مفهوم الدولة من خلال العقلانية السياسية لعبد الله العروي ومحمد عابد الجابري (الحلقة الأخيرة) 

العرائش نيوز:

إعداد: الأستاذ نورالدين السعيدي حيون

لا ندعي في خاتمة مقالاتي حول العقلانية السياسية في فكر كل من عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري أنني أحطت كلية بالعقلانية السياسية، سواء عند الأول أو الثاني، أو أنني حاصرت كل القضايا والطروحات والنظريات، الواردة في مؤلفاتهما وأبحاثهما، وإنما سعيت جهدا – أمام الزخم الجارف من المؤلفات والأبحاث المتوفرة في الرصيد الفكري للرجلين، أو من خلال مد الكتابات التي استهدفت هذا الفكر بالنقد أو التحليل والإغناء- في إطار ما سمحت به فترة الحجر الصحي الذي فرض علينا في زمن فيروس كورونا المستجد، حيث التواصل عن بعد مع بعض المهتمين بالفكر المغربي المعاصر، واعتماد ما تيسر لي من مراجع بمكتبتي الشخصية أو ما جادت به المنصات التواصلية عبر الأنترنيت. فكان على الأقل، وفي ظل هذه الظروف الاستثنائية بامتياز، السعي إلى التذكير ببعض المرتكزات والمبادئ التي يعتمدها الرجلان، فكريا وتنظيريا في مجال العقلانية السياسية، إذ لا يمكنني الحديث عن “نقد العقل العربي” بين “الحداثة والتاريخ”، حيث يعرف المتابعون للفكر المغربي المعاصر، المسافة القائمة بين مشروع محمد عابد الجابري، ومشروع عبد الله العروي “في الدفاع عن الحداثة والتاريخ”. كما يعرفون أن ما ركَّبه أحدهما من أعمال يختلف عن مجمل ما ركَّبه الآخر. نتأكد من ذلك من مواقفهما المباشرة، وغيرالمباشرة، وأعمالهما معاً. لكننا نعرف أيضاً أنهما يلتقيان في الأفق الجامع لتصورهما كليهما في موضوع النهوض العربي.

الأستاذ عبدالله العروي رجل فكر، إنه يضع الاستراتيجياتالكبرى ويحددها، ولكنه لا يدخل في التفاصيل والجزئيات، لأن الدخول في التفاصيل من اختصاص السياسيين، فحين وضع الرجل معيار نجاح تجربة التناوب بتعيين وزير أول من الحزب الفائز في الانتخابات، فإنه كان يقول بطريقة غير مباشرة إن استمرار الاتحاد الاشتراكي في هذه التجربة، رغم أنها فاشلة، يعني أنه يزكي الفشل، وستقع عليه لوحده، كحزب، له مشروعيته النضالية والتاريخية، مسؤولية فشل تجربة حكومية قادها في ظروف ملتبسة وغامضة، واستمر فيها، رغم أن التكنوقراطي هو الذي يقودها بعيدا عن رأي الناخب..

عبد الله العروي لم يستطع أحد من العرب فهمه؛ والسبب واضح وهو الموقع الذي قرأ منه هذا الكتاب هو موقع التقليد، والعائق الأكبر أمام القرن 18 حسب عبد الله العروي هو الفكر التقليدي السلفي.فينبهنا في المحاضرة الافتتاحية التي قدمها، بمناسبة افتتاح كرسي باسمه من قبل معهد العالم العربي بباريس، وجامعة محمد الخامس بالرباط، إلى فراغ آخر أكثر خطرا يتهددنا، ذلك أن الدولة الوطنية راهنا “تتفكك وتسلب منها كل سيادة”، مشيرا في محاضرته إلى أن: الانتماء اليوم هو للعرق والمذهب والقبيلة وليس للدولة، ويبدو أن المستقبل هو لسلطة القبيلة أو للفدرالية الهشة.

الذين انتقدوا الأستاذ العروي على ما جاء في محاضرته آخذوه لأنه، في نظرهم، يعتبر دولا مثل العراق وسوريا وليبيا وحتى السعودية دولا وطنية، في حين أنها دول عشائرية، أو كانت دولا محكومة من طرف أنظمة قمعية واستبدادية الأمر الذي سهّل انهيارها وتفككها، ونسي هؤلاء أن الرجل يعي هذا الأمر ويدركه جيدا، فالدولة مهما كانت قمعية ومستبدة، فإنها في النهاية دولة، فالحكام ذاهبون والبقاء للأوطان وللشعوب.

وإذا كان المطلوب تغيير أنظمة الحكم في تلك الدول وفي غيرها، فيتعين أن يتم التغيير بخطاب وطني، وديمقراطي، وحداثي، وجامع، وهذا ما ينبغي أن نكون متفقين ومجمعين عليه، فالتغيير المنشود هو الذي يزيد بنا خطوات إلى الأمام. أما إذا ساد الخطاب العرقي، والمذهبي، والطائفي، والعشائري، والقبلي، فإننا لن نكون إزاء تغيير بالمعنى الإيجابي لكلمة تغيير، سنقوم ببلقنة دولنا وتفتيتها، وسنجد أنفسنا في قلب تدمير شامل للعمران وللإنسان..

لا شك في أن الغرب يقف وراء سيادة خطاب الانتماء للعرق وللمذهب والقبيلة والطائفة والعشيرة، انسجاما مع سياسته الشهيرة بمنطق: فرق تسود، وهو منتج لهذه السياسة الجهنمية في منطقتنا، ويسعى لتعميمها من المحيط إلى الخليج، ومن المؤكد أن بعض النخب الحاكمة في دولنا تُجاري الغرب وتقوم بتسويق خطابه العرقي والمذهبي والقبلي في صفوفنا، ولذلك يدُقُّ الأستاذ عبد الله العروي ناقوس الخطر من مثل هذه السياسة المدمرة للنسيج الاجتماعي الوطني، ويحذّر من أخطارها، فهل من مستجيب لتحذيره، أم أننا سنصم، كالعادة، آذاننا، ولا نكترث بما يقوله مفكرونا؟                                                                                                                                                

كان الجابري، وهو أول من أعلن في منتصف سبعينات القرن الماضي موقفاً محدداً من تاريخانية العروي، كما تبلورت في أعماله الأولى، وخاصة “الأيديولوجيا العربية المعاصرة” (1967)، و”العرب والفكر التاريخي” (1972)، حيث كتب سلسلة من المقالات في جريدة “المحرر” (1975) حاول فيها بناء موقف نقدي من خيارات العروي الفكرية والسياسية.

يعد الجابري من المفكرين العرب الكبار القلائل الذين نجحوا في المزج بين التراث والحداثة، لاسيما في ثلاثيته الشهيرة حول العقل العربي. وقد استطاع المفكر الكبير محمد عابد الجابري أن يقرأ الفكر العربي قراءة نقدية تحليلية، كشفت بوضوح أوهامه ونجحت في تعرية لاعقلانية خطاب النهضة، الذي ربط تقدم العرب بسقوط الغرب، إلا أنه أخطأ حين ساوى بين السلفي والليبرالي العربي وحصر فكره في إطار قومي، كما يرى رشيد بوطيب في هذه المقالة النقدية.

