التاريخ السياسي لقصر دوكيسا

العرائش نيوز:

بقلم: عبد السلام التدلاوي

لا حديث في الصالونات السياسية على مقربة من الاستحقاقات الانتخابية الوشيكة إلا عن محورية مصير “ما تبقى” من قصر دوكيسا في تشكيل المشهد الانتخابي المقبل، كوعاء عقاري ضخم لم يستنفذ جميع إمكانياته بعد، خاصة و أن الفاعلين السياسيين المحليين الأكثر تأثيرا في المشهد، راكموا خبرات و تجارب على مر عقود في مجال العقار، و أصبحت يشهد لهم ب”النبوغ” وطنيا لقدرتهم على تذويب العقبات القانونية، و تحويل كل ما هو تاريخي و ذا منفعة عامة إلى منفعة خاصة من خمس و ست طوابق.

داعبت أمواج السياسة قصر دوكيسا منذ ميلاده أول مرة إلى هذه اللحظة الانتخابية، فقدوم الدوقة الفرنسية مشيدة القصر، كان نفيا من بلدها الذي كان يعرف اضطرابات سياسية، لذلك فوجوده من الأصل مرتبط بالسياسة.
بعد استقلال المغرب سيصبح القصر في ملكية جماعة العرائش بعد أن وهبته صاحبته لها، لكن المجلس الجماعي آنذاك يترأسه الباشا، حيث كان المغرب لم يقدم بعد على تنظيم انتخابات جماعية، هذا المجلس سيهدي القصر إلى الدولة المغربية، و يقال إلى الملك الحسن الثاني، الذي كان حديث العهد بالعرش، فتم تفويت القصر من ملكية الجماعة إلى ملكية المكتب الوطني للسياحة. يحكى أن عبد الصمد الكنفاوي، أب المسرح المغربي و الذي كان يشغل منصب المدير الوطني للضمان الاجتماعي، غضب غضبا شديدا و لبث مدة لا يزور فيها مسقط رأسه العرائش غضبا و سخطا على أعضاء المجلس الجماعي آنذاك، لأنه في نظره كان عليهم الاحتفاظ بالقصر كملكية الجماعة و للمدينة.
سيحمل القصر اسم “فندق الرياض” و قد تحول إلى وحدة فندقية في ملكية المكتب الوطني للسياحة، إلى أن أقدم المغرب على مسلسل الخوصصة، الذي لن ينفذه بالتأكيد إلا الحكومة التي تراسها حزب الاتحاد الاشتراكي في تناقض صارخ مع إيديولوحية هذا الحزب، الذي كان قد طالب من خلال أوراقه المذهبية، و خاصة بيان المؤتمر الاستثنائي1975 الذي نجده يطالب بتأميم وسائل الإنتاج، بل يطالب بتأميم الأراضي الصالحة للبناء داخل المدن، و جعلها في ملكية البلديات. هذا الحزب بهذا الخط الإيديولوجي سيقدم على أكبر مسلسل خوصصة لوسائل إنتاج وطنية، من بينها وحدات فندقية عمومية، من بين هذه الوحدات الفندقية: فندق الرياض، او قصر دوكيسا سابقا.
سينص عقد تفويت الفندق_ القصر على أن يحتفظ صاحبه به كمشروع سياحي مدة معينة، ثم تنتفي الصبغة السياحية للعقار بعد مدة، و ذلك ما كان.
صاحب العقار الجديد، كان على يقين أن مشاريعه التي ينوي تنزيلها بخصوص عقار قصر دوكيسا لن ترى النور إلا من باب السياسة، فدخل ميدان السياسة من باب الانتخابات الجماعية لسنة 2003 و حصل على مقعد باسم الحزب الليبيرالي، سيدخل الأغلبية المسيرة تحت لواء رئيس المجلس الولاية الثانية آنذاك عبد الإله احسيسن، الذي فاز بالرئاسة بفارق صوت واحد على منافسه الاستقلالي، ثم سينضم بعد ذلك صاحب القصر_الفندق إلى حزب الاستقلال بعد أن رجح كفة احسيسن للظفر برئاسة المجلس بفارق صوت واحد، فينطبق عليه المثل الشهير بتعديل بسيط” “يصوت على الذئب و ينخرط مع الخرفان”…!!و يكون بذلك انتماؤه لاحسيسن سابقا لانتمائه لحزب الاستقلال، و هو ما زال يحتفظ بانتمائه الاول إلى حدود الساعة .
بقراءة بسيطة لأحداث التاريخ سنجد أن صاحب القصر_ الفندق_مستودع السيارات انتمى سياسيا إلى احسيسن قبل أن ينتمي إلى حزب الاستقلال، و هو انتماء غير تنظيمي يحافظ عليه إلى يومنا هذا.
و لان صاحب القصر_المشروع العقاري يهوى الاكل من كل الموائد السياسية، و يجيد هو نفسه إعداد الموائد لغيره، ترقى تنظيميا داخل حزب الاستقلال و استطاع أن ينتزع مرسوما بموجبه تم تقسيم العقار إلى رسمين عقاريين، الأول يحتفظ بالفندق و الثاني أنشأ فيه بنايات شققية لم ينته من بنائها.
لن يعرف المشروع العقاري نجاحا كما كان متوقعا، لكن حزب العقار في المدينة سيمرر تصميم تهيئة منح حق بناء عمارات من ست طوابق في الشارع الذي يوجد به ما تبقى من القصر_الفندق، مما سيجعل قيمة هذا ال”ما تبقى” تزن ذهبا، إلا أن البناية و ما تحملها من قيمة تاريخية في عهد يسعى فيه المغرب إلى تثمين راسماله الثقافي و الحضاري، كما عبر عنه بصريح العبارة في خطب ملكية في اكثر من مناسبة، بل يجعل مطلب حماية هذه المعلمة التاريخية من قبل تصميم التهيئة المقبل مطلبا ثقافيا شعبيا ملحا، على غرار ما تحظى به البنايات التاريخية في الحوار على مستوى الجهة، على شاكلة ڤيلا هاريس و قصر پيرديكاريس و …هذا الأمر يصعب من مهمة تفويت ال”ما تبقى” من العقار لهواة البناءات العالية، لكن صاحب العقار له من طول النفس ما جعله يستثمر انتماءه السياسي الغير رسمي في رهن مستقبل الانتخابات المقبلة جماعية و إقليمية و برلمانية بمستقبل مشروعه العقاري_السياسي.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.