مفهوم العقلانية السياسية في فكر محمد عابد الجابري من خلال كتابه “العصبية والدولة”(الحلقة الأولى)

العرائش نيوز:

ذ. نورالدين السعيدي حيون

محمد عابد الجابري، مفكر وفيلسوف مغربي، له أكثر من 30 مؤلفاً في قضايا الفكر المعاصر، أبرزها رباعيته في: “نقد العقل العربي” الذي تمت ترجمته إلى عدة لغات أوروبية وشرقية. كرّمته اليونسكو لكونه “أحد أكبر المتخصصين في ابن رشد، إضافة إلى تميّزه بطريقة خاصة في الحوار[1].
الجدير بالذكر، أنه لم يطرح الجابري سؤاله المتعلق بما تبقى من الخلدونية إلا بعد معاشرته مقدمة ابن خلدون وما كتب عنها شرقا وغربا، لمدة تفوق 10 سنوات، و بعد مرور 10 سنوات أخرى من صدور أطروحته “العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ العربي الإسلامي” التي نال بها أولى دكتوراه دولة في الفلسفة بالمغرب سنة 1970. والتي اتبعها ببحث آخر يحمل عنوان:”ابستمولوجيا المعقول واللامعقول في مقدمة ابن خلدون”[2].
لقد قضى الجابري زهاء نصف قرن من البحث الدؤوب المتواصل في العديد من الفروع المعرفية. وكان يعطي للبحث العلمي ما يستحق من عناية منذ وقت مبكر من حياته ونضجه الفكري. وكان قد قرأ المقدمة لوحدها أكثر من عشر مرات، وكان يحفظ منها – عن ظهر قلب- فصولا بكاملها، وقرأ كتاب العبر الضخم، ناهيك عن كتابات العرب والمستشرقين عن ابن خلدون قديما وحديثا، وعندما كان بصدد تهيئ كتاب عن ابن رشد اكترى منزلا بمدينة افران واعتكف فيه لمدة شهر، هذا إذا ما أغفلنا الكثير من الإشارات -التي صرح بها أو بقيت طي الكتمان – التي تشهد له بالنفس الطويل في البحث وقراءاته المتجلدة والمتبصرة للذين تعامل مع نصوصهم (سواء كانوا قدماء أم محدثين، عربا أم غير عرب)[3].
ولد محمد عابد الجابري يوم 27 دجنبر 1935 بفكيك، وتوفي في 3 مايو 2010 بالدار البيضاء)؛ حاصل على دبلوم الدراسات العليا في الفلسفة. كلية الآداب. جامعة محمد الخامس. الرباط 1967، ودكتوراه الدولة في الفلسفة. من نفس الجامعة 1970، عمل مفتشا تربويا لمادة الفلسفة بالتعليم الثانوي التأهيلي؛ ثم أستاذا جامعيا للفلسفة والفكر الإسلامي، منذ 1967.
ما بين 1965 و1966، ساهم في الإعداد لتأسيس النقابة الوطنية للتعليم واستعادة التضامن الجامعي المغربي. وفي نوفمبر سنة 1966 قام الجابري مع أحمد السطاتي ومصطفى العمري بتأليف
كتاب “دروس الفلسفة” لطلاب البكالوريا في جزأين: الجزء الأول في الأخلاق والميتافيزيقا، والثاني في مناهج العلوم وعلم الاجتماع وعلم النفس. ثم تلاه في يناير 1967 كتاب” الفكر الإسلامي ودراسة المؤلفات” حسب
برنامج البكالوريا.في 11 أكتوبر 1968 صدرت جريدة أسبوعية باسم “فلسطين” وكان الجابري من ضمن المساهمين فيها؛ في يونيه 1957 حصل على شهادة البكالوريا كمترشح حر، وكان هذا بداية اتصاله بالشهيد المهدي بن بركة؛ وقضى صيف سنة 1957 مسؤولا في جريدة “العلم”؛ ثم في أكتوبر 1957 يونيه 1958 أخذ تفرغا للتعليم وقضى السنة الجامعية الأولى في دمشق. وحصل على شهادة “الثقافة العامة”؛ بعدها التحق بجريدة “العلم” من جديد صيف 1958؛ وفي أكتوبر 1958 التحق بكلية الآداب بالرباط قسم الفلسفة، حيث تابع دراسته الجامعية، وبمعهد ليرميطاج بالدار البيضاء كقائم مقام مدير منذ إنشائه في نفس التاريخ إلى يونيه 1959.