يوم صعب في لندن

العرائش نيوز:

بقلم : عبد الصمد الشنتوف

صعدت الشاحنة وانطلقنا تجاه سوق الجملة في “كوفن غاردن” ، بدا حسن معكر المزاج هذا الصباح ، لارغبة له في الكلام ، كان يقود شاحنته الزرقاء بسرعة بطيئة مخترقا حي إدجوار رود الراقي بقلب لندن . حي تتمركز فيه جالية عربية كبيرة حتى صاروا يطلقون عليه حي العرب بلندن ، يحد بحديقة هايد بارك وشارع أكسفورد المزين بمتاجره الفاخرة . شارع إدجوار رود يضج بالحركة ومكتظ بمقاهي ومطاعم ومحلات تعلوها يافطات عربية ، إضافة إلى مكاتب صرف ووكالات أسفار . لمحت على يساري حانة الثعالب البيضاء التي كنت أشتغل فيها سابقا ، تراءى أمامي شريط قصتي مع أبي جاسم الخليجي وإميلي الإنجليزية . على يميني يوجد سوبرماركت سافوي . عندما أمد بصري أرى قوس النصر من رخام أبيض “ماربل آرش” يحد نهاية الشارع البهيج وهايد بارك الشهير . تجاوزنا “بارك لين” ومررنا عبر محطة فكتوريا العملاقة ، هناك على ضفة نهر تايمز العظيم يلوح من بعيد سوق “كوفن غاردن” قرب منطقة فوكسهول .
غشي صمت القبور مقصورة الشاحنة ، لا أحد منا يحدث الآخر وكأننا مضربان عن الكلام . منذ أن تعرفت على حسن وهو يتوجس مني . لست أدري بتاتا ما الذي حصل بالضبط ؟ ، لا أشعر بأي كيمياء تسري بيننا ، كل واحد منا غارق في توجسه العميق .
بادرت إلى تكسير الصمت وإذابة الجليد بحديث ما ، فقلت له : هل سمعت بزيارة شمعون بيريز للمغرب مؤخرا ؟ ، تجاهل حسن سؤالي ولم يرد ، لا أدري لماذا . قلت في نفسي : لعل حديث السياسة لا يستهويه في هذا الصباح الباكر . فجأة ، بعد برهة انطلق في حديث نرجسي عن نفسه وعن تجارته ومحطاتها . أخبرني بأنه يفكر في الاستثمار في المغرب بعد نجاح مشروعه ومراكمة بعض المال ، ليضيف : للتو فرغت من تشييد منزل كبير يضم ثلاثة طوابق بحي السلامة في العرائش . عندئذ فهمت أن حسن شاب مهاجر طموح لا تختلف اهتماماته كثيرا عن باقي المهاجرين . يمتلك إرادة صلبة في العمل الدؤوب ويعشق تكديس الأموال ، كما استيقنت أننا من طينة مختلفة على مستوى الذوق والتفكير . المشترك الوحيد بيننا هو الإسم العائلي وأصول أبوينا التي تعود لقبيلة سوماتة العتيدة بشمال المغرب ، لا غير .
سوق “كوفن غاردن” شاسع ومنظم بشكل فائق ، أجول بنظري فأرى أطنانا وجبالا شاهقة من الخضروات والفواكة مكدسة على “الباليت” في كل مكان ، بعضها مكتوب عليها أسماء دول المنشأ ومصدر البضاعة .

سرحت بخيالي وقفز ذهني إلى سوق الأحد الأسبوعي بالعرائش .
( كنت أتردد عليه مع والدي حين كنت طفلا صغيرا . سوق عشوائي يحتوي على مربعات ومخازن مهترئة يحظى بها تجار نافذون بالمدينة . كانت تكسوه الأوساخ من كل جانب وتحيط به روائح تزكم الأنوف . عند مدخل السوق يمينا يركن رتل من عربات تجرها حمير وبغال منهكة وكأنك في مشهد من فيلم يحكي عن القرون الوسطى .
وقع بصري على رجل طاعن في السن يدعى “باعربية” مستلق على ظهره فوق عربته بجانب حماره النحيل ، ينشر سجادة صوف من جلد خروف ، ويمسك بسبحة يردد بها بعض الأوراد .
كان “باعربية” يغدق على حماره العطف والرفق ويحيطه باهتمام بالغ . على يسار المدخل يقع مرآب لشاحنات بالية ممتد على مساحة أرض يابسة من تربة الترس . مثل هذه الشاحنات الملونة من نوع رونو وبيرلي لا تشاهدها سوى في الأفلام الهندية ، بعضها يفرغ الحمولة وبعض يشحنها أو ينتظر دوره .
أذكر يوما كنت أرافق أبي فاستوقفنا “باعربية” ، كان يحترم أبي كثيرا ويناديه بالفقيه ، وينخرط في دردشة معه وهو جالس فوق عربته . أحيانا كان يستفتيه في أمور الفقه والدين ، فأتشاغل عنهما مندهشا برؤية حماره المتعب مداعبا إياه .
إن سألتني عن با عربية قلت لك : كان رجلا وديعا عفيفا يفرح بي أشد الفرحة ، يربت على كتفي فيناولني قطعة من حلوى ملونة ، ثم يدعو لي بالصلاح والنجاح في الدراسة . كان إذا حدثك أنعش قلبك ، وإذا مازحك تصدر عنه ضحكات راسخة في الطيبوبة وجمال الروح . يحب الخير للناس جميعا ، ولا تفارق الابتسامة محياه إلا نادرا . يعتمر عمامة بيضاء و”بلوزا” زرقاء خلال عمله . شيخ تجاوز الستين من عمره ، ويمتلك مخزونا كبيرا من القيم الإنسانية رغم فقره وبساطته . وقد لا أبالغ إن قلت أن “باعربية” كان رجلا لا مثيل له في مدينتنا نظرا لجده وإخلاصه في عمله . غالبا ما يركن عربته وحماره عند مدخل السوق منتظرا دوره في تحميل البضاعة إلى إحدى بيوت العائلات الغنية أو متجر في وسط المدينة ) .