ورغم أن العروي لم يرد بشكل مباشر على مقالات الجابري؛ إلا أن أعماله المتواصلة لا تزال تخاصم التصورات السلفية للتراث، وتنتقد بحدة نزعات التوفيق والانتقاء. إننا نعتقد أنّ اختلاف نظرة كلّ منهما في الجواب على سؤال النهضة وكيفية تجاوُز التأخر، بل واختلافاتهما في كيفيات التعبير عن إشكالات الفكر ومفاهيمه، تعتبر مسألة طبيعية، إضافة إلى كونها مشروطة بمعطيات تتجاوز الأفراد الذين يجسدونهم في نصوصهم ومنتوجاتهم الخطابية. هذاهو معيار الاختلاف الفعلي في نظرنا، وهو معيار يصبح فيه الفرد المشخّص حالة قابلة للفهم الموضوعي، بحكم تعدد الخيارات أمام الفاعلين في قضايا التاريخ المعقدة.

يرد اسم الجابري في خاتمة كتب المفاهيم التي كتب العروي، ونقصد بذلك مفهوم العقل، “مقالة في المفارقات” (1996)، حيث يرد الاسم في سياق لم تذكر فيه الأسماء، وإنما المواقف والخيارات. ويرد اسم الجابري أيضاً أثناء نقد العروي لنزعات الفكر التوفيقية، التي تواصل انتعاشها وانتشارها في فضاء الفكر العربي المعاصر. إنه يرِدُ ضمن تيار كبير دشنه الشيخ محمد عبده، وقدَّم في إطاره المواقف الأكثر تفتحاً وانفتاحاً على العصر، وهذا الأمر يعني في نظر العروي، أنه: آن الأوان للقطع كليّة مع لغة المخاتلة في مواجهة الماضي، وفي التفكير في وصل الحاضر والمستقبل بالماضي.

فلا خلاص من التأخر في نظر العروي إلا بإعلان القطيعة مع الماضي ومنتوجاته الرمزية. ولا يرد اسم الجابري -كما قلنا- في النص، لكن اختياراته تحضر كمواقف يتجه عمل العروي لمحاصرتها. فالعقلانية الخلدونية (ابن خلدون) رغم كل مزاياها داخل فضاء عصورنا الوسطى؛ تظل محدودة بنظام الفكر الإسلامي. وما ينطبق عليها ينطبق على الرشدية (ابن رشد)، وعلى مختلف التوجهات الفكرية المتميزة بعقلانيتها العالية في الثقافة الإسلامية، في عصورنا الوسطى. لهذا السبب، يستحيل، في نظر العروي، أن نستفيد من عقلانية الاسم والأمر والمطلق، عقلانيات تراثنا. والحل في تصوره يتطلب الإقرار بأن عقلانية الأزمنة الحديثة تتطلب القطع مع الموروث الثقافي، من أجل التمكن من استيعاب ما هو متاح اليوم للبشرية جمعاء.

في سياق آخر، لا يرد فيه اسم العروي إسميا (رغم وروده كخيار في النظر) يتحدث الجابري في خاتمة “بنية العقل العربي” عام 1986، الجزء الثاني من “نقد العقل العربي” عن سهولة المواقف الجذرية في التاريخ، مستخدماً لغة الاستعارة، وذلك في قول يخاطب فيه أصحاب الاتجاهات الراديكالية في مسألة الموقف من التراث ومن الماضي، أي الموقف من دعاة القطيعة في التاريخ، حيث يقول: ما أسهل الهروب إلى الأمام”، أي ما أسهل اتخاذ المواقف التي تتجنب رؤية الواقع كما هو، فتهرب إلى الأمام، وتتخلى عن التاريخ تحت اسم مساعي ومبادرات تأسيس التاريخ الجديد. التاريخ الذي يقطع مع الموروث في كليته، ليتبنى مكاسب الآخرين في الثقافة وفيالتاريخ نفسه. إن الموقف السليم في نظر الجابري هو الموقف الأكثر تاريخية، أي الموقف الذي لا يُغفل طبيعة التناقضات التي توجّه الواقع، ويسعى لاستيعابها انطلاقاً من بناء المواقف المعتدلة والاختيارات التي لا تفرّط في الذات، حيث لا انفصال في نظره دون وصل.

إذا كانت صورة الجابري في مشروع العروي “تكرارية توفيقية”، وصورة العروي في كتابات الجابري “لا تاريخية نخبوية”، وهو ما نتصوره ونحن نتأمل اليوم أعمال كل منهما وهي تعكس جوانب من صورة الآخر، ونتأمل في الآن نفسه ثنائية الصورة في مشهدنا السياسي؛ ألا يمكن حينها أن نجد في الواقع التاريخي الإطار القادر على احتضان الصورتين معا؟

يواصل العروي بحضوره ودفاعه المستمر عن ضرورة الانخراط في التاريخ الكوني؛ تعميق خياراته الحداثية، فيترجم نصاً لروسو يدافع في مقدمته عن الدين الطبيعي. لكن من منا يستطيع إنكار التفاعلات الحاصلة بين مشروع الجابري في الإصلاح، كما شخصّه بقوة في “العقل السياسي العربي” (1990)، وبين ما يجري من تطور في الثقافة العربية في موضوع الموقف من التراث؟ نطرح هذا السؤال لأننا نعتقد بأن تحولات الأفكار في التاريخ تخضع لعوامل عديدة، من بينها أشكال المثاقفة التي يصعب إدراك مختلف أوجهها بوضوح ودقة، كما يصعب نفيها، وضمن هذا الإطار، فكرنا ونفكر في نمط التفاعلات التي ما فتئت تنسجها نصوص الجابري في نقد العقل العربي مع أسئلة ومعضلات التحول في مجتمعنا وثقافتنا وخياراتنا السياسية: إن تحولات الأفكار في التاريخ تخضع لعوامل عدة، ونحن مازلنا نفكر في نمط التفاعلات التي تنسجها نصوص الجابري مع أسئلة التحول في ثقافتنا وخياراتنا السياسية”.

إن من بين أهم الخلاصات التي ينتهي إليها العروي في الفصل السابع والأخير المعنون ب”المفارقة الحالية” في كتابه المعني بالبحث، هي كالتالي:

لأن التفكير في الحرية هو بالأساس تفكير في الدولة والمجتمع؛
هل يدل ضعف مؤشر الحرية الفردية على أن الدولة قوية؟؛
أن التشديد على ضرورة تقوية الدولة باستمرار دليل على أنها ضعيفة باستمرار.