ساهم في انتفاضة 25 يناير 1959 والتحق بجريدة “التحرير” منذ تأسيسها يوم 2 أبريل 1959 كسكرتير تحرير متطوع، في الوقت نفسه الذي واصل مهمته كمشرف على معهد ليرميطاج. وفي يونيه 1959 توقف عن العمل في هذا المعهد بسبب ظروف انتفاضة 25 يناير، متخليا عن راتبه فيه، مواصلا العمل في “التحرير” براتب شهري متواضع.انتخب عضوا في المجلس الوطني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية في المؤتمر الثاني مايو 1962.في أكتوبر 1962 أنشأ المجلس البلدي في الدار البيضاء (وكان اتحاديا) معهدين ثانويين أحدهما للبنين أسندت إدارته للمرحوم عبد القادر الصحراوي، والآخر للبنات أسندت إدارته للجابري.يوليو 1963 اعتقل مع باقي المسؤولين والأطر الاتحادية في مؤامرة تصفية الاتحاد ومكث رهن الاعتقال في زنزانة بالدار البيضاء أكثر من شهرين ثم أطلق سراحه لفراغ الملف. في السنة نفسها (1963) قررت وزارة التعليم “تأميم” المعهدين البلديين وإدماج العاملين فيهما في سلك موظفي وزارة التعليم، فعين أستاذا للسلك الثاني ثانوي.في مارس 1964 ساهم في إصدار مجلة “أقلام” وظل مشاركاً في تحريريها إلى أن توقفت سنة 1983 بسبب انفصال مديرها بنعمرو مع آخرين عن الاتحاد الاشتراكي .في مارس 1964 صدرت أسبوعية “الأهداف”: التي أهتمت بالجانب الثقافي مع تغطية نشاط الفريق البرلماني الاتحادي وأخبار الاعتقالات والمحاكمات الخ.في ديسمبر 1974، وفي إطار الاستعداد للمؤتمر الاستثنائي، استأنفت المحرر الصدور وواظب الجابري على كتابة ركن يومي في “التحرير” بعنوان “صباح النور” من يوم صدورها في 2 أبريل 1959 إلى 16 يوليوز 1963 حين تعرضه للاعتقال، واستمر في كتابة ركن يومي في “المحرر” بعنوان “بصراحة” من 1965 إلى أن قدم استقالته من المسؤوليات الحزبية في أبريل [4]1981(136). صدر له أكثر من 30 مؤلف، تمت ترجمة غالبيتها للغات متعددة، ونظرا لما تفرضه منهجية البحث من تقنين في صرد المعلومة، سنأتي على ذكر بعض منها: العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي 1971، الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية 1982،تكوين العقل العربي 1984، بنية العقل العربي: 1986،إشكاليات الفكر العربي المعاصر 1988، العقل السياسي العربي 1990،التراث والحداثة: دراسات ومـناقشات 1991، المسألة الثقافية 1994، المثقفون في الحضارة العربية الإسلامية، محنة ابن حنبل و نكبة ابن رشد 1995، مسألة الهوية : العروبة والإسلام … والغرب 1995، الدين والدولة وتطبيق الشريعة 1996، المشروع النهضوي العربي 1996، الديمقراطية وحقوق الإنسان 1997، قضايا في الفكر المعاصر 1997، ابن رشد: سيرة وفكر 1998،
العقل الأخلاقي العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية. 2001، في نقد الحاجة إلى الإصلاح سبتمبر 2005، مدخل إلى القرآن. سبتمبر 2006، فهم القرآن: التفسير الواضح حسب ترتيب النزول مارس 2008.إضافة لمؤلفات باللغتين الفرنسية والإنجليزية، ومنها:
(L’Islam et l’Occident ; La globalisation dans la pensée arabe contemporaine ;Ibn Rushd et dialogue des cultures ;choc des civilisations ou conflit des intérêts ;ContemporaryArabviews 0n globalization ;Can modern rationalityshape a new religiosity? ; Arab-IslamicPhilosophy[5].) .
