قميص أمريكا…من ذاكرة القلعة الحمراء ظهر المهراز بفاس

العرائش نيوز:

الزمان يناير 1986

كنت أرتدي قميصا أزرقا لامعا رطب الملمس، يليق بالبرد الصقيعي المنحدر من جبال الأطلس، والمتسلل مباشرة من فجوة عبر مرتفع زلاغ، وفي وسطه رسم لعلم أمريكا. لم أكن أتصور أن هذا القميص سيجلب لي مشاكل جمة في خضم أجواء طلابية مشحونة بالسخط والعداء تجاه أمريكا، وأنا أتجول بشكل روتيني في ساحة 20 يناير، حيث أعرج كالعادة على بائعي الكتب والمجلات الحمراء، وبائعي أشرطة الأغاني الملتزمة، وعارضي المنتجات الفلسطينية على الإسفلت من كوفيات وحلقات المفاتيح وأشرطة ومنتوجات أخرى من صميم الثراث الثقافي الفلسطيني، أو ألازم الصف الطويل للدخول إلى المطعم، أو ألتقط صورة جماعية بعدسة الفوتوغراف محمد علي، أو أقذف بجسمي بصعوبة داخل مقصف الطلاب المحتشد عن ٱخره، من شدة الزحام، حيث لا وجود لحيز شاغر أمام التصاق أجساد الطلبة ببعضهم، وهم يرتدون سراويل” الجينز ” الضيقة والشعور المشعثة واللحى متروكة لحالها تسرح بكل حرية فوق صفحة وجوه متعبة ممسوسة بالقلق وحرقة الأسئلة، ومنشغلة بالجدال السياسي والفكري حول شروط النهوض بالمنظمة الطلابية أوطم كرافد من روافد النضال الجماهيري وٱفاق التغيير، فيما صرير النقاشات ينداح عند السقف الرمادي المنخفض للمقصف ممتزجا بدخان ” كازا سپور ” و ” ماركيز ” وهو يتصاعد في كل مكان كقطار متهالك بالكاد يستجمع أنفاسه ويشق طريقه .

غالبا ما كانت روائح الدخان الخانقة تعجل بانسحابي من المقصف.

كل ذلك كان يتم بزهو غامض وعناد ملتبس لكنه حذر شيئا ما من نظرات مستاءة ألمسها وأتحسسها في عيون المحذقين بي، لدرجة أصاب فيها أحيانا بالارتعاب حتى أخالني أحاكم وسط حلقة طلابية حاشدة وسياط الشعارات تنهال علي من كل ناحية تحت جنحة ” عناصر مشبوهة الطلبة كيرفضوها ” .

لكن للحقيقة أن ما كان يدحر ارتباك هذه النظرات مصاحبتي معظم الأحيان للرفيق محمد عابد الذي يحلق بي كفراشة مرحة من جمع إلى جمع ومن حلقة إلى أخرى، لأنه كان وجها معروفا في الوسط الطلابي ولا شيء يضايقه في الأمر، هو يفهمني على كل حال، ويتفهم أوضاعي الاجتماعية الصعبة ومقدار العوز الذي كنت أعانيه من حيث مصروف الجيب المحدود جدا سواء في تلبية كلفة السكن بحي سيدي ابراهيم والمأكل واللباس والحاجات الأساسية للدراسة كالكتب والمراجع التي كنت أخاطر بتأميمها من المكتبات إسوة وتأثرا بما فعله الزعيم جمال عبد الناصر بقناة السويس، فتأميم الكتب مسألة نضالية مشروعة لتأمين الحق في التعليم، هكذا كنا نفكر، فلا تعليم مع الفقر، وأشياء أخرى كنت أستعمل حيلي الخاصة لتدبرها كهذا القميص اللعين الذي اقتنيته من جوطية ” بوجلود ” بـ 7 دراهم دون إدراكي للتبعات التي ستلاحقني بسببه.

كنت كالعادة أتنقل في الساحة أبحث عن الصديق عابد الذي كان بمثابة جسري المعتمد في التواصل والإحتكاك بكل ما يستجد في الساحة وما ينسج من علاقات رفاقية بين المناضلين.