كما يسوق قول الباحث التونسي هشام جعيط الذي يقول: إن الدولة العربية ما زالت لا عقلانية، واهنة، وبالتالي عنيفة، مرتكزة على العصبيات والعلاقات العشائرية على بنية عتيقة للشخصية، مضيفا إلى ذلك، ما لاحظه ابن خلدون وماكيافللي، كون: الدعوة الدينية تزيد الدولة قوة على قوة العصبية. يستعمل الباحثون اليوم كلمة أدلوجة لنفس الغرض. فيمكن القول أنه لا دولة حقيقية بدون أدلوجة دولوية. ثم يضيف: رأينا ابن خلدون يوضح أن المدينة الفاضلة تستلزم أن يكون الإنسان عاقلا لا يحتاج إلى وازع خارجي وأن الخلافة تستلزم إلهاما ربانيا.. رأينا فيبر يشدد على أن الدولة العصرية هي بالأساس نظام بيروقراطي تتجسد فيه العقلانية الحديثة، لكنه في نفس الوقت يشدد على الشرعية، على الولاء الذي يمنحه الفرد للدولة. من هنا نخلص في نهاية الفصل السادس من كتابه “مفهوم الدولة” إلى الخلاصة التي نظمنها الجدول التوضيحي التالي:

المفكرون

أساس النظرية

هيغل

الأخلاق

ابن خلدون

الدين

فيبر

الشرعية

هوبس وروسو

دين مدني

ماركس وإنجلس

الأدلوجة

سوريل

الأسطورة

كل المفكرين السياسيين ، الواقعيين والمثاليين، يتفقون على المعادلة التالية: الدولة الحق، اجتماع وأخلاق، قوة وإقناع؛ يتفقون جميعا على القواعد التالية:

لا نظرية بدون تفكير جدي في أخلاقية الدولة؛
إذا لم تجسد الدولة الأخلاق بقيت ضعيفة؛
تحرير الدولة من ثقل الأخلاق حكم عليها بالانقراض.

ويختم بالقول: هذه هي الدروس التي تشير إليها النظرية، والنظرية كما قلنا، لا تتعدى الإشارة ولا تزودنا بمعرفة سبل تحقيق ما تشير إليه. لو كان ذلك ممكننا لما بقيت  مشكلة الدولة مطروحة منذ آلاف السنين. ليصل في نهاية كتابه إلى القول: إن المفكرين العرب لا يهتمون بالدولة القائمة، وبالتالي، لا يرون فائدة في البحث عن السؤال: ما هي الدولة؟

يحضرنا هنا جواب العروي، على هذا التساؤل البسيط ولكنه من التساؤلات الحارقة التي لازالت تطرح على المفكرين والنخب السياسية إلى اليوم في المغرب خاصة والعالم العربي عامة، وزاد طرحه بإلحاح من طرف كل فئات المجتمعات والدول المعاصرة، الغنية منها والفقيرة، المتقدمة والمتخلفة منها، الضعيفة والقوية، الجميع أصبح يبحث عما ينقده من الموت المحقق، عندما اجتاحت عالمنا، جائحة كورونا. من أجل البحث عما تحقق من النهضة العلمية والصناعية، والحداثة الاجتماعية في الصحة والتعليم، حيث قال في كتابه “مفهوم الدولة”: قد تقوي نظرية الدولة، مؤقتا، الكيان القائم بإعطائه، لأول مرة في تاريخ التجربة السياسية العربية، الشرعية الضرورية، لكن من المحتمل جدا أن تهدينا، بالمناسبة، إلى طرق واقعية لتحقيق الوحدة ومزاوجة الدولة بالحرية والعقلانية.  

ربما لن يرضى الأستاذ العروي أن ينخرط في الجدال الدائر اليوم، وأعني ذلك الجدال الذي يكثر فيه الحديث، والذي تتزعمه كتابات محمد عابد الجابري ومحمد أركون. وحتى إن لم يكن في استطاعتنا أن ننفي دخول صاحبنا في ذلك الجدال، فإنه مع ذلك لا يرد بشكل صريح على أية أطروحة من الأطروحات الواردة في الساحة النقدية في هذا المضمار. وربما كانت هذه سمة تميز كتابة العروي بصفة عامة، وهي صمته عما يجري بالقرب منه، وتفضيله محاورة البعيد عن مجادلة القريب.

من المؤكد أن كتابات العروي، بقدر ما تشخص وتعري معضلات التحديث في المجتمع المغربي والعربي، لا تكف تؤكد على ما يسعف في استنباته وإدماجه في نسيج الدولة والمجتمع والثقافة. ومنذ أن دشن مشروعه ب “الأيديولوجيا العربية المعاصرة” في الستينيات، مرورًا بـ “الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية” ثم “أزمة المثقفين العرب” وسلسلة “المفاهيم”، إلى “الفلسفة والتاريخ”، والأمر عنده يتعلق بضرورة العودة إلى أصل المشكلات لكشف جذور الخلل وقياس اتجاهها من زاوية ما توحي به للفكر وللعمل. وهو مسكون بشروط نهضة المغرب، ومفجوع من تأخره، ومندهش من ضعف نخبه وتقلبها. يقول في “الأيديولوجيا العربية المعاصرة”: لقد ولدت محاولتنا من تأمل وضع خاص، وضع المغرب اليوم. وما من شخص يتمالك نفسه من إبداء الدهشة إزاء العجز السياسي والعقم الثقافي اللذين تبديهما النخبة المغربية. استنتاج مازال سائر المفعول وقد يجتهد أي واحد منا للقول إنه لا يزال يمتلك راهنيةمثيرة، لأن المتأمل للوضع المغربي الحالي قد تنتابه الدهشة، كذلك، مما يسود العمل السياسي من عجز، وما يسيطر على الحياة الثقافية من رخاوة تسطيح. وتهافت النخبة على اصطياد المصالح بأية طريقة، بل لم تعد تميز بين اليمين واليسار، بين التقدمي والأصولي!

قال العروي … جوابا على سؤال، هل النخبة المغربية – يقصد السياسية منها – الحالية أقل وطنية من التي سبقتها؟ قال: بالمعنى المقرر أعلاه أستطيع القول إن النخبة الحالية المسيرة لدواليب الدولة أقل وطنية. مسترسلا: لا أعني أقل غيرة على مصلحة الوطن أو أقل تعلقا برفاهية الشعب، لكنها إما جاهلة وإما رافضة للتصور الذي حددناه وإن أقسمت بالثلاثي الشهير المذكور في النشيد الوطني-الله، الوطن، الملك-. كما أردف: إن لم تتجاهله بالمرة، فإنها على أقل تقدير تحب أن تعيد النظر فيه، خاصة وهي تشتغل يوميا بلغة وحسب معايير موروثة من عهد الحماية، وأوضح: لو طرحت على أعضاء هذه النخبة الحاكمة الأسئلة التي أحاول الإجابة عنها الآن لعجزت عن فهم المقصود منها أو لاستخفت بها”. وختم العروي جوابه عن هذا السؤال قوله إن: لهذه النخبة تصورا آخر وتعريفا آخر للوطنية. هذا تخمين وتخمين بريء.

