العرائش نيوز :
عـــــــزيـــز قنجـــــاع
يتميز مؤلف الاستاذ احمد الدحراشي الموسوم ب ” رحلة خاطفة الى سويسرا ” بالجمع بين العمق والاحاطة في الوصف والمتعة و الطرافة في النظم والسرد وهما ميزتان يمتلكهما الاستاد الدحراشي عن سابق تمكن فهو الى جانب اهتمامه بأدب الرحلة فاحمد الدحراشي قاص الف مجموعة قصصية كما يهتم بفن الحكاية وفن الكاميشيباي الياباني، مما مكنه توسل لغة واصفة تمتاح من غرابة متون الرحالة ومن بلاغة مفردات حكيهم المسترسل وجمالية انتظام عباراته.
الا ان القضايا المطروحة في متن الكتاب الرحلي هذا تطرح مجموعة من الاشكاليات التي اود ان اناقشها هنا باعتبارها تمثلات ومواقف الكاتب من الغرب. فالرحلة في اعتقادي هي مصنع ثقافي اشتمالي تدميجي شبه موسوعي لذا لا بد لي ان اناقش المنهج الذي اعتمده الدحراشي في كتابته لهذه الرحلة، و لا بد ان اشير هنا الى ان الدحراشي اعتمد منهجا في الكتابة حاولت ان ادرجه ضمن المنهج التجريبي والذي يعني بالنسبة لي او كيف ولماذا حشرته ضمن هذا المنهج لاعتبارات التالية فالمنهج التجريبي يعتمد وصف التفاصيل بأقصى ما يمكن من الدقة دون اعتبار للابعاد التاريخية يتم الاعتقاد ان ما يرى و يجرب و يوصف بالحواس وينظر بالعين هو الحق. فكان بذلك تجريبيا على مستوى المنهج وضعانيا على مستوى الرؤية كيف فالوضعانية هنا اقصد بها وانا هنا تجدني اعرف مفاهيمي و احصرها حتى لا يجرنا النقاش الى نقاش تطور المصطلح وتشكله في التاريخ، فالوضعاني هو رجل عالم يدعي حين مقاربته ودراسته لظاهرة ما الانسلاخ عن المدروس والإصرار عل هذا التجرد المنهجي فيصف كل شيء من الخارج يقارن و يصنف ما يصدر عن الموضوع دون اهتمام باصل المشكل و بتاريخه و يحكم عليها باعتماد سلم قيمي لا يشك في ابدا في عموم صلاحيته . ويزن الأعمال الثقافية لا باعتبار المستقبل المرتسم في افق المجتمع المدروس
لماذا هذا المدخل المنهجي : لقد رايت انه من المستحب بالنسبة لي ولأحمد الدحراشي وللجمهور الحاضر ان نعلن وجهات نظر قراءتنا للنص الرحلي هذا، فعملية سلخ الذات التي مارسها احمد الدحراشي و التنكيل الذي لاقاه بلده على يديه مبرره القبلي في اعتقاد الدحراشي هو ان وضعنا وضع سمته الاساسية التاخر قياسا على تاريخ ناجز، التاخر التاريخي هذا مفاده ان التاريخ تحقق في اوروبا وباقي أطراف العالم المترامية تعاني من فواتتاريخي والمغرب نموذجا، هذا الامر في الرحلة يكاد ان يكون واقعا امبريقيا. فالمسبقات الثقافية التي حملها الدحراشي معه الى سويسرا تحكمت في انتاج مواقفه من الذات عبر الحط من قيمتها مع اعلاء شان و قيمة الاخر وتمجيده، فرغم محاولته تصحيح بعض المعارف التي تملكها كابي صديقته عن المغرب كبلاد صحاري و ابل وقحط وشح مطري الا انه مع ذاته وداخله الذي يبزغ من خلال مقارناته بين سويسرا و المغرب يبدو المغرب اكثر توحشا من ضواري الصحاري نفسها،