فإطلالة خاطفة على الساحة تكشف عن تفاوت في التمظهرات الثقافية للطلبة في اللهجات المحلية وطريقة اللباس والطبخ والعادات وغيرها من الفروق بحكم إختلاف الجهات و المدن والقرى التي ينحدرون منها، مما يخلق نوعا من الالتباس وسوء الفهم في العلاقات الاجتماعية. إلا أن الرابط الأساسي الذي يردم الهوة بين الطلبة هو الحوار وعملية التأطير السياسي والفكري والإيديولوجي الذي يذيب كثبان الجليد شيئا فشيئا فينبثق نوع من الألفة و الالتحام الذي ينصهر في جسد طلابي موحد ومنخرط في المعارك النضالية الأساسية .

وهذا ما كان يجعلني أعبر بحرية وبوعي خاص عن تمثلاتي للصراع في أبعاد ثقافية وحضارية تتسامى على فرضية الصراع الطبقي من زاويته الضيقة والمحصورة داخل قلعة الرفاق، القلعة المهيبة الصامدة التي رفعت رايتها الحمراء ودونت سجل شهدائها ومعتقليها وضحاياها ورسمت ملامحها وقوانينها وممنوعاتها أيضا، لدرجة تشكلت كذات رمزية وسلطة لا تقبل اي عنصر دخيل عنها يشوش على نضاليتها الصافية وروحها الملائكية ربما، هذه الروح القلعوية التي تتشظى في فصائل متحاورة معظم الأحيان، أو متشنجة ومتناحرة نادرا انحيازا لموقف ما أو وجهة نظر معينة. لكن الأمر يصل حد الاصطدام مع الطلبة الظلاميين لدرجة تؤدي إلى استخدام الهراوات والسكاكين والسلاسل وغيرها لأنهم لم يكونوا في الغالب أهلا للحوار في فترة سخروا فيها كل مساعيهم وفكرهم التكفيري المتشدد بإيعاز من الجهات العليا لتحريف جوهر الصراع السياسي والإيديولوجي مع النظام القائم إلى صراع عقائدي مشوه ومغلوط بين الكفر والإيمان.

المهم أنني كنت أحس بمقدار ما من استياء الٱخرين تجاه ارتدائي القميص الأزرق الملطخ بالعلم الأمريكي، أحس بطعم هذا الاستفزاز لاسيما إذا استحضرنا أن الظرفية الجيوسياسية ٱنذاك كانت جد حساسة تبلور لدى الرفاق في غمارها قناعة راسخة وموقفا ثابتا من أمريكا المعادية لتحرر الشعوب في كل بقاع العالم، فهي المسؤولة عن بؤر التوتر التي خلقتها وافتعلت فيها حروبا بالوكالة أو تدخلت مباشرة في جبهات القتال، في سياق الحرب الباردة ضد المعسكر الشرقي، بهدف اجتثات كل ما له صلة بالمرجعية الاشتراكية وتنظيماتها اليسارية، وكذا الدعم السياسي والمالي واللوجستي لتمكين الأنظمة العربية الحليفة وتأمين الاستقرار بها ولجم كل انفلات أمني محتمل أو معارضة سياسية شرسة، مثلما حدث أثناء الإضراب الوطني العام ل 20 يونيو بالدار البيضاء، والذي كاد يعصف بالنظام لولا التدخل القمعي الذي تمكن من إخماده تحت نيران الرصاص الحي. ما زلت أذكر هنا كلمة الرفيق بوعلي بلمزيان في معرض حديثه بمناسبة إحياء ذكرى يناير المجيدة قوله على لسان رولاند ريغان لما صرح في إحدى الندوات الصحفية : ” يجب مساعدة المغرب وإخراجه من محنته الأخيرة ” ، وهو يقصد تداعيات المٱزق التي أقلقت النظام وجعلته يخرج عن طوعه خاصة خلال الإضراب الوطني العام ل20 يونيو 1981 وأحداث الشمال 24 يناير 1984.

فالسخط ضد أمريكا كان يعم الجميع، وفي كل تظاهرة أو مناسبة يردد الشعار الشهير :

يكفينا يكفينا يكفينا من الحروب

أمريكا أمريكا عدوة الشعوب …

فخلف الصورة المنمقة التي كانت تسوقها أمريكا عن نفسها، كان يتخفى وجه شرير ومرعب كوحش أسطوري يزحف في جنح الظلام مقنعا في هيأة فانطوم مجنح، وفي جولات خاطفة كالبرق يرسل صواريخه وقذائفه، فيحصد الأرواح بالٱلاف إن لم يكونوا بالملايين.

