العقلانية السياسية والفكر، أية علاقة؟

العرائش نيوز:

نورالدين السعيدي حيون

تعني ” العقلانية السياسية ” في معناها البسيط قدرة النظام السياسي على الوصول إلى مجموعة عمليات اتخاذ القرارات وصناعة السياسات العامة حسب منطق اقتصادي- مادي قائم على اختزال الزمن واقتصاد المال وصرفه بصفة تحقق أكبر قدر من الخدمة العامة من جهة، كما ترتبط العقلانية السياسية من جهة أخرى بفتح مجال لمشاركة كل الفواعل الاجتماعية، السياسية والمؤسساتية بصفة تخلق عدد من الخيارات والبدائل السياسية والقرارية للرفع من مستوى النجاعة الوظيفية والفعالية السياسية.
​يقول العروي: إن “الديمقراطية الحديثة” مبنية على منطق الإنسان الاجتماعي الذي يحاور ويناقش ويصوت في شؤون الجماعة مقيدا فقط ببنود “الميثاق الاجتماعي” وهذا ما يبين أن الديمقراطية تسير بمنطق اجتماعي، في حين أن الشورى تعتمد على مفهوم “أهل الحل والعقد”، وهو ما يبين أنها لا تعتمد على المنطق الاجتماعي، بل الاستشارة فيها محصورة فقط على “أهل الحل والعقد”، وهم بلغة اليوم “النخبة المثقفة”، وبالتالي فهي عملية لا يتدخل فيها الشعب، عكس الديمقراطية التي يمثل الشعب أساسها، وجوهرها. ولا يظن أحد أن العقلانية مقتصرة على الميدان السياسي فلقد سبق للعروي أن نبه لهذا حينما قال: فأنا لا أريد أن ألخص العقلانية في الميدان السياسي بالتالي فان “للعقلانية” تجليات أخرى بغض النظر عن “العقلانية السياسية”، فهناك ” العقلانية الاجتماعية “.
– العقلانية:
المذهب العقلاني هو ثالث المذاهب الفلسفية التي تختص بدراسة الوجود والكون، إلى جانب المذهبين التجريبي والنقدي، ويقوم على التركيز على القدرات العقلية في فهم الأمور والحقائق، ويبرز دور العقل على الخرافات في ترجمة الوقائع والأحداث التي تجري في العالم كما يبرز دور العقل على الإيمان، ويُعتمد العقل في فهم القدرات والاستنتاجات العقلية دون الحاجة إلى الخبرات التجريبية أو الحسية، حيث يعلو في هذا المذهب الإدراك العقلي والبحت على الإدراك المادي.
مبادئ المذهب العقلاني المرجع المعتمد والوحيد في فهم وتفسير كل ما في الوجود هو العقل وليس الوحي. الوصول إلى المعرفة عن طريق التفكير والاستدلال العقلي لا عن طريق التجريب. نفي المعجزات والخوارق الدنيوية وعدم الإيمان بها. اختبار العقائد الدينية بالعقل، ووضع معيار عقلي لها قبل القيام بها.
– السياسية:
تعرف السياسة لغة بأنها عبارة عن معالجة الأمور، وهي مأخوذة من الفعل ساس ويسوس، وهي على مصدر فعالة، أما اصطلاحا فتعرف بأنها رعاية كافة شؤون الدولة الداخلية، وكافة شؤونها الخارجية، وتعرف أيضا بأنها سياسة تقوم على توزيع النفوذ والقوة ضمن حدود مجتمع ما. وتعرف كذلك بأنها العلاقة بين الحكام والمحكومين في الدولة، وعرفت أيضا بأنها طرق وإجراءات مؤدية إلى اتخاذ قرارات من أجل المجتمعات والمجموعات البشرية، وقد عرفها “هارولد” بأنها عبارة عن دراسة السلطة التي تقوم بتحديد المصادر المحدودة، وعرفها “ديفيد إيستون” بأنها عبارة عن دراسة تقسيم الموارد الموجودة في المجتمع عن طريق السلطة، أما الواقعيون فعرفوها بأنها فن يقوم على دراسة الواقع السياسي وتغييره موضوعيا.
أما السياسية فهي علميا.. عبارة عن دراسة السلوك السياسي، وتقوم على تفحص التطبيقات ونواحي هذه السياسة، وتستخدم النفوذ، وتعد العلوم السياسية من تخصصات العلوم الاجتماعية، وتتجلى أهمية علم السياسة في :
– تقوم على فهم الترابط بين أجزاء العملية السياسية؛
– قدرتها على تحقيق الأهداف بأقل التكلفة، وبأفضل النتائج؛
– تقوم على تفسير كل ما يتعلق بالساحة السياسية؛
– تعد وسيلة من وسائل الرقابة.
يصنف علم السياسة على أنه واحد من أهم العلوم الاجتماعية الحديثة؛ نظرا لأهميته في كثير من المجالات المتعلقة بالاستقرار السياسي ودوره في تقدّم وتطور الشعوب، وضبط وتسيير المجتمع، واقتصاد الفرد والمجتمع ككل، ويتضمن علم السياسة مجموعة من التخصصات المختلفة التي تتناوله من زوايا متعددة أيضا، كالنظرية السياسية، وعلم السياسة المقارن، إضافة للفلسفة السياسية. وتعد الولايات المتحدة الأمريكية الدولة الرائدة في هذا التخصص، تحديدا منذ نهايات القرن التاسع عشر للميلاد، عندما بدأت بتطويره وتعزيزه، من خلال إنشاء جامعات، ومعاهد متخصصة في تدريسه؛ بهدف تنظيم حياة البشر بشكل يضمن السعادة والسلام في آن واحد.
