العرائش نيوز:
محمد الياشيري
في صيف مدينتنا الحافل.. وبالرغم من ساحلها الممتد، العارضلعدد من مواضع الاصطياف بشتى الألوان والأذواق، لم نكننتردد على مياه ورمال شاطئها الأشهر“رأس الرمل” إلا لماما.. وكنا نحسبه بعيدا عنا، وغريبا عن أذواقنا، عكس شاطئ “عينشقة“. فهذا الأخير هو بحرنا المختار، وشاطئنا الصخري الأقرب إلى قلوبنا وإمكانياتنا المادية المعدمة في الطفولة. هو مقصدنا ومصطافنا طيلة أيام الحر.. وهو المدرسة التي تعلمنا فيها اقتلاع المحار والبحرار وصيد القمرون والسرطان واللهو مع سمك السابّو والسلطعون.. فيها حفظنا مواقع الصخور عن ظهر قلب، وتداولنا أسماءها، وتعلمنا تبعا للمد والجزر مواقيت السباحة عند كل واحدة منها ...
وقت السباحة في خبّاطة، ليس كغيره من الأوقات، حيث نختارالعوم عند صخرة الكرسي أو صخرة الزلايف.. وليس أيضا كوقت تخضيب سيقاننا الحافية بشلالات الواد الحار عند الانتقال إلى البّوسيطو أو الما جديد.. أو كوقت أخذ القيلولة على أرضية مصلى السلفيين الغاضبين على مساجد الأوقاف، ذي اللون الأبيض الساطع والتينة الوارفة المظللة لمخابئ معاقري محاليل الكحول…
كنا نظل النهار ننتقل بين أطراف هذا الشاطئ.. نسبر الأغوار ونستكشف ما تُخبِّؤه الأحجار.. نستفتح بسيدي بوقنادل طمعافي رغيف تم إهداؤه فجرًا لأصحاب المكان، أو نقدٍ أصفر وُضع فوق صخرة الشموع ثمنا لملتمس نَيلهُ كالسراب.. ثم بعده نتفرق على باقي المكامن بحثا عن سِقْطٍ انفلت من عابر، أو قارورة عطر فارغة جاد بها بحّار قضى الليلة يحدث الأمواج ويغازل القمر،وارتأى أن لا يكسرها حتى يستفيد منها كشّاف غيره..
لا نكترث للجوع الذي يعصر بطوننا، ولا للعقوبة التي يمكن أنتلحقنا إذا ما وصل كثير من طيشنا غير المحسوب إلى عوائلنا.. نقضي الوقت كله نطرد الضجر، وننسج عوضه خيوط السعادة، لايوقفنا سوى التعب أو حلول الليل..
طقس التفرج على قطع الشوكولاطة الضخمة بواجهة دكان إبراهيم العُمَاري واشتهاؤها ذهابا وإيابا صار فرض عين.. كذلك نشل الفواكه والحلوى من عربات ودكاكين السوق المركزي قبل الوصول إلى الإفريز المطل على البحر لا يمنعنا منه سوى المطاردة..
عين شقة هي قبلتنا، وهي ميدان طقوس بحرنا المقدس.. ما إن يبدأ موسم الاصطياف حتى تتوافد الوجوه المألوفة، ويوزع الفضاء عليها تبعا للرغبة وأحيانا للسبق… جميع الرواد شركاء فيأحواض العوم وأيضا في أماكن التشمس.. موضعان هما المستثنيان إذا ما حضر صاحباهما المعتادين. موطئ (سعيدسومارينو) وهو كهل أسمر مسالم.. كان يتخذ من كهفٍ قرب الحافة مسكنا له، وموطئ الأصلع المهاب، صاحب الوجه البيضوي المنتهي بقادومة كثيفة عند الذقن…
هذا الأخير كان مهووسا بفرك وجهه وجسمه بشتى أنواع المحكات الحجرية. مواظبا على ذلك كلما ارتمى إلى الماء المالح كأنه يدبغ جلد ضأن.. ورغم أننا كنا نتندر بسلوكه الغريب، ونستمتع بالسخرية منه، كنا نجد فيه سباحا منقذا، وأيضا حارسا أمينا،حاميا لنا من جماعة الكحول المسيطرة على أهم عين عذبة بالشاطئ نلجأ إليها من أجل الشرب أو الغسل من آثار الملوحة…
ذات يوم حار.. وبينما هو يستمتع بحمامه الشمسي اليومي، فإذا بأحدنا عن غير قصد يرشق صلعته بحجر صغير ويحدث فيها ورما، سرعان ما انتفخ واحمرّ وصار ككرزة ناضجة..
كان غافيا، وحينما سقط فوقه الحجر، قام مرعوبا وهائجا كثور يجري خلف المغامرين في مهرجان الثيران بشوارع مدينة بانبلونة (pamplona) الضيقة ويحاول نطحهم…
جميعنا ارتعبنا لهيجانه الذي لم نر مثله من قبل إلا قرينا لنا كان شجاعا ولم يغادر، فاشتبك معه بالشد والجذب إلى أن سقطا معا فوق الصخور المتفرقة.. فكان أن بعث فينا شيئا من الشجاعة، فعدنا إلى مواقعنا وتطوع بعضنا لتفريقهما وجميع الحاضر ينينوب بعضهم عن البعض الآخر في الاعتذار ويقولون بلسان واحد: لا أحد يريد أن يخسر وجودك النافع هنا.. ولذلك لا يمكن أن يؤديك أحدنا عن قصد؟؟
بعد ساعة.. عادت الأمور إلى سابق عهدها، وانساق كل واحد مناإلى بحور متعه.. كان الجزر قويا فعاد الموج ينكسر بعيدا عنالصخور، وعادت هذه الأخيرة مكشوفة وأعشاش البحرار فيمتناول الجميع.. جمعنا منها ما يكفي لإشباعنا وكعادتنا وضعناه في إناء معدني كان مستعملا في تصبير الزيتون، ثم أشعلنا تحته موقد النار وقعدنا ننتظر نضوجه.. وبينما نحن كذلك والبحرار عند منتصف طريقه إلى النضج، فإذا بصاحب الحدبة زعيم أصحاب الكحول يهجم علينا يستولي على الإناء بما فيه ويطردنا بعيدا بدعوى أننا سرقنا إناءه المعدني.. وهو يصيح الكاميلة ديالي .. الكاميلة ديالي.. الكاميلة ديالي؟؟؟