حصل الجابري على جوائز عالمية واعتذر عن قبول أخرى، ومن أهمها: جائزة بغداد للثقافة العربية التي تمنحها اليونسكو. يونيو 1988، الجائزة المغاربية للثقافة. تونس مايو 1999، جائزة الدراسات الفكرية في العالم العربي، التي تمنحها MBI Foundationتحت رعاية اليونسكو في 14-11-2005، جائزة الرواد. مؤسسة الفكر العربي بيروت في 07-12-2005، ميدالية ابن سينا من اليونسكو في حفل تكريم شاركت فيه الحكومة المغربية بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة الرباط/الصخيرات: 16 نوفمبر 2006. أما الجوائز التي اعتذر عنها قبولها، في أواخر الثمانينات اعتذر عن الترشيح لجائزة الرئيس صدام حسين (100 ألف دولار)، وعن جائزة المغرب مرارا، وفي سنة (2001) عن جائزة الشارقة التي تمنحها اليونسكو (25 ألف دولار)، بعدها في سنة 2002 عن جائزة العقيد القذافـي لحقوق الإنسان (32 ألف دولار)، كما اعتذر عن العضوية في أكاديمية المملكة المغربية مرتين مع تأكيده في المرة الأولى على تفضيله البقاء ضمن موقعه في المعارضة، وككاتب بهذه الصفة[6].
إن معظم الدراسات الخلدونية قليلا ما تنظر إلى الفكر الخلدوني ككل، بل إن كثيرا ما تنظر إلى آرائه في هذا الميدان، في استقلال وانفصال عن آرائه في ميادين أخرى. وأخطر من ذلك ما يفعله بعض الكتاب حيث يعمدون إلى عبارة من عبارات فصول المقدمة، ينتزعونها انتزاعاً، ويتخذون منها أساساً لتأويلات وشروح تبتعد بالفكر الخلدوني عن روح عصره، وإطاره الخاص[7].
إن تجزئة الفكر الخلدوني على هذا الشكل، والاستناد في استنتاجات بعيدة، مفرطة أحياناً، على مجرد وعبارة أو فقرة وردت في المقدمة، أسلوب في البحث لا يساعد البتة على فهم آراء ابن خلدون على حقيقتها، وفي وحدتها الكلية وتناسقها الجدلي.لذا اخترنا من بين أهم مؤلفاته وأبحاثه، كتاب “فكر ابن خلدون، العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي”. الذي جعلناه أرضية أساسية لدراسة العقلانية السياسية في فكر أستاذنا، وهو نص أطروحته لدكتوراه الدولة في الفلسفة والفكر الإسلامي كلية الآداب جامعة محمد الخامس بالرباط.
اختار محمد عابد الجابري، منذ بداية انخراطه في الكتابة والبحث والعمل السياسي في ستينات القرن الماضي، مواجهة القارة التراثيّة، بحكم أنّه كان يدرك جيداً الثقل الذي يمارسه التراث الثقافي الإسلامي في الحاضر العربي، حيث تهيمن لغات وثقافات قادمة من أزمنة تجاوزها الزمن، الأمر الذي يؤدي إلى محاصرة إمكانية الإبداع والتجديد في الثقافة والمجتمع. ضمن هذا الإطار، استخدم الجابري بحس سياسي معلن مجموعة من مفاهيم الفلسفة الحديثة والمعاصرة، متوخياً هدفاً مركزياً، يتمثل في نقد آليات العقل العربي في التفكير والنظر، قصد إيجاد مخرج يسمح بتفكيك حصون التقليد، ويفتح أبواب التاريخ أمام الثقافة العربية، لتتمكن من الانخراط الإيجابي والتفاعل مع مختلف مكاسب التحديث والتقدم[8].