حين نصل سوق “كوفن غاردن” ، كنا نمر عبر البهو الفسيح نلقي نظرة على البضاعة الجديدة وأسعارها . معظم التجار يحيون حسن ب”هالو” ، ونرد عليهم بالتحية نفسها . جلهم من الإنجليز اليهود والهنود . يبادلون حسن بابتسامات متملقة يسودها بعض الحذر ، يعرفونه جيدا ويطلبون وده ، ذلك أنه كان تاجرا صارما ومغامرا يسعى نحو صفقات كبرى بأسعار بخسة . كان لديه إلمام كبير بجودة البضاعة ومعرفة مصدرها ، كل مرة يعرض عليه التاجر اليهودي مارك كميات ضخمة من الموز الجاميكي والمانجو الأسيوي . عادة ما تكون مدة صلاحيتهما على وشك الانتهاء . يدفع ثمنها نقدا على الفور ، فأشرع في تحميلها وشحن الصناديق داخل الشاحنة بمساعدة سائق الرافعة الشوكية . كان عملا صعبا وشاقا يستدعي مجهودا بدنيا قويا سيما وأني لست متعودا على هذا الإجهاد المضني والوقوف لساعات طويلة .

في يوم السبت كنا نشتغل في سوق آخر يسمى “ويلزدن” ، معظم رواده من السود الأفارقة والإثنيات الملونة . كانوا ينتظرون حسن بلهفة شديدة لأنه كان يزودهم باليام “yam” (بطاطس حلوة ضخمة) والموز الجاميكي الذي يعشقه السود في مطبخهم . عند عودتنا بالشاحنة المثقلة بالبضاعة من سوق الجملة كنت أفرغ الحمولة لوحدي داخل إحدى المخازن المحاذية ، فأجلس على الأرض متوسطا أرتالا شاهقة من صناديق الفاكهة ، لحظتها أشرع في فرز البضاعة الجيدة والتخلص من الموز الفاسد حيث أقذف به داخل حاوية نفايات ضخمة .
مهاجر هندي بلا أوراق يدعى جاغديش كان يشتغل بجانبي كمساعد عند تاجر هندي غارق في البخل والعجرفة . كان التاجر صلفا غليظ القلب مع مستخدمه ، بحيث كان يمنعه من تناول الفاكهة الطرية الجيدة قائلا له : الفاكهة الجيدة للزبناء أما الفاسدة منها فهي من نصيب بطنك أيها المهاجر السري الحقير .
لا بد أن أعترف أن مشغلي حسن لم يكن يجلب لي وجبات طازجة من المطعم المجاور ، لكنه لم يكن يمانع حين يراني ألتهم الموز اللذيذ ، أقضم المانجو قطعة قطعة ، كنت أستلذ حلاوته كثيرا ، لم أكن قد تذوقت المانجو من قبل في حياتي .

