركرات، بينما يبدو المغرب لا يزال متمسكاً بمضامين ملحق وقف إطلاق النار، حيث لم يعلن لحدود الساعة إنهاء الهدنة.

كل ما قامت به البوليساريو لحدود الساعة هو قصف جزئي وعشوائي لمجموعة من المواقع المتقدمة للجيش المغربي، عبر المدفعية قصيرة المدى والرشاشات المتوسطة، ومن مسافات بعيدة، لم تصل في أي منها الى درجة الاشتباك المباشر، كما لم تنظم أي عمليات داخل عمق الأراضي الخاضعة لسيطرة الجيش المغربي، فالأسلحة المستخدمة من طرف الجبهة لا تكون دقيقة في الغالب في هكذا عمليات، وبالتالي لن تحدث أي أضرار تذكر بالمواقع المغربية.

أما المغرب ففي الغالب سيكون قد انسحب من معظم المواقع المتقدم، أو أنه لم يبقَ فيها سوى الحد الأدنى من المتطلب لحراستها، ما يعني أن الخسائر ستكون شبه منعدمة، ليس بسبب طبيعة القصف العشوائي وغير الدقيق وغياب الاشتباكات والاختراقات في العمق فقط، ولكن أيضاً بسبب إخلاء تلك المواقع وتراجع التجمعات العسكري الى مسافات آمنة.

في انتظار معالجة البوليساريو لحالة السخط والامتعاض الشعبيين العارمة في أوساط اللاجئين الصحراويين، بسبب فشلها في تجاوز حالة الانسداد السياسي القائمة وغياب أي أفق لحل النزاع، إضافة إلى ما يبدو أنها انتكاسة في الكركرات بعد اضطرارها للانسحاب منها دون التمكّن من تحقيق الأهداف التي بررت بها تدخلها في المنطقة الحدودية أول الأمر، فستلجأ إلى تنفيس غضب أنصارها من خلال توظيف أجواء الحرب التي عملت على تكريسها عبر إعلان حالة الاستنفار تدشين حملات التعبئة والتجييش. في حين قد يقبل المغرب إلى حد كبير التغاضي عن هجماتها العسكرية الخفيفة التي لا تصل إلى العمق، وقد يضطر أيضاً من حين لآخر إلى الرد بنفس الدرجة في حالة تجاوز عمليات البوليساريو للحد المتقبل.

واقع التصعيد المتحكم فيه، يكرّسه الموقف الرسمي للمغرب المعبر عنه في خطاب العاهل المغربي محمد السادس الأخير، والذي عبر فيه عن ثقته بأن “الأمم المتحدة والمينورسو، سيواصلون القيام بواجبهم، في حماية وقف إطلاق النار بالمنطقة”، كما ركز بيان الجيش المغربي على طبيعة تدخله الأمني في الكركرات، منوهاً باحترامه قواعد الاشتباك التي “تقضي بتجنب أي اتصال للقوات المسلحة الملكية مع الأشخاص المدنيين”، إضافة إلى عدم وقوع أي “خسائر بشرية” بحسب تعبير البيان.

أما بقية المتدخلين الإقليميين في الملف وفي مقدمتهم الأمم المتحدة، موريتانيا، إسبانيا…، فقد سارعوا جميعهم إلى دعوة الأطراف إلى احترام مخرجات اتفاق وقف إطلاق النار الموقع بينهما، فيما كان لافتاً تقاطع الموقف الجزائري إلى حد كبير مع بقية المتدخلين، حيث كادت تساوي بين الطرفين، فناشدت الطرفين “التحلي بالمسؤولية وضبط النفس والاحترام الكامل للاتفاق العسكري رقم 1 الموقع بينهما وبين الأمم المتحدة”، داعية إلى “الوقف الفوري للعمليات العسكرية التي من شأنها أن تؤثر على استقرار المنطقة برمتها”.

أما القوى الدولية الكبرى فمن جهتها وعلى غير عادتها في التعامل مع النقاط الساخنة في المنطقة والعالم، لم تنزل بثقلها لمواكبة التطورات الأخيرة، مفضلة البقاء في موقع المتفرج إلى حين اختبار أداء الطرفين ومكتفية بدعم جهود الأمم المتحدة بخصوص الملف، ربما بهدف الخروج بمعطيات جديدة على الأرض تمهيداً لحلحلة الملف مستقبلاً، بدل التورّط في نزاع عمر لقرابة النصف قرن من الزمن.

مواقف دولية تنسجم مع أداء الطرفين الرئيسيين، فمن جهته المغرب لا يزال يحافظ على مستوى محدود من ردود الفعل العسكرية، خاصة خارج الجدار العسكري الذي يعتبر بمثابة خط الهدنة بحسب ملحق اتفاق وقف إطلاق النار رقم 1 الموقع فيما بين الطرفين، فلم يلجأ إلى حدود الساعة إلى مطاردة المهاجمين من خلال تحريك الأرتال العسكرية أو الطلعات الجوية الهجومية، في حين تحافظ البوليساريو بدورها على شكل معين من الهجمات المحدودة التأثير على مواقع الجيش المغربي المستهدفة، من قبيل رشقات المدفعية قصيرة المدى المتفرقة، في ما تبقى دورياتها ومصادر نيرانها شرق الجدار العسكري بعيداً عن المواقع العسكرية المغربية الرئيسية.

في المحصلة سيعود الطرفان إلى الالتزام بمخرجات اتفاق وقف النار إن عاجلاً أم آجلاً، ولربما تمكن الوسطاء الدوليون من الدفع بالأطراف إلى إنهاء الأعمال العسكرية، ولربما جُمع الطرفان على طاولة المفاوضات مجدداً، لكن في جميع الأحوال سنكون أمام معطيات جديدة على الأرض، غير تلك التي كانت قائمة قبل 13 من نوفمبر 2020، ما يعني التأسيس لواقع سياسي جديد سيحلحل جمود ملف النزاع، ويحرك مياهه الراكدة منذ فترة ليست بالقصيرة، وبالتالي قد يمهد لإنجاح أي مسعى دولي يروم إلى إنهاءه مستقبلاً.


شاهد أيضا
تعليقات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.