إذا كانت العقلانية السياسية، قدرة النظام السياسي على اتخاذ القرارات وصناعة السياسات العامة بصفة تحقق أكبر قدر من الخدمة العامة ، و بفتح مجال الديمقراطية التشاركية، بصفة تخلق عدد من الخيارات والبدائل للرفع من مستوى النجاعة الوظيفية والفعالية السياسية، فما علاقتها بالفكر؟
– الفكــــــــر:
يعرف الفكر بأنه إعمال العقل في أمر ما للوصول إلى معرفة المجهول، فمثلا حين يقال: ” لي في الأمر فكر”، يكون المقصود من كلمة فكر هو ” نظر ورؤية “، و” الفكرة ” هي ” الصورة الذهنية ” لأمر ما، في حين يعرف” التَّفْكِيرُ” بأنه ” إعمال العقل ” في مشكلة ما من أجل التوصل إلى حلها، أي أن الفكر هو” نتاج عملية التفكير”، وتعرف عملية التفكير أيضاً بأنها نشاط ذهني داخلي يتضمن مرور التخيلات والخواطر والمدركات الانفعالية والحسية التي ترافق أو تسبق القيام بأي سلوك خارجي، ويقوم الإنسان بهذا النشاط بشكل واع أو غير واع، أي أن الفكر هو جهد بشري يحتمل الصواب أو الخطأ، فلا يتصف بالقداسة، ولكنه يقترب من الصواب ويبتعد عن الخطأ إذا كان مستندا إلى عقل صريح، ونقل صحيح، وإذا كان منسجما مع الوقائع والطبائع.
ويمكن تعريف ” الفكر النقدي” كفكر يقوم بتحليل الواقع وتفكيكه بهدف تشخيصه وتحديد مكامن التعثر والخلل واقتراح الحلول والبدائل المناسبة. وهو أيضا فكر جدلي في حوار دائم مع الواقع السوسيوثقافي والسياسي باحثا عن أسباب التخلف والتأخر الذي يلازم المجتمع المغربي والعربي عموما.
صفوة القول، لقد أصبحنا اليوم في ظل الدعوة الملحة للعقلانية السياسية، في حاجة ملحة إلى الفكر النقدي والنقد المزدوج في علاقتنا بالفكر/ العقلانية والواقع / السياسية، نقد مزدوج يفكك ويحلل الذات والآخر في ازدواجية جدلية تهدف إلى تشخيص أعطابنا وأخطائنا في النظرية والممارسة فإذا كانت الممارسة هي تصحيح مغالطات العقل النظري فهذا يتطلب تفكيك وإعادة بناء الخطابات بمختلف أنواعها الفكرية والقانونية والسياسية، حتى يمكن مسايرة التحولات والتطورات التي يعرفها العالم بكل الجرأة الممكنة وذلك بتفكيك بنيات التخلف وما تنتجه من رداءة، في سياق مجتمعي يتميز بتراجع الفكر العقلاني والعلمي وسيطرة التفاهة في جميع الميادين وطنيا وعالميا وهو ما أصبح معاشا في الوضع الحالي.
في هذا السياق عالج الفيلسوف الكندي “الآن دونو” في كتابه “نظام التفاهة” حجم الانحطاط والانحدار الذي توجد فيه المجتمعات المعاصرة وإفلاس القيم الإنسانية في تناقض مع ما يتوجب أن يكون عليه الإنسان في ظل التطور المعرفي والعلمي والثورة العلمية التي تميز المجتمع الإنساني المعاصر، والمجتمع المغربي لا يشدو عن هذه القاعدة لفهم التردي والتدهور الحاصل في مشهدنا الفكري والثقافي والسياسي والذي أفقد المواطن مكتسباته وقيمه وتضامنه والسقوط في خطاب الأزمة الذي يبرر ويدافع عن واقع مأزوم بتزييف الحقائق والمغالطات والتضليل في وقت يتطلب فيه هذا الواقع النقد البناء من أجل المعالجة على جميع المستويات لإنقاذ رصيدنا التاريخي كمجتمع بمختلف مقوماته اللغوية والثقافية والفكرية والعلمية ومؤسساته، التي تتطلب إعادة البناء بمضمون جديد يستحضر الرهانات السياسية للانتقال الديمقراطي الحقيقي في جدلية واضحة بين الخطاب السياسي الديمقراطي والزمن التاريخي في سيرورته الكبرى وتراكماته من أجل التحرر من النظام الليبرالي الجديد، وتناقضاته البنيوية عبر جدلية النقد والبناء.

الهوامش :
1. صخري محمد، مفهوم العقلانية السياسية، موقع الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية،17.8.2019.
2. عبد الرحمن بووشمة، العقلانية السياسية في فكر عبد الله العروي: مفهوم الدولة بين التقليد والحداثة،18/5/2009، شوهد في: 16/6/2020، في https://www.maghress.com/
3. نورا الشيشاني، بحث حول المذهب العقلاني،10/6/2019، شوهد في:15/3/2020، في https://mawdoo3.com
4. الشيشاني، نفسه.
5. سميحة ناصر خليف، تعريف السياسة لغة واصطلاحا،09/7/2019، شوهد في: 15/3/2020، في https://mawdoo3.com
6. ناصر خليف، نفسه.
7. دانة الوهادين، مفهوم علم السياسة،25/8/2019، شوهد في: 15/3/2020، في https://mawdoo3.com
8. هيثم عمايرة، ما معنى الفكر،02/4/2018، شوهد في: 15/3/2020، في https://mawdoo3.com،
9. المصطفى رياني، الفكر المغربي المعاصر وحتمية النقد المزدوج،28 /2/2020، شوهد في: 20/4/2020، في https://attarik.com/


شاهد أيضا
تعليقات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.