خلال عملية فرز الفواكه نجلس أنا وجاغديش القرفصاء فأحدثه عن أحوال المغرب ، وكان هو أيضا يحدثني عن حياة قاسية مر بها في إحدى قرى بومباي . لم نكن نرى بعضنا إلا عبر فتحات ضيقة لصناديق متراصة . أحيانا كنا نتصايح بصوت عال حتى نسمع بعضنا البعض . أخبرته بأني كدت أصير أستاذا في بلدي لكن الحظ لم يسعفني ، فانبهر بما سمع .
جاغديش كان شابا قرويا نحيفا ذا بشرة قمحية داكنة ، لم ينل حظه من التعليم في بلده . كان المسكين يتحسر كثيرا على فراق عائلته التي خلفها وراء ظهره غارقة في ضنك العيش والفقر ، فأشفق عليه وأطربه بأغنية رسامي لمجموعة لمشاهب ، استعذبها كثيرا ، ربما لأنها أغنية تحمل في طياتها مقامات موسيقى هندية ، فيما هو كان يرد علي بأغنية “زينداجي إيك صفر” الذائعة الصيت للفنان الهندي كيشور كومار . أغنية غرامية رقيقة كانت تهز كياني فتنسيني همومي وعذابي . سألته عن الممثل “شاشي كابور” هل يقطن بجواركم؟ ، فانفجر ضاحكا وقال : كيف تعرف شاشي كابور ؟ ، فأجبته : تعرفت عليه عبر شاشة سينما كوليسيو بالعرائش . فانهمك شارحا لي بشيء من التفاصيل أن الحياة في الهند تقوم على نظام تقسيم طائفي يسمى “فارنا” ، لأن شاشي كابور ينتمي إلى طائفة ثرية راقية أما جاغديش فهو محسوب على طائفة “الداليت” ، وهي طائفة المنبوذين في المجتمع الهندي . ومن هنا فهمت لماذا مشغله يعامله بهذا السلوك الغارق في الإهانة والاحتقار .
بعد الزوال عندما أفرغ من عملية الفرز يكون الإنهاك قد نال مني مبلغه ، فأشرع في نقل البضاعة عبر عربة خشبية بعجلات الكاوتشو ، أدفعها جيئة وذهابا إلى الكشك لعرضها على الزبائن وأنا أتصبب عرقا . كنت أرفع كفي لأمسح حبات العرق التي تعلو جبيني وتنحدر على طرفي وجهي . كان أخي عبدالرؤوف منغمسا في بيع الفاكهة التي تنفد بسرعة . ذلك أن الأفارقة والجاميكيون يتزاحمون ويتدافعون على شراء الموز والمانجو وكأنهم ثيران هائجة ، كان المشهد مثيرا للامتعاض والسخرية سيما وهم يتلهفون على فاكهة معروضة بأسعار بخسة ومغرية . لا تاجر يقوى على منافسة حسن في سوق “ويلزدن” ، كان يلقب بإمبراطور الموز والمانجو في السوق .

في المساء ، عندما تدنو الشمس نحو المغيب ، نأخذ في تفكيك الكشك ويقذف بي ثانية داخل العربة وكأني عبد منبوذ . تكون الساعة قد اقتربت من السابعة ، لحظتها أكون متعبا وقد تسرب الإعياء إلى جسدي ، لم أعد أقوى على الوقوف . أطرافي تئن وتصرخ من الألم ، قدماي لا تقوى على حملي ، أشعر بفشل يجتاحني من رأسي الى أخمص قدمي . خلت نفسي وكأني أحد نزلاء سجن ألكاطراس أقضي محكومية طويلة مع أشغال شاقة .
لم أكن أتصور لندن بهذه الشقاوة والبؤس بعدما كنت أحسبها مدينة الفنون والضباب . كنت أخلد إلى نوم عميق وأنا ممدد فوق “الباش” جراء التعب القاتل فيما الشاحنة تطوي الأزقة والشوارع . عند المنعرجات تسقط فوق رأسي صناديق متسخة فأحتمي بغطاء بلاستيكي سميك ، انتابني إحساس مريع وكأني أحد المعذبين في الأرض .
حين نصل محطة لاتمار رود يركن حسن شاحنته ويفتح علي الستار بوجه واجم ، فأنهض من مكاني شبه سكران لأخرج من العربة ورأسي “مفعفع” ، لا أدري إن كنت في لندن أم في كوكب المريخ .

اقتعدت أريكة وانزويت في إحدى أطراف الصالة ، مسست جبيني بباطن كفي وأغمضت عيني ، فكرت مليا في هذا العذاب ، هل أستمر في العمل أم أرحل . لكن أين أرحل وجيوبي فارغة ولا بيت لي آوي إليه . بعد وهلة قصيرة استقر رأيي على الرحيل وخوض غمار التشرد من جديد .
في الصباح التالي دنوت من رأس أخي عبدالرؤوف شارحا له أسباب انسحابي من هذه التعاسة . قلت له لا أحتمل البقاء مستخدما عند حسن من الرابعة فجرا إلى السابعة مساء أحمل صناديق الخضار والفواكه وآكل الموز مثل عبد مشرط الحنك . ارتبك أخي وكأنه لم يتوقع مني الرحيل ، حاول ثنيي عن قراري محاولا نصحي بالتماس الصبر إلى أن تمر هذه الغيمة القاتمة فيعوضني الله بعمل آخر ، لكن العناد ركب رأسي وتمسكت بقراري . ودعته والكآبة تعلو وجهي بعدما حضنته بقوة . تمنيت له حظا وافرا في مشواره ثم انصرفت نحو غولبورن رود أجر حقيبتي المهترئة . كنت أحث خطاي تائها مهموما ، أتحسس مصيري ، مقتحما أفقا غامضا مرة أخرى . وهنت عزيمتي قليلا دون أن يتسرب اليأس إلى قلبي ، كلما قلت حيلتي واشتدت كروبي قصدت مقهى كازابلانكا حتى صار ملجئي وملاذي الوحيد في عاصمة الضباب …
طنجة : 6 غشت 2021


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.