   وبناء على موقفه هذا، نتساءل: ماذا تبقى من هذا المشروع ؟ تجب الإشارة إلى أن سلسلة الأحداث لم تؤكد رؤى ماركس؟ هل ستدوم الدولة الحديثة إلى الأبد؟ توضح الأحداث أنـها ستتعرضلكوارث عديدة: التعفن البطيء، التفكك السريع والانفجار المفاجئ. إنـها حركة جدلية تتميز بسمة التجزؤ، وتحمل بعدين مثيرين للقلق: فمن جهة، هناك تقوي الدولة، ومن جهة أخرى، هنـاك أفولـهاـ لكن هذا الأفول لا يتطابق مع التلف كما يتصوره “ماركس” و”إنجلز” و”لينين”.

إن “المثقف العربي” الذي صنعه العروي هو برنامج لتحقيق الغرب أو الحداثة. الغرب في تفكير العروي يحيل إلى التنوير والحداثة والعقلانية في السياسة والنفعية في الأخلاق والليبرالية في الاجتماع والقانون، وليس بالطبع إلى الغرب السياسي الذي لا يخصه العروي بالمجاملة. رغم ذلك، أسهم العروي في صنع ثنائية عرب/غرب التي وجهت أعناق المثقفين في اتجاه غربي حصرا، وأغفلت بقية العالم. ويتوافق برنامج المثقف مع تحقق غرب داخلي، أو عالم أول داخلي، وتثبيت انشقاق عميق في مجتمعاتنا إلى أمتين: حديثة ممتازة ملتصقة بالدولة، و”تقليدية” مزدرات التصقت بالدين و”التقليد”، على نحو يحاكي مفعول علاقة التبعية الاقتصادية كما درسها سمير أمين ومدرسة التبعية. ثم إن تاريخانيةالعروي التي تنظر إلى المجتمع كتأخر تاريخي لا بنية له، سهلت تصور المجتمع في مراحل لاحقة كهوية وثقافة، وانقلبت إلى الإيديولوجية الثقافوية التي تبدو لي تعبيرا عن العالم الأول الداخلي وتبريرا له. وفوق تضييق منظورات المثقفين من وراء كونية مزعومة، هي في الواقع غربية، تسهم ثنائية عرب/غرب في جعل الإسلاميين خيارا أكثر معقولية، الخيار المفضل لمن يرفض برنامج العروي في تحقيق الغرب.

في نقده لتاريخانية العروي كان عزيز العظمة يرى البنية السياسية للواقع، لكنه قررها تقريرا عارضا وسجاليا، ولم يبن عليها شيئا من جهة، وظلت سياسة الفوق المشدودة إلى “الدولة” من جهة ثانية. أعماله اللاحقة تشارك تاريخانية العروي التكتم على الصفة السياسية المركبة للواقع. أقصى ما يراه العظمة هو أن هناك دولا، تنال ثناءه عموما قياسا إلى ما تحكم من مجتمعات، أما الطبقات والمحلات والعشائر والطوائف، وحتى الناشطون والمثقفون المقموعون، فيقعون خارج الساحة البصرية لمنظوره، هذا حين لا يدينهم بوصفهم معادين للدولة. والمجانسة الثقافية التي ينسبها إلى الدولة (دون تمييز بين مفهوم الدولة المجرد وواقع الدول الفعلي)، ويراها شيئا مرغوبا بشدة، هي افتراض يمكنه من اعتناق عقيدة “العلمانية” التي تتصف “مسيرة التاريخ الكوني [بأنها] آيلة” إليها، علما أن “مسيرة التاريخ العربي محكومة بهذا المسار”، هذا على الرغم من: الصراعات الطبيعية التي تستثيرها هذه المسيرة مع القوى المحافظة التي أضحى الدين علما عليها، وبالرغم من إعادة الاعتبار إلى مؤسسات دينية خالية وإلى عقل ديني بال في مجال الصراعات السياسية.

ويبدو لنا أن النظام السياسي الذي يستخرج من المذهب التاريخاني للعروي، هو ذاته ما يستخرج من مجمل المقاربات الثقافوية والتنويرية: “الاستبداد المستنير”، محاولة استخدام سلطة الدولة لضغط الزمن وتدارك التأخر. الرجل يخاطب صراحة في تآليفهالأكثر احتفاء بالتاريخانية المسؤول والمصلح ومهندس الدولة القومية كما رأينا. والدور الإيجابي المناط بالسياسي مشدود لديه إلى اقتصاد الزمن أو ضغطه، أي “حرق المراحل”. ولعل هذا، هو مصدر تناقض آخر في عمل العروي بين نزعة تغييرية هي منطلق عمله وبين نزعة منسحبة أو متحفظة تسم تآليفه. قلما يكون العروي مقنعا وهو يتكلم على “شد عزائم الثوريين”، نتثقف على يديه وتتوسع آفاقنا، لكن لا يشد عزمنا بحال، كيلا أقول إنه يثبّطه. وفيجذر ذلك، في تصوري، أن “المستقبل الماضي” ليس بحال حلما ثوريا، ليس دعوة إلى عدالة أكبر وحرية أكبر. إنها عقيدة ترق اجتماعي نخبوية، وبرنامج لسياسة من فوق، تخاطــب “المصلح” و”المسؤول”، وليس الثوري. ومن هذا الباب الأخلاقي أيضا التاريخانية ليست دعوة ثورية، ولا تشد أية عزائم. الأصل في ذلك هو الضمور التام للبعد القيمي في هذه الدعوة. وهو ضمور ورثته عنها سلائلها الثقافوية، المعنية بالعقل والذهنيات وإصلاحهما.

قد يبدو مستغربا أن تفكير مثقف من الأبرز عربيا يؤول إلى إلغاء استقلال صناعة المثقف ودوره الاجتماعي. العروي ذاته مستمر في الإنتاج، وكتبه تثقف وتثير التفكير. لكن يبدو لي أن الرجل نسيج من التناقضات. سبق القول غير مرة إن حاله يكذب مقاله، على ما قاله هو عن ابن حزم في “مفهوم العقل”. وتكريسه سنوات للكتابة عن المفاهيم بهدف الضبط وإنتاجية التفكير، ثم قوله في “السنة والإصلاح” إنه ألف أن يقرأ كتب الفكر بالذوق، كما تقرأ الروايات وكتب الأدب تناقضا آخر. ثم معاداته للفلسفة، وهو فيلسوف كبير. هذه مؤشرات على حيوية فكرية، لكنها تثير الاضطراب عند القارئ. والمفارقة في ما يخصني أن كتابا لهذا المثقف المرموق يزكي احتقار الواقع وعدم إهدار الوقت على معرفته، هو ما تولد عنه لدي “كشف” علاقة الكتب بالواقع!

