هل راجع الألمان موقفهم من المغرب؟

العرائش نيوز:

نزار بولحية

حتى الآن ليس واضحا ما إذا كان ما وصفه بيان الخارجية المغربية في مارس الماضي بـ»سوء التفاهم العميق مع جمهورية ألمانيا الاتحادية» قد تبدد نهائيا، أم أنه في طريقه لأن يزول في القريب، بعد أن اختارت الخارجية الألمانية، أن تصدر الاثنين قبل الماضي، بيانا تضمن إشارة ودية نحو الرباط، بالتنويه إلى أن خطة الحكم الذاتي للصحراء، التي طرحها لإنهاء ملف الصحراء تعد «مساهمة مهمة» في المسار الذي ترعاه الأمم المتحدة. فليس من المؤكد بعد، ما إذا كان ذلك سيكون كافيا وحده في الوقت الراهن، على الأقل للقطع، بأن هناك انعطافة حقيقية قد حصلت في الموقف الألماني.
كما أن الصمت والتريث الذي أبدته الرباط في الرد أو التعليق بشكل فوري على تلك الخطوة، يفتح الباب على أكثر من فرضية. غير أن الشيء الثابت هو أن الألمان، ألقوا بحجر ثقيل في بركة مياه علاقتهم المجمدة، منذ مطلع العام الجاري تقريبا مع الرباط. والانطباع السائد الآن هو أن شركاءهم الإيبيريين، وضعوا بذلك التصرف في زاوية حادة. ولعل ما يدعم ذلك هو تلاحق مجموعة من التطورات، وفي مقدمتها توسع المدى الذي أخذته العلاقة بين الرباط وواشنطن وتل أبيب، ثم ما يلوح من بداية انحسار ملحوظ، وربما حتى تفكك في حلقة الضغط الأوروبي على المغرب، بعد أن شكل انحياز برلين منذ أواخر العام الجاري، ثم بالخصوص ربيع هذا العام، للمواقف الإسبانية، في ما تعتبرها الرباط أهم قضاياها الوطنية الرافعة الكبرى لتلك الحلقة. لكن السؤال هو، ما الذي دفع الألمان لأن يعدلوا موقفهم من المغاربة، في وقت لم يحقق فيه شركاؤهم الإسبان، حتى الآن، أي تقدم عملي أو ملموس على مسار تصفية وإخماد نار الخلاف، الذي اشتعل معهم في إبريل الماضي، عندما استضافت مدريد في أحد مستشفياتها زعيم البوليساريو بشكل سري؟ وهل أن اختلاف عاصمتين أوروبيتين حول طريقة وأسلوب التعاطي مع أزمة ذات أصل أو جذر مشترك، جمعتهما في سياق مختلف مع دولة مغاربية، هو أمر طارئ أو عابر؟ أم أن له تبعات وتداعيات لاحقة لا على تماسك الصف الأوروبي وحده، بل حتى على التعامل مع كبرى الملفات والقضايا الإقليمية، ومن بينها الملف الصحراوي؟ أيام قليلة قبل نهاية العام الذي توترت فيه علاقة الرباط ببرلين ومدريد بشكل ملحوظ، يلوح الآن بعض الصحو والدفء من جانب، مقابل استمرار كثير من الغيوم والصقيع من الآخر. والغريب أنه عندما كان متوقعا أن يكون تطبيع العلاقات الإسبانية المغربية من تحصيل الحاصل، وأن يتم ذلك في ظرف زمن قصير، بعد تتالي سلسلة من الإشارات والتصريحات الودية، التي أطلقتها مدريد نحو جارتها الجنوبية، فإن تعطلا مفاجئا وغير مبرر أو مفهوم، جعل تلك العملية تتوقف وتتجمد، ليظهر في المقابل عنصر آخر، وهو تقديم الحكومة الألمانية الجديدة لما يمكن أن يكون بادرة أولى على نيتها السير بسرعة قصوى نحو إعادة علاقاتها بالرباط، لما كانت عليه قبل بداية الأزمة الأخيرة معها. فما الذي حملها على ذلك؟ وهل أن الأمر يتعلق بمجرد بالون اختبار أطلقه الألمان بالتنسيق مع الإسبان لاختبار رد فعل المغاربة لا غير، وهو ما يعني أن الأمر ليس سوى تبادل مدروس للأدوار؟ أم أنهم حينما مدوا أيديهم للمغاربة فعلوا ذلك بشكل منفرد، ومن دون أي تنسيق أو تخطيط مسبق معهم، ما قد يدل على أن هناك اختلافا أو انقساما في المواقف والتصورات بين العاصمتين الأوروبيتين، حول الطريقة المثلى للتعامل مع المغرب، ومع قضايا المنطقة بشكل عام؟ المعلوم أن المصالح الإسبانية والألمانية هنا ليست واحدة. والمعلوم أيضا أن عدة عوامل في مقدمتها القرب الجغرافي والحضاري والتاريخي وحتى الاقتصادي، تجعل مدريد تتقدم تقليديا على برلين، في التركيز على ذلك الجزء من العالم، لكن النقطة المفصلية التي التقت فيها مصالح البلدين، وربما حتى طموحاتهما ومشاريعهما الإقليمية، وانتهت بهما لاحقا إلى نتيجة واحدة وهي، تضرر علاقاتهما مع المغرب خلال العام الجاري، هي موقفهما من الاعتراف الأمريكي أواخر السنة الماضية بمغربية الصحراء.