ففي مطار سويسرا نجد احمد الدحراشي يتوسل لغة عسكرية صارمة من مصطلح الانضباط النظام الدقة السرعة والسلاسة في عملية ختم الجواز وهو بذلك اذ يشيد بالاجراءات المتبعة هناك فهو يحيل ضمنيا الى غيابها في الهنا ، والوقت عند المغاربة لا قيمة له مقارنة بالسويسريين كلابهم وكلابنا الضالة بدورها خضعت للمقارنة ، أساليب البيع و الشراء والعلاقة بالسائح ومطاردة البائعين للسواحل لتبضع قسرا و يغبنوهم بأغلى الأسعار ، لكنه حين ذهب الى انيسي المدينة الفرنسية على حدود سويسرا لم يزعجه صراخ الباعة بالاثمنة لا لشيء الا لانه صادر عن غربيين ، المواعيد عندنا وإخلاف المواعيد من توابع الامور و عاداتها ، وحين يستحضر التقاليد وهو ينظر الى الفتيات الحسان يطلب من القارئ ان يعلق تقاليده على مشجب وكاننا نحن الشرقيون لم نملا الدنيا بشعر الغزل واغانينا نحن المغاربة من جبال الاطلس الى المحيط الى الصحراء الممتدة كلها غنج ودلال وشبق عكس ما صورته رواية مدام بوفاري لكوستاف فلوبير . في العلاقات الاجتماعية لا توجد ضوابط او اخلاق كما السويسريين ان ارتطمت عن غير قصد باحدهم فسيقول لك مالك حمار مكتشوفشي وكان الغربيين متسامحين ومسيحيين ممتازين ان ضربته على خد ناولك الخد الاخر ولم يتطرق للعنف القاتل في تلك المجتمعات ولم يلق نظرة عن ما كتبه مونتيسكيو في روايته الرسائل الفارسية عن اخلاق الغرب . حين يتطرق الى جون جنيه يعده من رموز النضال والتحرر في حين ان الرجل كان نازيا بامتياز وقراءتي لمسرحية الخادمة اثبتت عكس ذلك، والمغاربة وسخون ازبالهم في كل مكان تزكم الانوف كما قال الدحراشي والجار يكنس باب منزله ويضع الازبال بباب جاره ، اسلوب ترصيص الشوارع عندنا لا يخضع لمنطق التناسق والمغاربة يتحدثون بصوت عال عكس السويسريين الهامسين ومحطاتنا مملوءة بصياح الكورطي وللحصول على مقعد يجب ان تتدافع و تستعمل اعضاء جسدك من كتف و يد ، كما ان السويسريين يعطون امكنتهم للعجزة و المرضى عكسنا والمغربي يخلع حداءه ويضعه فوق كرسي الحافلة ، ولا باعة جائلين ومتسولين ولا نشالين بسويسرا ، فالمقارنة هنا كما يقول الكاتب شتان بين الحالين انه لا يدع مجالا لمغامرة المقارنة ” ويصل الامر بالكاتب حد الصراخ بالقول ” متى نرقى اليوم باخلاقنا وتهذيب سلوكاتنا ، لنصنع مجتمعا وامة خيرة ” ويقول انني لا املك الا ان اغبط الشعب السويسري ولربما احسده حسد غبطة لا غير على نعمة اخلاقه الراقية التي هو فيها ” رغم ان الشعب السويسري سرق اموال الشعوب الفقيرة وكدسها بابناكه ومول مشاريعه في اكبر عملية سطو على مقدرات الشعوب ، لكن احمد الدحراشي مثقل بمرجعية سنتحدث عنها لاحقا جعلته في هذا السكر والانتشاء الغير مبرر من كاتب مؤرخ نبيه ثم ينتقل الى المتاحف ويتساءل ماذا متاحفنا ليست بهذا البهاء ، ولم تسلم افران المدينة المغربية او سويسرا المغرب من حصتها من الحط و التبخيس، واراضينا الخضراء يبتلعها الاسمنت عكس اراضيهم ، حتى اكسيجينهم الذي يتنفسوه غير اكسيجيننا وهنا يصل الدحراشي الى قمة الانبهار المغرق في الغرابة بالغرب حيث ” يكفي فقط ان اتركه يندفع برفق الى رئتي حتى ادرك ان ما كنت استنشقه في مدينتي كان شيئا اخر غير الاوكسيجين “الشوكولا المغربية دون طعم اختها السويسرية اللذيذة طبعا والامثلة طويلة ، فقط الشاي المغربي نال حظه من المدح والمطبخ الشرقي اللبناني الغاص بالعجم الذين يقصدونه بكثرة .