كل هذا السخط العارم الذي طبع تلك المرحلة الدقيقة، لم يمنعني من التجوال وسط الساحة وبدون أي حرج لأنني كنت مقتنعا أن أبعاد الصراع لا يمكن اختزالها في قميص.

لكن ذات صباح ، وبينما أنا أتجول بالساحة باحثا عن الصديق عابد استوقفني طالبان فاجأني أحدهما بطريقة مستفزة :

– سمحلي إذا طفلت عليك ( … ) هاذ شي لي لابس – ويشير إلى القميص – من الأحسن تحيدو، را فيه استفزاز مقصود للطلبة !

– أجبته بنوع من اللامبالاة، إيه القميص … ! هذا القميص ديال الشعب الأمريكي ماشي ديال الحكومة، والرايات دايما كتعكس هوية الشعوب والدول لي عندها تاريخ كيتسجل فالذاكرة الجماعية وصعيب نختزلوه في الحكام بوحدهوم.

– شوف أ سميتك بلا ما نطولو الهضرة، خصك تحيد هاذ الطريكو وخصك تعرف شلا جرائم ارتكبتها الميريكان في حق الشعوب، ولازم تعرف راسك را أنت في الحرم الجامعي ماشي فشي ساحة كيشطحو فيها ” السمورف ” ، على الأقل غير من باب التضامن خصك تقاطع المنتوجات الأمريكية ! ثم صرخ بتشنج وحبات ساخنة من البصق ترتطم بوجهي :

– حيدو ولا غادي نفتح عليك حلقة دابا !

وبينما نحن في أخذ ورد ظهر الصديق عابد وفورا تدخل مستفسرا بصفته كعضو في لجنة اليقظة، وبعدما استطلع الوضع سدد رصاصته الحكيمة في جملة واحدة :

– دعونا لا ننجر إلى مثل هذه المواقف الجزئية والهامشية التي تبعدنا عن مناقشة القضايا الكبرى التي تشغل الطلبة، لا سيما وأننا في ظرفية جد حساسة، والأجدى أن تصرف طاقاتنا فيما هو أهم، أما موضوع القميص فسأتكفل به شخصيا.

لما انصرفت الجوقة الصغيرة التي تحلقت حولنا، أفشيت له في تذمر :

– هاذ الناس ما يسولو فيك واش فطرتي ولا ساكن ولا خصاتك شي حاجة، حاضيين غير الخروق.

في تلك الأثناء تزاحفت في رأسي أفكار جنونية وتساؤلات مثيرة للاستغراب :

– ماذا عن أكياس الدقيق الأمريكية التي كان الفقراء يصنعون منها قمصانا وسراويل قصيرة أو ستائر أو ” خزانة ” خاصة بالأعراس في وقت عصيب كنا نقول فيه هازئين : ” المغاربة كانوا غير كيخرگو عليهم ماشي كيلبسو ” !؟

– وماذا عن أمريكا المزهوة بفتوحاتها المارقة وتربعها على عرش العالم الحر حتى أصبحت تشكل في مخيال الغالبية الساحقة ” الحلم الأمريكي ” The American dream ” والذي ليس بمقدور حتى قوارب الموت تحقيقه، لأن النفق الموصل إليه طويل ومظلم ومجهول !؟ …

لذلك وفي محاولة للانفلات من الروتين الرفاقي الجامد، كنت أبحث عن أجواء أخرى وأتلمس بفراستي المشاكسة متنفسات كنت أجدها معظم الأحيان في مجموعة ” أحيدوس” وهي تضم طلبة غالبيتهم أمازيغ ينحدرون من مناطق الأطلس، والتي كانت تحيي أمسيات “الجذبة ” بالبنادر تطول لساعات بعدما تتشكل في حلقة واسعة قرب كلية الحقوق، ومجموعات موسيقية ملتزمة. وكانت هناك مجموعة من محبي مشاهير الموسيقى الغربية ٱنذاك كـ Bob Dylan و Cat Steven و Bob Marley و Pink Floyd وNeil Young و John Lennon وغيرهم والتي كانت ترابض قرب معمل النسيج ” Textile “، وكان منشط هذا ال ” گروپ ” الطالب رشيد العرايشي المنحدر من مدينة كانت منفتحة على خط تماس قريب جدا من كل الحساسيات والموجات الفنية والموسيقية الغربية التي كانت تجد صداها القوي بسرعة فائقة عند الشباب المثقف الذي بادر إلى تأسيس مجموعات موسيقية عديدة أتحفت العرائش بسهراتها ومسامراتها الموسيقية المميزة والرائعة.