لقد شكل ذلك الاعتراف حدثا تاريخا مفصليا وفارقا في المنطقة، وغير موازين القوى بدرجة كبيرة، لكنه أربك في الوقت نفسه المعادلات والحسابات الإقليمية والدولية إلى حد كبير. وما لم يفهمه المغاربة حتى الآن هو ما الذي دفع الألمان بشكل خاص، لأن يحشروا أنفسهم في مسألة لم يكن لهم فيها ناقة أو جمل، ولم يكن لها كما كان يبدو أي تأثير مباشر في مصالحهم؟ إن آخر ما قد يقولونه هو إنهم فعلوا ذلك من منطلق إنساني أو من باب حرصهم على الدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها. فبالنسبة للرباط كان واضحا أن مسارعة برلين إلى التعبير صراحة عن رفضها لقرار ترامب الاعتراف بمغربية الصحراء، ومطالبتها مجلس الأمن بعقد جلسة عاجلة لمناقشة ذلك التطور، مثلت «موقفا سلبيا وعدائيا وخطيرا لم يتم تفسيره حتى الآن» مثلما أشار لذلك بيان الحكومة المغربية في مايو الماضي، في أعقاب استدعاء السفيرة المغربية المعتمدة في العاصمة الألمانية. أما ما بات مطلوبا من الألمان فعله للخروج من الأزمة واستئناف علاقتهم مع المغرب، فقد لخصه وزير الخارجية المغربي الناصر بوريطة في لقاء في الرابع من الشهر الجاري بمستشارين برلمانيين في كلمتين هما «مراعاة الوضوح والمعاملة بالمثل» في تعامل البلدين مع بعضهما بعضا.
والسؤال هنا هل أن الحكومة الألمانية الجديدة، استوعبت بشكل تلقائي حاجتها لأن تفتح صفحة جديدة في علاقتها بالدولة المغاربية؟ أم أن المساعي والاتصالات وربما حتى الضغوط الدبلوماسية غير المباشرة، التي قامت بها الرباط هي التي جعلتها تبادر للكشف عن نيتها تعديل ما اعتبرتها الرباط مواقف عدائية نحوها؟
ليس معروفا بعد إن كان قد حصل تنسيق ألماني إسباني قبل صدور بيان الخارجية الألمانية الأخير، لكن قيام الألمان بتلك الخطوة الرمزية، من دون انتظار تحسن فعلي في علاقة مدريد بالرباط، قد يدل على رغبتهم في الاضطلاع بدور قيادي في السياسة الخارجية الأوروبية، وتطلعهم لان يكون لهم حضور أقوى وأكبر في القضايا والملفات المهمة، التي تشغل القارة. وسيكون من المبالغة القول إنهم رضخوا أو انقادوا للأمر الواقع بسهولة، لكن براغماتيتهم قد تكون جعلتهم يفهمون أن ما قد يخسرونه أكثر مما يكسبونه في حال ما إذا تواصل الجمود في علاقاتهم مع المغرب، وفي صورة ما إذا نفذ الأخير تهديد العاهل المغربي في نوفمبر الماضي للأطراف التي وصفها بـ»أصحاب المواقف الغامضة أو المزدوجة» بأن «المغرب لن يقوم معهم بأي خطوة اقتصادية، أو تجارية، لا تشمل الصحراء المغربية». أما هل إنهم سيعتبرون أن ما قاموا به كافيا لاستئناف العلاقات، وأن الكرة باتت بعدها في المرمى المقابل، وهل أن الرباط ستتفاعل معهم إيجابا أم لا؟ فذلك ما لن يتأخر عن اكتشافه.
كاتب وصحافي من تونس


شاهد أيضا
تعليقات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.