وكما تلاحظون ما ينتج عن التجريبية شهادة ذاتية وعن الوضعانية تحليل جامد، كلا التحليلين او المنهجين ينفي التاريخ او يراه من منظور واحد ، فيعجز عن رصد الواقع ينتج عن هذا فهم تبسيطي للموضوعية يجعل منها تجردا نفسيا و يجعل من عملية المعرفة الية وضعانية تدعي النفاذ الى الواقع كما هو فعلا وهذا هو احمد الدحراشي كل همه ان يصور لنا الواقع كما هو، يفعل كل ما بوسعه ان ينقل لنا ما تمرره العين الى العقل وبواجب اخلاقي منه يستعمل تلك الصور ويضعها في ميزان المقارنة مع الذات المغربية
وبما ان كل قراءة لنص ما تتناول النص بما هو مدىتكامل عناصره، و بما هو نقطة تقاطع وانصباب نصوص، حوادثأخرى، والرحلة من حيث هي مصنع ثقافي اشتمالي تدميجي شبه موسوعي لا بد ان اشير الى ان كل الاحكام الصادرة عن الذات هنا هي منبثقة من اشكالية نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين الى حدود الحرب العالمية الثانية حيث سينظر المثقفون العرب بعد الحرب الثانية الى الغرب من منظور مختلف عن حركات لاحقة ستتطور بعد الحرب الثانية واقصد الحركات الاسلامية و الحركات اليسارية الماركسية على الخصوص فالاولون انتقدوا الغرب من مركزية ذاتية تعتبر الذات مركز التاريخ وتعيد احياء الهوية الاسلامية و الماركسيون انتقدوا الغرب من باب تركيزهم على نقد النظام الراسمالي من خلال الجشع و استغلال الانسان وبسط الهيمنة على الشعوب وتفقيرها ، اذن فالانبهار بالغرب و الدعوة الى الاقتداء به هو اشكالية تاريخية سميناها نحن مثقفو العربية بعصر النهضة نجد صدى لما قاله الدحراشي عند طه حسين، معروف الرصافي، احمد شوقي، توفيق الحكيم، حافظ ابراهيم، خليل مطران، رفاعة الطهطاوي، مصطفى لطفي المنفلوطي، عباس محمود العقاد، قسطاكي الحمصي، رئيف خوري، البرت حوراني، غالي شكري، قاسم امين، واللائحة طويلة
لماذا حضرت عند الدحراشي اشكالية النهضة في اتم صورها هنا ساعود الى الاستاد عبد الله العروي في كتابه الايديولوجيا العربية المعاصر والتي لخصها في مجموعة من النقاط يهمني منها تعريفه لمعنى الذات حيث يقول “ولكن نظرا لان كل تعريف للذات هو فإزائي يوضع الاخر او بعبارة اصح فبازاء الاخر يعرف العرب انفسهم هذا الاخر هو الغرب اذن فان وصف بحث العرب عن انفسهم يعني ان نقدم في الوقت نفسه تاريخا حقيقيا لفكرتهم عن الغرب“ لن اتطرق للنقط الثلاثة الباقية في اشكالية الذات و الاخر عند العروي فهي لا تدخل في باب المراد هنا، فلا تجد الدحراشي يفتر عن تعريفنا من خلال الاخر وبازاءه فكل ماليس حضاري نحن وكل ما هو حضاري سويسرا ، فالرحلة لا تفتر تموضع الذات تعرفها تعيد موقعتها ضمن شمولية غرب طاغ حاضر بقوة بل احمد الدحراشي يؤكد ما قاله ابن خلدون في الفصل الثالث و العشرون من مقدمته في باب ان أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه و نحلته و سائر أحواله و عوائده والسّبب في ذلك أنّ النّفس أبدا تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه إمّا لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من أنّ انقيادها ليس لغلب طبيعيّ إنّما هو لكمال الغالب فإذا غالطت بذلك واتّصل لها اعتقادا فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبّهت به وذلك هو الاقتداء أو لما تراه والله أعلم من أنّ غلب الغالب لها ليس بعصبيّة ولا قوّة بأس وإنّما هو بما انتحلته من العوائد والمذاهب تغالط أيضا بذلك عن الغلب وهذا راجع للأوّل ولذلك ترى المغلوب يتشبّه أبدا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتّخاذها وأشكالها بل وفي سائر أحواله ….حتّى أنّه إذا كانت أمّة تجاور أخرى ولها الغلب عليها فيسري إليهم من هذا التّشبّه والاقتداء حظّ كبير فإنّك تجدهم يتشبّهون بهم في ملابسهم وشاراتهم والكثير من عوائدهم وأحوالهم حتّى في رسم التّماثيل في الجدران والمصانع والبيوت.