حرص الجابري -بحكم تكوينه الفلسفي وحسّه السياسي- على أن يدافع عن التحديث من زاوية لا تُقصي الموروث كليّة، ذلك أنه لا انفصال في نظره عن الذات في مختلف تمظهراتها إلا بالتواصل معها. وخيار التواصل لا يكون بالضرورة خيار تبعيّة وخضوع، بل قد يكون عن طريق الفحص والمراجعة والنقد، الطريق المناسب لتحقيق الانفصال المتدرج والتاريخي[9](142). لهذا، تعرض مشروع الجابري في حياته لمواقف متناقضة، تراوحت بين حدّين متباعدين، تمثل ذلك من جهة باحتفاء تيارات فكرية عديدة بالمشروع ومقدّماته، وطرائقه في النظر والعمل. في حين تعرّض من جهة أخرى، لانتقادات عديدة وسمت المشروع بالمحافظ والتوفيقي، معتبرةً أنّه يكرِّس خيارات فكرية وسياسية أقرب إلى الخيار السلفي.
لم يكن محمد عابد الجابري مفكرا عاديا، ولم يكن كاتب رأي أو مؤلفاً لمجموعة من كتب الفلسفة، بل كان في نظر الكثيرين مدرسة فكرية قائمة بذاتها، ومختلفة عن غيرها من تيارات الفكر السائدة في العالم العربي. لقد حفر الجابري اسمه في ذاكرة الحقيقة كثائر فلسفي حقيقي رفضَ بشدة كل القوالب الموروثة عن منظومة التفكير التقليدية، التي رسّخت لعقود وربما لقرون متعاقبة فكرة النقل المتواتر، وأقصت العقل من كل أدواره الحيوية في الخلق والتجديد والسؤال.
بعد رحلة طويلة امتدت لأكثر من 30 سنة، وأثمرت أكثر من 30 مؤلفا مرجعياً في الفلسفة والتراث والفكر الإسلامي، كان الجابري على موعد مع الرحيل أواخر ديسمبر 2010. غاب الجابري يومها وبقيت أسئلته المؤرقة حاضرة في فضاء النقاش العام والخاص، على حدّ سواء.
واليوم، بعد تسع سنوات مرت على هذا الرحيل الكبير، بعد تسع سنوات عاشها عالمنا العربي بظروفها العاصفة سياسياً واجتماعياً، وبمعطياتها المريرة، نتساءل بحرقة: هل ما يزال العقل العربي محتاجا إلى الإصلاح، أم أن الهدم بات شرطا مسبقا لإعادة البناء؟ وهل لا يزال الحديث عن العقل العربي ككتلة واحدة ممكنا أصلا، وسط فوضى المفاهيم، وفي ظل كل هذه الانتماءات الطائفية والعرقية التي استيقظت فجأة في قلب عالم عربي تبعثره النزعات والنزاعات؟ هل غاب العقل والنقل معا، وحضرت العاطفة بمعناها التاريخي؟ ووسط كل هذا
الجزر المعرفي الحاد ببلداننا، ومع صعود موجات التطرف والانغلاق التي باتت تحاصر حتى النوايا: ترى أين اختفى تراث محمد عابد الجابري، ولم غابت عنا أفكاره الحية؟
لقد دعا الجابري كثيرا إلى إعادة قراءة التراث على نحو حيادي متبصر لا تحضر فيه العاطفة كعنصر مشوه للحقيقة، ولا يعني الحياد هنا أن ننفصل عن وجودنا وكينونتنا الاجتماعية والوجدانية في علاقتنا الجدلية مع تراث الأسلاف، كما لا تعني إعادة القراءة أن نقع في قطيعة مع التاريخ، بل لعلها فرصة لبعث صلة الوصل من جديد بيننا وبين معطيات التاريخ التي نحن جزء من سياقها المتصل، فالعقل العربي، كما يرى الجابري، عقلٌ ماضوي يحن للأصول بوعي… ويحن إليها من دون وعي[10].