ومثلما ميز العروي بين واقع واقعي وواقع موضوعي، وأميز استنادا إلى عمله، وخاصة “مفهوم التاريخ”، بين تاريخ-وقائع وتاريخ مفهوم، يمكن التمييز في العروي نفسه بين عروي العمل، المثقف المنتج، المدقق، الواسع الأفق، التاريخي، وبين عروي الخلاصات، التاريخاني والمذهبي. هذا الازدواج يسري في كل عمله. وبفعل هذا الازدواج يمكن الاستناد إلى أحد العرويين في نقد الآخر، دون أن يقتضي ذلك حتما اعتناق ما يجري الاستناد إليه. عمل العروي يثقف، لكنه في مجمله فوقي، ويؤسس لتعال نخبوي على المجتمع ثقافيا، وللتسلط سياسيا.

معلوم أن تاريخانية العروي تنسب دورا إيجابيا لكل من المثقف والسياسي. لكنها لا تتيح لهذا الدور أن يمضي بعيدا في رأيي، بسبب انشدادها إلى “واقع موضوعي”، “المستقبل المستشرف”، الذي هو في الوقت نفسه ماضي أوروبا. ماذا يفعل سياسي مشدود النظر إلى “الواقع الموضوعي” أمام صعوبات “الواقع الواقعي”؟ كيف لا يغريه القمع الماحق بغرض تحقيق “المطابقة”؟ أن يكون بطرس الأكبر أو ستالين؟ ومن أجل استمرار انضباط السياسة بـ”الواقع الموضوعي”، هل يستغنى عن منع التغير السياسي لقطع طريق النكوص إلى “الواقع الواقعي” وسياساته؟ وهل يمكن منع التغير بغير عنف منظم، وأجهزة للعنف المنظم؟ خلال جيل واحد من “الموضوعية”، سيقود منع التغير السياسي إلى تعفن لا يطاق، وربما إلى موت وفير.

لكن على أرضية تفكير العروي، من المشروع التساؤل: كم من الوقت سينقضي قبل أن “تبلغ الدولة القومية غايتها من التصنيع”، ويتطابق “الواقعي” و”الموضوعي”؟ العروي لا يطرح السؤال ولا يجيب عنه. إلى حين يتحقق ذلك، ولا يبدو أن نحو خمسة عقود بعد صدور كتاب العروي قربتنا منه، لا مناص من العيش في واقع غير حقيقي، غير جدير بأن يعرف أو يجري التساؤل عن حقيقته أو يرسخ الوجود فيه. سيتعين على “المثقفين العرب” ارتضاء عيش ووعي برزخيين، أقرب إلى حلم لا يصحو منه إلا على معاصرة ناجزة مع الغرب، يحققها “مهندسو الدولة القومية”.

وإذا قلل البرنامج التاريخاني من شأن “أحوال الحاضر”، جملة الأوضاع والعلاقات التي تشكل راهن مجتمعاتنا المعاصرة، فإنه يقوض الأرضية الأبستمولوجية لنشوء العلوم التجريبية أو أية دراسة ميدانية. بازدراء يسميها العروي “النزعة التجريبية” التي تبقى “على مستوى التجربة الآنية”، فتنفخ الحياة في بنى الماضي. لكن أليس العكس هو الصحيح؟ أليس نخر الحاضر وسحب كل قيمة منه هو ما يمهد السبيل لهيمنة “معقولات أصيلة”، لـ”الصحوة الإسلامية”؟ وعند كل مأزق تاريخي، ينبثق السلفي، “فينيق التاريخ العربي” في قول العروي، ليتكلم على دينـنا وأصالتـنا، ويندد بالقيم الغريبة والمستوردة. تاريخانية العروي التي تسهم في تجويف الحاضر وإنقاص كثافته لا تتوفر على ما يحول دون انبعاث الفينيق مرة ومرات.

أما عن الجابري، فتحدث كمال عبد اللطيف أنه: كان يساهم في المجال الثقافي انطلاقًا من مقدمات سياسية محددة، ويمارس في السياسة أدوار المثقفين. هذا النوع من المزج بين السياسة والفكر والأخلاق أمر نادر اليوم. وقد مثل الجابري في غمرة عمله السياسي الصورة الواضحة للفكر السياسي الموسوم بالنزاهة والاستقامة. ولأنه لم يستطع التكيف مع مستجدات العمل السياسي التي أصبحت تقلل من شحنة المبادئ في عالم ركب المشهد السياسي فيه على قواعد جديدة، كانت خياراته السياسية والأخلاقية تمنعه من التلاؤم معها، وقد توقف عن العمل السياسي تحت ضغط ملابسات، إلا أنه ظل حاضرًا في قلب المشهد السياسي فاعلاً بدرجات، على الرغم من انقطاع عمله السياسي الفعلي والمباشر.

يقول الجابري عن مشروعه، إنه لم يتجه إلى الاشتغال على التراث، ولكنه اتجه إلى نقد العقل الذي أنتج هذا التراث، معتبرا أن ما قام به من نقد للعقل العربي، كان يجب أن يتجه البحث إليه منذ بداية ما يعرف بالنهضة العربية. ثم، يتساءل في مقدمة كتابه “تكوين العقل العربي”: وهل يمكن بناء نهضة بعقل غير ناهض؟ عقل لم يقم بمراجعة شاملة لآلياته ومفاهيمه وتصوراته ورؤاه؟ هكذا… ذهب الجابري إلى أن هذا أهم أسباب تعثر مشروع النهضة العربية. مضيفا أن المهمة التي يطمح إليها مشروعه، هي، استئناف النظر في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية من جهة أولى، وبدء النظر في كيان العقل العربي وآلياته من جهة ثانية. مما سيدفعه للبحث: داخل مصادر تكوين هذا العقل وطريقة تشكله. منطلقا من تعريف العقل على أنه: الفكر بوصفه أداة للإنتاج النظري صنعتها ثقافة معينة لها خصوصيتها، هي الثقافة العربية بالذات. الثقافة التي تحمل معها تاريخ العرب الحضاري العام، وتعكس واقعهم، أو تعبر عنه، وعن طموحاتهم المستقبلية؛ كما تحمل وتعكس وتعبر في ذات الوقت، عن عوائق تقدمهم وأسباب تخلفهم الراهن. بناء على ذلك، سيقسم الجابري العقل إلى عقل مكوِّن، أو العقل الفاعل، وعقل مكوًّن أو العقل السائد، وهو تقسيم استلهمه من تمييز لالاند؛ فالعقل المكوِّن هو ميزة أو ملكة مشتركة بين جميع البشر، أما العقل المكوَّن فهو جملة المبادئ والقواعد التي تحكم ثقافة ما. وبالتالي، فإن العقل العربي هو جملة القواعد والمبادئ التي يقدمها نظام الثقافة العربية.