دحراشي وضع الغرب مقياسا لخطية التطور الحضاري بل والارتقاء بالغرب الى مصاف المعيار وانا قلت ان الدحراشي بقي متماهيا مع نظرة رواد النهضة العربية للغرب دعَّمَها في رحلته هاته وبقي وفيا لها وقام من خلال وضع الغرب كافق للمقارنة بوضعه نموذجا للاقتداء و من خلاله عرف ذاته بتلخيص ان كل ما هو غير جميل ومكتمل و راق وسلبي هو نحن او الانا .ان الانطلاق من مسلمة غير واعية تحكم تفكيرنا تنطلق من هزيمة الذات وتخلفها ولا فكاك لها منه الا باتباع نموذجها الواقع في الهناك الاخر.
قراءة عمل الدحراشي لا يتم الا في اطار اشكالية معرفية مرتبطة بمنظوره الالحاقي للحدثي المفرد والمتفرد والمعزول الى الانتظام كرها في المنتظم المنظم واعمال الية المقارنة وجعله بذلك مفهوما في سياقه التاريخي كحدث مفرد مفوت يحتاج الى اعادة تعديل قسري
وبما ان كل قراءة لنص ما تتناول النص بما هو مدىتكامل عناصره، و بما هو نقطة تقاطع وانصباب نصوص، وحوادثأخرى، والرحلة من حيث هي مصنع ثقافي اشتمالي تدميجي شبه موسوعي، فلا بد ان اشير الى ان النصوص التي انسكبت هنا لتعطي للدحراشي مقولاته و انطباعاته هي نصوص نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين انسكبت جميعا لتعطينا نصا لا يختلف عن نصوص رواد النهضة ولكن السؤال لماذا حضرت هذه النصوص و غابت نصوص اخرى واقول لان هذه اشكالية جيلنا فالنص القرائي الذي تربينا فيه انطلاقا من الثاثلة ابتدائي الى الباكالوريا يطغى عليه حضور مفكري وادباء و شعراء النهضة وغاب الادب المغربي تماما بسبب ان الجيل الذي كتب في الستينات و السبعينات حتى بداية التمانينيات كان مفرنسا وحتى في الباكالوريا حين كنا ندرس الادب المغربي مع علال الفاسي و عبد الكريم غلاب و المختار السوسي فحين داك كان المغرب و الحركة الوطنية يتوسلون الفكر النهضوي كاساس لتفكيرهم على اعتبار ان الحركة الوطنية حركة سلفية اعتمدت المشرق مرجعا لها رغم تجاوز اطروحة النهضة و بيان معضلاتها لذا بقيت مدارسنا حبيسة نظرة كان قد تخطاها الشرق بعد النكبة العربية سنة 1948 وظهور حركات القومية العربية مع الناصرية و البعث وبدات تحاول ان تتلمس مسارا مغايرا من خلال دول عدم الانحياز وبروز الاحزاب اليسارية و الشيوعية على الخصوص ومناداتها بالقطع مع كل ماهو استعماري مع تاميم الخيرات العربية والاعتماد على الذات في التصنيع ضربا لكل تبعية وبروز الحركات الهوياتية الدينية التي ناضلت من اجل ترسيخ وجهة نظر ايجابية اتجاه الهوية الاسلامية والعقائدية.
ثم ان عموما يبقى اكتاب الدحراشي عظيم في طبيعة الموقف الاخلاقي و الفكري الذي ينطلق منه فيه ايمانه بالانسان وضرورة التواصل و التفاعل و الاثراء المتبادل بين الثقافات و المجتمعات وفي قوة فكره و الشبوب العاطفي الذي يتوهج من جمله وعباراته متجاوزا حدود اللغة المعجمية الجامدة لكن محتفظا بصرامتها المعرفية و بشروط تكوينها و تكونها . شكرا لكم و السلام عليكم