إنَّ الدعوة لإعادة القراءة والفهم تقتضي أن تخرج مجتمعاتنا من سجن التقليد، وهو مسار يقتضي من الفكر العربي أن يغادر خانة «العقل المستقيل» التي جعلته منفصلاً عن اللحظة المعرفية، وعن سؤال الراهن وقضايا العصر والحضارة، إنها دعوة من الجابري لإعادة الإحساس بوجودنا وسط عالم متسارع التحولات… وهي في الوقت نفسه دعوة لمراجعة تلك المتون التراثية التي تسكنها الخرافة، وتجعل من قرّائها مريدين لا باحثين أحراراً عن الحقيقة. إنَّ المصالحة التي يدعو لها البعض لا ينبغي أن تكون مع التراث، لأن ذلك يعني التطبيع مع مكامن الخلل فيه، لكن المصالحة مطلوبة دائماً مع التاريخ الذي نرتبط به في كل الأحوال، وعلينا قراءة أحداثه بموضوعية تنسجم مع رغبتنا في التحرر من قيود الانغلاق والتخلف وعبادة الأساطير النصّيّة… تلك الأساطير القاتلة التي أجرمت في حق عقولنا[11].
وإذا كان هذا هكذا، فكيف يجوز لنا أن نعبث بفكر هذا الرجل الذي لم تنجب الثقافة المغربية، بل العربية، مثيلا له في العصر الحديث والمعاصر؟ وهل يحق لنا أن نصدر أحكاما على فكره ونحن لم نقرا كتبه كلها أو بعضها، أو ربما لم ننكب على قراءة ولو كتاب واحد بأكمله ؟ وحتى لو افترضنا أننا قرأنا كتبه كلها أو بعضها، فهل قرأناها قراءة الدارس/الباحث المتبصر المحترس من السقوط في حكم جاهز، أم قرأناها كما لو كنا نقرأ رواية فننخرط في الصراعات القائمة بين شخوصها ونتيه في الأحداث التي تعج بها؟
إن فكر الجابري ما زال يقرأ بعيون ما قبل الجابري. والانتقادات التي وجهها هذا الأخير للقراءات العربية الحديثة والمعاصرة للتراث أو الغرب أو الواقع العربي الإسلامي مازالت أسيرة لرؤية سلفية، أي ترتكز على سلف معين، سواء كان هذا السلف ليبراليا أو ماركسيا أو دينيا … و” الفكر العربي الحديث والمعاصر هو في مجمله فكر لا تاريخي يفتقد إلى الحد الأدنى من الموضوعية “، والآليات الذهنية والبنيات اللاشعورية والأطر المرجعية التي توجه تفكيرنا – والتي كشف عنها الجابري في مشروعه الفكري بالنقد والتحليل الرصين – ما زالت قائمة ولم يتم تجاوزها. بل لا نجانب الصواب إذا ما قلنا بان فكر الجابري يتحدى الواقع العربي ومختلف مستويات التفكير فيه ، ويتجاوز معاصريه. فقد قال ومنذ سنة 1980 في مقدمة كتابه ” نحن والتراث “: إننا نعتقد بان الدعوة إلى ”
تجديد الفكر العربي” أو “تحديث العقل العربي” سيظل مجرد كلام فارغ ما لم يستهدف، أولا وقبل كل شئ ، كسر بنية العقل المنحدر إلينا من عصر الانحطاط، وأول ما يجب كسره – عن طريق النقد الدقيق الصارم – هو ثباتها البنيوي … إن تجديد العقل العربي يعني، في المنظور الذي نتحدث فيه ، إحداث قطيعة ابستمولوجية تامة مع بنية العقل العربي في عصر الانحطاط وامتداداتها إلى الفكر العربي الحديث والمعاصر[12].
كلمة أخيرة، إني أدعو إلى أن نتعامل مع أي مفكر- وليس الجابري فقط – متحررا من كل حكم جاهز ومن كل نظرة مسبقة. وذلك حتى تستطيع أن تكون رأيا مستقلا ومبنيا على أسس متينة وبشواهده القرائية. فإذا كانت آفة الأخبار رواتها، فان آفة الأفكار نقادها. فأنت قد تتفق مع بعض المفكرين في أرائهم كلها أو بعضها، وقد ترفضها جملة وتفصيلا، وقد تتركها – إن شئت – ” للنقد القارض للفئران”، ولكن ليس قبل أن تتكرم بمعاشرتهم حتى وان كانوا أفظاظا غلاظ القلب.


شاهد أيضا
تعليقات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.