سيتشكل العقل العربي، وتوضع أسسه الأولى والنهائية والمستمرة خلال عصر التدوين، والتي لم تتغير، ومازالت سائدة حتى الآن. “الثقافة العربية، بوصفها الإطار المرجعي للعقل العربي،.. فيما سيخصص الجزء الثاني لدراسة النظم المعرفية للعقل العربي التي وزعها إلى ثلاث نظم “عقل بياني، عقل عرفاني، عقل برهاني”... سيحدث تقارب بين العقل العرفاني، في شقه المتعلق بمثيولوجيا الإمامة، مع العقل السني البياني، لاحتقار التجربة والاكتفاء بالنصوص، وسيزيد هذا التقارب والإجهاز على العقل البرهاني مع الأشاعرة، الذين نفوا السببية وركزوا على الفاعل، وتوقف الاجتهاد في اللغة لتوقف الاجتهاد في الدين، وتم النظر إلى الطبيعة وقوانينها كمعطى إلهي مسير بفضل خالقه. هنا سيتوقف العلم أمام سطوة الدين، حيث سيروج لنظرية أن كل ما تم اكتشافه موجود في النص، ولا داعي للاجتهاد أو لإعمال العقل والنظر .لذلك قسم الجابري العقل العربي إلى ثلاث نظم معرفية: “عقل بياني، عقل عرفاني، عقل برهاني”:

العقل البياني: الانتصار للفظ على المعنى،.. أو العقل المستقيلفي الإسلام؛
العقل العرفاني: بحسب الجابري، فقد جمع التصوف والفكر الشيعي والتأويلات الباطنية للقرآن والسحر والتنجيم …إلخ، وهي مؤثرات قادمة من بلاد فارس بشكل أساسي، أو ما أسماه الجابري بالتأثير الهرمسي. وقد احتقر الجابري هذا العقل وشن نقدا لاذعا عليه، معتبرا أن الموقف العرفاني كان دائما موقف هروب من عالم الواقع إلى عالم “العقل المستقيل”، ومحملا إياه انتكاسات العقل العربي،.. ما يعني سيادة الأسطورة وإهانة العقل واعتماد اللامعقول؛ اعتبر ناقد العقل، أن انطلاقة الفلسفة الحقيقية كانت في الغرب الإسلامي، انطلاقا من ابن حزم الظاهري، الفقيه الذي أسس لعلاقة جديدة بين البيان والبرهان، ورفض العرفان من خلال رفضه للقياس. غير أن الجابري سينتصر بشكل أكبر لابن رشد، الذي ساوى بين الدين والفلسفة، رغم جنوح الموقف الرشدي إلى اعتبار أن الدين للعامة والفلسفة للخاصة. على نهجه في انتقاد العقل العرفاني، سيشن الجابري نقدا لاذعا على ابن سينا، الذي اعتبره أكبر مكرس للفكر الظلامي، بسبب الجانب الإشراقي (العرفاني) في فلسفته، ليعمم انتقاده على الفلسفة المشرقية فيما بعد؛
العقل البرهاني: صلة الوصل بين اليونان والأنوار،.. والذي يضم المنطق والرياضيات وعلوم الطبيعة، وهو الذي كان صلة وصل بين المرحلة اليونانية ومرحلة الأنوار... لمناقشة أقوال الفلاسفة واستعراضها، ليبرز الجانب العقلاني فيها. من ذلك مثلا إيراده لقول الكندي بضرورة البحث عن الحقيقة أينما كانت، إذ أنه: ينبغي لنا ألا نستحي من استحسان الحق واقتناء الحق من أين أتى، وإن أتى من الأجناس القاصية عنا والأمم المباينة لنا، أما الفارابي، فقال إن على الفلاسفة إفهام أهل الملة بأن ما في دينهم مثالات لما في الفلسفة وهي سابقة عليها. فتحدث الجابري عن نهاية العقل البرهاني في الإسلام، بنفس أقرب ما يكون للتراجيدي، الذي ما إن اكتمل شعاعه وأخذ في الانتشار، حتى انطفأت شعلته، إذ تحول البرهان مع الغزالي، إلى مجرد آلية ذهنية شكلية يراد منها أن تحل محل آلية ذهنية شكلية هي الأخرى، آلية الاستدلال بالشاهد على الغائب، ما أفقده وظيفته الأصلية التي أرادها له أرسطو، وظيفة “التحليل” و”البرهان”… استقالة العقل وتحول الثقافة العربية الإسلامية إلى نسق مغلق لا يسمح بالخروج عن حدود النص. بل أن العالم العربي لازال يأخذ بالتكنولوجيا ويرفض الفلسفة والتحرر والديمقراطية.

يرى الجابري أن العقل السياسي العربي، سيبقى محاصرا بإيديولوجيات لاعقلانية: إيديولوجيا الجبر الأموي، والتفكير الخارجي، وميثيولوجيا الإمامة. كما بقيت الممارسة السياسية تكرر نفسها في إطار المحددات الثلاثة (العقيدة، الغنيمة، القبيلة)، مع بعض الاستثناءات القليلة، التي لم تغير من طبيعة المسار العام، حيث ظل الصدام العنيف والاقتتال بين الفرقاء هما السمة الغالبة.لتحرير العقل العربي من هذه الأطر اللاعقلانية، يقترح الجابري البدء بتعرية الاستبداد، والكشف عن مرتكزاته الإيديولوجية والاجتماعية، وتجاوز المحددات التقليدية، عبر بناء عقل سياسي جديد، ديمقراطي حداثي.

اعتبر الجابري أنه: بمرور الوقت، سيتراجع دور العقيدة لصالح الغنيمة والقبيلة. بعد وفاة النبي، كانت القبيلة هي المرجع في اختيار الخليفة، في حين مثلث الردة تراجعا عن العقيدة. كانت الغنيمة المحرك الأساسي للفتنة الكبرى، مع تحول الدولة إلى الملك القائم على منطق القوة/القبيلة، بعد واقعة التحكيم التي شكلت منعطفا نحو الاستبداد. لتثبيت القبيلة، سيتخذ الأمويون من الغنيمة أداة لاكتساب المؤيدين وإغراء المعارضين وشرعنة الحكم، ولتثبيت أركان الدولة. قال الفقهاء إن العمل ليس شرطا للإيمان، وهو ما جاء بهدف إبقاء الخلفاء الأمويين، الذين اشتهروا بـ “فسقهم”، ضمن مجال الإيمان، أي تأسيس دولة استبدادية ترتدي جبة منع الفتنة، بالحفاظ على وجود الأمة ككيان والإسلام كدين؛ وهو نموذج بقي سائدا: “القبيلة إطاره، الغنيمة محركه، العقيدة غطاؤه”. نشوء أخلاق الطاعة، سينطلق الجابري من أخلاق الطاعة، باعتبار أن باقي الموروثات تشكلت أثناء عصر التدوين في فترة لاحقة، وكرد على الموروث الفارسي خاصة مع الحركة الشعوبية.