كان رشيد كلما هم بالغناء بقيثارته من نوع ” Folk ” ، يتعرض للتضييق من طرف بعض الطلبة ويتم منعه، بدعوى أن الأغاني التي يعزفها غربية وتنشر الميوعة داخل الساحة، ويشتم فيها نفحات من فكر البورجوازية الصغيرة، وأن الطلبة لا يتعاطون إلا مع رواد الفن الملتزم كسعيد المغربي ومارسيل خليفة والشيخ إمام وأحمد قعبور ومجموعة العاشقين الفلسطينية، باختصار مع كل الأصوات الملتزمة.

لكنه استطاع بعد نقاشات عسيرة وصبورة إقناعهم بأن هناك وجها ٱخر ثوري للغرب يجب اكتشافه ليس في السياسة فقط، بل حتى في الفكر والفلسفة والفن والموسيقى، وأوضح أن الأغنية الملتزمة تتجاوز الأوطان في بعدها الكوني لأنها تغني للإنسان، ويستشهد في ذلك بتجربة Bob Marley ذات العمق التحريضي على الثورة سواء في جامايكا او إفريقيا وغيرها من الأوطان المضطهدة، كما أنه يغني عن تحرر المرأة، وأغاني الحب ذات اللون الرومانسي، ونفس الشيء بالنسبة للسخرية الكاريكاتورية والسوريالية المتضمنة في أغاني Pink Floyd تجاه الرأسمال المتوحش، إنكم بهكذا سلوك – يضيف رشيد – يحرككم وعي مغلوط بحقيقة الغرب وتنظرون إليه مثل الخوانجية تماما عندما يتحدثون عن الاغتراب الثقافي، والذي يقوم على رفض كل ما هو ٱت من الغرب، وتنظرون إلى الٱخر ككتلة متجانسة، وأنتم تدركون أن هذا خطأ معرفي ومغالطة إيديولوجية صرفة، فحتى في قلب الغرب يوجد طبقات مسحوقة مستغلة من العمال والفلاحين والطلبة والموظفين الصغار والعاطلين عن العمل وذوي الاحتياجات الخاصة وساسة ومثقفون وإعلاميون ومبدعون وفنانون يقفون في صف هذه الطبقات .

عند زاوية أخرى من المغالطات تحتدّ نفس المشادات في موضوع الغرباء الذين يتسللون إلى قلب الساحة، والذين لا ترى فيهم لجنة اليقظة سوى جواسيس مندسين، نظرا للحساسية المفرطة تجاه “الأواكس” والبوليس السري، والويل ثم الويل لمن يتم ضبطه، حيث تقلب الساحة رأسا على عقب بعد حفلة من الركل واللكم واللطم والشتم، وتقام له حلقة خاصة يتم خلالها استحضار كل محاور الشر المتربصة بالجسم الأوطمي تحت وابل من الشعارات المنددة، لكن في الأخير وخلف السطيحة الهادئة للموج بعد أن يسحب غضبه الهائج ويصاب بالتراخي، نكتشف أن الأمر لا يتعدى في الغالب اندفاع شاب قذف به الهيام دون أن يدري حتى وجد نفسه في قلب القلعة وهو في اشتياق قوي لملاقاة صديقته ليبادلها الحب ويطارحها الغرام،،،

حقيقة لم نكن نريد أن تتحول الساحة الطلابية إلى ثكنة مغلقة، بل كنا نحلم دوما بالعيش في كوكبة زاخرة بالنضال والحب ومنارة مشعة بنور الفكر المتراقص على سمفونية الفرح الكوني بتعبير الشهيد مهدي عامل.

ما زلت إلى الٱن أحتفظ بذات القميص الأزرق، ألوانه أصبحت باهتة جدا، فيما أمسى علم أمريكا أبهت، وقد شابته قشور كثيرة ولم يعد بنفس بريقه السابق.

العرائش في 30 / 10 / 2020

عن “فايسبوك محمد الجزّار”


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.