وتكشف مختلف أعماله المرتبطة بموضوع الحداثة ونقد التراث اصطفافه في العمل السياسي من منظار ثقافي حيث تحضر في أعماله الفكرية الغائية السياسية مشفوعة بطلب النجاعة التاريخية. وتساءل حسن حنفي في الندوة: لماذا غاب لفظ النقد عن “العقل السياسي العربي”، و”العقل الأخلاقي العربي”؟ وهل الغياب عنقصد أو عن غير قصد؟ إن الهاجس السياسي واضح في كل المشاريع العربية المعاصرة التي يغلب على معظمها الموقف اليساري عند العروي والجابري والطيب تيزيني وصادق جلال العظم ونصر حامد أبوزيد.

ثمة إذن، اختلافات شتى في تناول الجابري عند المختصين بدراسته من أهل الفكر والفلسفة ولكن الجابري يبقى رغم ذلك قامة فكرية شامخة بين أقرانه فلاسفة ومفكري العرب في القرن العشرين فأي المفكرين أو الفلاسفة قال الكلمة الفصل فيما كتب، ولم يناقشه كثيرون ويدحضوا رأيه؟.

نجد أنفسنا فيما سبق أمام صورتين متناقضتين يصوب فيهما النظر نحو زاوية محددة؟ ألا يمكن أن نرى في الصورتين عناصر إيجابية تؤشر إلى صعوبة ما، وتعقد القضايا الخلافية في كتابات المفكرين؟ ألا يمكن أن نرى في الاختلاف المرسوم في الصور السابقة، إطارا للتفكير في بناء نتجاوز فيه كلا منهما؟ ثم ألا يمكن أن نرى في جوانب عديدة من صور الصراع التاريخي في مجتمعاتنا اليوم ما يقابل الصورة التي تملأ أعمال المفكرين؟.

نقرأ في بعض المعارك القائمة في الحاضر العربي، ما يرجح خيارات أحدهما على الآخر. فللاستقطاب السياسي الذي يملأ اليوم أغلب المجتمعات العربية، ممثلا في أشكال حضور خيارات الإسلام السياسي وبدائلها التحديثية والديمقراطية؛ عناوين كبرى موصولة بوشائج قربى مع فكر الرجلين، وهي اليوم في حاجة إلى المراجعة والنقد، لعلنا نتمكن من تخطي التقابلات الحدية بين المشروعين.

إن العالم العربي، هو أحوج ما يكون اليوم إلى خطاب العقل الشفاف الذي لا ينتمي إلا لذاته الواعية، ولا يصبو سوى للحقيقة الصافية دون تشويه ودون خرافة… “نحن لا نمارس النقد من أجل النقد، بل من أجل التحرر من كل ما هو ميّت أو متخشب في كياننا العقلي وإرثنا الثقافي”، قال الجابري ذلك قبل سنوات عديدة، فما الذي سنقوله نحن اليوم.

ليس قصدنا من هذا البحث تنزيه المفكرين عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري عن أي نقد. فهذه أكبر إساءة يمكننا أن نلحقهابفكر الرجلين و بمشروعيهما النقدي. ولم يكن في نيتنا الدفاع عنهما، لأنهما تركا فكرا بلغ من القوة في المنطق والحجاج، والعمق النظري والوضوح المنهجي والثراء الإبستيمولوجي، والوعي الإيديولوجي … ما لا يحتاجان معه إلى مدافع. ولكننا أحببنا فقط التنبيه إلى وزر الأمانة العلمية والمسؤولية الأخلاقية الملقاة على عاتقنا كمهتمين بالفكر السياسي إذا ما تعلق الأمر بالحديث عن المفكرين، أو غيرهما، أو تقديم أفكارهما أو نقد أطروحاتهما. الشيء الذي يفرض علينا القراءات المتأنية والمتعمقة لنتاجهما مع ضرورة التزام الموضوعية والوضوح المنهجي والابتعاد عن إطلاق الكلام على عواهنه.

نطلع بالمجلة الفلسفية “الأزمنة الحديثة” للأستاذ بنعبد العالي في مقال بعنوان، “الجابري، حاضرا بيننا” أن: مرمى الجابري لم يكن قط تنبئيا، وأنه لم يكن يهدف إلى رسم ما ينبغي أن تكون عليه الأمور، وأن ما كان يشغله أساسا، وكما ردد مرارا هو (إعادة بناء الذات العربية)، وأيضا الجواب عن السؤال الذي ما فتئ يقض مضجع كل من اشتغل بالفكر من عرب معاصرين: كيف يمكن للفكر العربي المعاصر أن يستعيد ويستوعب الجوانب العقلانية في تراثه، ويوظفها توظيفا جديدا؟ فيجب: كان الجابري إذن منشغلا بما مضى وبواقع الحال، أكثر مما كان متطلعا إلى معرفة ما سيكشف عنه المستقبل. وهو قد مارس السياسة، ليس في الثقافة وحدها على حد تعبيره، وإنما كممارسة تنشغل بقضايا الساعة، وتهتم بالشأن اليومي. ويختم مقاله بــ:  نتبين إذن أن تملك التراث وتملك الحداثة ينصهران عند صاحب (نقد العقل العربي) في عملية واحدة، قد نطلق عليها تأصيلا للمفاهيم، وقد ندعوها تفكيكا لها، باستعمال مفهوم ينبغي تأصيله هو كذلك. من خلال هذه التساؤلات والاستنتاجات، أخلص إلى القول إن الجابري كان يرد تأصيلا العقلانية السياسية في الثقافة والمجتمع العربي عامة والمغربي خاصة.      

وفي الجانب الآخر نجد العروي كما يشير إلى ذلك الأستاذ مصطفى الغرافي في مقال حول “الفكر التاريخي والتحديث المجتمعي في مشروع عبد الله العروي”: .. يدعو برنامجه الإصلاحي إلى ضرورة اتخاذ مواقف قارة وحاسمة من القضايا الآتية(الفكر الفلسفي بكل مطلقاته، الأقليات ومشكلة الديمقراطية، الوحدة العربية في إطارها التاريخي، والدولة القومية وسياستها في ميدان الاقتصــاد والتعليم) ، مضيفا: وإذن لا نشك في القيمة الكبيرة التي تنطوي عليها مجمل أعمال العروي التي تجسد صورة قوية من صور الوعي النقدي في الفكر العربي المعاصر، فإن الحس التناريخيالذي ما فتئ هذا المفكر يدعو إليه يدفعنا إلى إثارة زمرة من الإشكالات العويصة التي تثير انتباه الناظر إلى منجــــــــــزه الفكري…، تميز مشروع العروي بجرأته في الدعوة إلى اجتثاث الفكر السلفي والمنزع التوفيقي من محيطنا الثقافي، ثم ينهي الأستاذ الغرافي مقاله بـالقول: ولذلك مثل سؤال الحداثة وسبل التحديث الخلفية الناظمة باجتهادات العروي التي انتظمت في صيغة تركيب منهجي رسم خلاله العروي الخطوط العريضة لمشروع فكر ي طموح أراد له صاحبه أن يكون بمثابة حافز على التفكير في موجبات الإصلاح السياسي والثقافي بوصفه المدخل الملائم لاستيعاب أصول الحداثة وتمثل أسس المعاصرة. لقد كان غرد العروي في الأصل عقلنة العلم العربي على كل المستويات، حتى تكون له القدرة على الانخراط في حركة التاريخ الكوني.

هذا ما حاولنا القيام به في هذه السلسلة من المقالات المتواضعة حول العقلانية السياسية في فكر المرحوم محمد عابد الجابري، والدكتور عبد الله العروي أطال الله عمره، بالرغم من كل الاستثناءات القاهرة التي عشناها خلال الجائحة ولا زلنا في ظل حالة الطوارئ الصحية وفرض الحجر الصحي لأكثر من عام، إلا أن السؤال الذي أصبح يؤرقني، وأنا أخط الحلقة الأخيرة، هو: مدى نجاح المرحوم الجابري والقيدوم العروي في ترسيخ العقلانية السياسية لدى العرب عامة والمغاربة خاصة؟، هنا يحضرني قول الأستاذ محمد المصباحي:… ولكن قضية العقل والعقلانية لا تتقدم في بلادنا، بل هي في تأخر مطرد لاسيما على المستويات العملية والثقافية والسياسية، في حين تنتشر ثقافة العداء للعقل بسرعة مذهلة حتى بين العلماء والجامعيين، بحيث صار القصور وتوكيل الآخر ليفكر في مكاننا ونيابة عنا طبيعة ثانية لنا. وأحد الشواهد على ذلك أن كل المشاريع العقلية الكبرى التي عُرف بها المغرب والعالم العربي باءت بالفشل، ابتداء من العقلانية الإيمانية لمحمد عزيز الحبابي، إلى العقلانية التراثية لمحمد الجابري، والعقلانية الكونية لعبد الله العروي، فإلى العقلانية المركبة من العقلانية الإسلامية والعقلانية الحداثية والعقلانية ما بعد الحداثية لمحمد أركون الخ. لماذا فشلت كل هذه المجهودات الفكرية الجبارة في خلق رأي عام عربي أو إسلامي يؤمن بالعقلانية، وبالتالي بالإنسان والحرية والتاريخ والتقدم العلمي والتقني والأخلاقي والسياسي؟ لماذا تأبى المجتمعات العربية الإسلامية إلا أن ترجع إلى الوراء وتفرز لنا بين الحين والآخر أوكارا للاتجاهات المتشددة التي تُحرّض على الإرهاب الذي يشل إرادتنا عن الفعل، ويحبس عقلنا على الإبداع، ويسيء إلى سمعتنا أمام العالمين؟ قد يقال بأن فشل أصحاب هذه المشاريع راجع لكونهم لم يستطيعوا أن يلائموا عقلانياتهم مع التركيبة الثقافيــــــة لمجتمعاتهم، ولكننا نعلم أن وسواس تكييف عقلانياتهم مع بيئتهم الثقافية كان أحد الثوابت في فكرهم. قد يقال بأنه ليس من حقنا أن نتكلم عن الفشل، لأن زمن التقدم العقلي زمن بطيء بالقياس إلى أزمنة التقدم اللاعقلاني، ولكن الوقت لم يسعف لكثير من الانتظار.

. الهوامش:

. عبد السلام بنعيسي، عبد الله العروي يقرع الأجراس: الانتماء اليوم للعرق والمذهب والقبيلة وليس للدولة، الجمعة 24 يناير 2020 ، شوهد في: 20/6/2020، في  

https://www.hespress.com

2 . عبد الرحمان بووشمة، العقلانية السياسية في فكر عبد الله العروي: مفهوم الدولة بين التقليد والحداثة، نشر في طنجة الأدبية يوم 18 – 05 – 2009، شوهد في: 10/5/2020، في https://www.maghress.com

3 . عبد السلام بنعيسي، عبد الله العروي يقرع الأجراس: الانتماء اليوم للعرق والمذهب والقبيلة وليس للدولة، الجمعة 24 يناير 2020 ، شوهد في: 20/6/2020، فيhttps://www.hespress.com  

4 . كمال عبد اللطيف، ذكرى رحيل الجابري: مواجهة مستمرة مع العروي، 3/5/2014، شوهد في: 12/5/2020، في https://www.alaraby.co.uk/

5 . قراءة نقدية لإرث الراحل المفكر محمد عابد الجابري: حدود العقلانية واللاعقلانية في مسارات الجابري الفكرية، 12/5/2010، شوهد في: 12/5/2020، في  https://ar.qantara.de/content

6 . كمال عبد اللطيف، نفسه.

7 . كمال عبد اللطيف، نفسه.

8 . كمال عبد اللطيف، نفسه.

9 .عبد الله العروي، مفهوم الدولة، ط1،(الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1981) ، ص 145.

10 . العروي، الدولة، ص 146.

11. العروي، الدولة، ص 157.

12 . العروي، الدولة، ص 157 و 158.

13 . العروي، الدولة، ص 170.

13 . العروي، الدولة، ص 171.

15 .عبد السلام بنعبد العالي، نقد العقل العربي الإسلامي: حول كتاب “مفهوم العقل” لعبد الله العروي، شوهد في: 13/3/2020، في https://www.aljabriabed.net

16 . خديجة صبار ، المغرب: نظيمة المخزن، تركيبتها ودورها في تكريس التقليدانية، 10/4/2018، شوهد في: 23/6/2020، في https://www.raialyoum.com/

17 . جريدة العاصمة، عبد الله العروي: النخبة الحاكمة في المغرب : جاهلة وأقل وطنية من التي سبقتها، متابعة 24/6/2020

18 . هنري لوفيفر، الدولة والسلطة، ترجمة: حسن أحجيج، شوهد في: 12/4/2020، في https://www.aljabriabed.net  

19 . ياسين الحاج صالح، في نقد عبد الله العروي: المثقف العربي برنامجاً لتحقيق الحداثة،ع11، ربيع 2015، شوهد في: 23/3/2020، في http://www.kalamonreview.org

20 . عزيز العظمة، التراث بين السلطان والتاريخ، ط 2، ( بيروت: دار الطليعة، 1990 )، ص 105–127.

21 . الحاج صالح، نفسه.

22 . الحاج صالح، نفسه.

23 . الحاج صالح، نفسه.

24 . الحاج صالح، نفسه.

25 . عبد الله العروي، الإيديولوجية العربية المعاصرة، ط 3، ( الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي ، 1995)، ص 186.

26 . العروي، الإيديولوجية، ص 165.

27 . من الذاكرة، عن كتابه أزمة المثقفين العرب، ترجمة ذوقان قرقوط. اعترض العروي محقا على مستوى ترجمة هذا الكتاب، وغيره، وأكثر فصوله مضمنة في كتابه


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.