قفشات من صخب الصبا: “ثْلَاثَةْ و ضَامَة”

العرائش نيوز:

محمد الياشيري

بعيدا عن كل ما يسمى الآن أجهزة ذكية، تعطل وقت وعقل الأطفال، وتجعل منهم دمى جامدة في مكانها لساعات تسبح فيدوامات برامج لعبها القاتلة للذكاء.. عديدةٌ هي اللُّعب البسيطة التي كانت تستهوينا في زمن الصبا، وتشدنا إليها شد المغناطيس للحديد في دائرة حقله، مالئةً وقتنا الثالث، ومالكةً بسحرها وجاذبيتها عقولنا وأجسادنا. (لعبة صالبولعبةالغميضةلعبة الملاقفلعبة البولاتلعبة الترينبولعبةالكاراكورلعبة التشاpاتلعبة الفتيحاتلعبة الpينالتيسلعبة إطلاق الطائرات والصواريخ الورقيةلعبة شريطةلعبةالطورنيوسلعبة سب سابوت.. وغير ذلك..

فلا يخلو يوم ليس فيه لَعِب، مهما بلغ مستوى ملئه ببرامج الدراسة.. لا نشبع من اللعِب ولا نروي ظمأنا منه. فمهما طال وقته، مرّ علينا كلمح البصر.. أما اللُّعَب فلا ملل ولا قنوط منها.. فعددها كثير وحظها من الأيام والأسابيع وافر عبر السنة.. يجري الانتقال من لعبة إلى أخرى بسلاسة ومن غير تعقيد.. فيكفي أنيعلن أحدنا التخلي عن اللعبة التي بلغ وقتها بيننا مرحلة الشيخوخة، وينتقل إلى أخرى جديدة، حتى يتواطأ معه الجميع وينضم إليه..

صارت أعرافا بيننا لا نتخلى عنها أو نغيرها، ممارسةُ لُعبٍ معينة في بعض الأوقات والفصول. فلُعبة تطيير الطائرات الورقية المعروفة بيننا بالسيوانات لا تتأتى إلا في فصل الربيع. ولعبةالغميضةلا تحدث إلا بين آذاني المغرب والعشاء، وتزداد حلاوتها في الأيام المظلمة. أمالعبة البولاتفوقتها يحلّ فيالشتاء، وتبلغ ذروة تعاطيها في العطلة المدرسية بين دجنبر ويناير..

ميادين لعبنا الكثيرة ساهمت في إسعادنا باللعب، وفي تعارفنا واحتكاكنا مع غيرنا من أطفال الأحياء المجاورة، وأيضا في انفتاحنا على لعب أخرى لم نكن نمارسها، لكن كان يغرينا الحضور في حِلَقها والتفرج على هواتها من الشيوخ والمتقاعدينمن أشهر هذه الميادين التي كان لا يمرّ علينا اليوم دون وطئه (ملعب السطياح ) فعلى أرضه الرملية كنا نفرغ سيقاننا بركلكرة الميكةحتى تعود غير صالحة للركل.. هذا إن وجدت، وإلا فرأس دمية قديمة أو قربة حليب مملوءة بالتبن والورقتفي بالغرض..

كثيرٌ هي الأحيانُ التي كنت أترك فيها هذا الميدان، وأنسحب إلىجانبه حيث ميدان تجمع الشيوخ والمتقاعدين للعب الورق والضامة بالرصيف المرتفع الملحق بمطحنة اللوكوس..

في البدأ كان ذلك فضولا مني، لكن عندما وجدت في حلقات هؤلاء نكهة خاصة، راقني الحضور بينهم فصرت أكثر من التحلّق على موائد الضامة والاستمتاع بالتفرج على المنافسات الساخنة بينمما رسيها، والتي تنتهي دائما بحفلة شربٍ للكوكاكولا يؤدي ثمنها اللاعب الخاسر.. ولأثبت وجودي بينهم في الأول من غير أن يلتفتإلي أحدهم ويطردني، كنت أتعمد انتظار جارنا الطاعن في السنبا العلميفأقبض يده الفارغة من عكازه وأساعده على تجاوزالطريق وإيصاله إلى حلقته المختارة ثم أقف بجانبه أقضي وطريمن التفرج والاستمتاع

شيوخ الضامة أشكال وأنواععدد منهم تجده لا يفقه في الحياة أكثر من أنه حي، ولا يزيد عن ذلك شيئا.. لكن حينما تشهده يلعب الضامة تلفيه يتفنن في تحريك البيادق ويتقن اللعبة إتقانا لا مثيلله ولا يغلبه إلا القليل.. وآخرون لا يحيدون عن شخصية حديدا نفي حيلهم ومكرهم وأيضا في حديثهم.. ويملؤون الحلقة أمثالا وقصصا وطُرَفاوأغلبهم لا يلعبون.. بل يتفرجون وعندما يشتد اللعب يتهافتون علىالتَّنْبِيرْوهي مساندة اللاعب ببعض الآراء التي تساعده على الفوز، خاصة عند نهايةالطرححيثالتمام كَيْتوَرَى” …

في حلقةبا العلميجميعهم يتواطؤن عليه، ويلعبون أو ينبرونضده، ولا يفطن لذلك لضعف سمعه. لكنه بارع في لعبه، ولا يهزم إلا في النادر من الأوقات..

يعد رابحا في مباراة الضامة كل من بلغالحيطوهو الغلب فيأربعةأطرحولذلك حينما يتعادل الخصمان بنتيجة ثلاثة لثلاثة يكونالطرحالمتبقي هو الأصعب عليهما لأن خسارته تعني التوجه باستسلام إلى حانوتولد اسعيدواقتناء قارورة الكوكاكولا وتقديمها للرابح ليوزع مشروبها على من يشاء من المتحلقين، وغالبا ما يكون هؤلاء من مسانديه..

با العلميعكسهم في هذا الطقس.. حينما يغلب يضع القارورة تحت جلبابه، ويحتكر مشروبها لوحده لأن الجميع يعادونه في اللعب ويقفون في صف الخصم

في أحد المساءات سأكون أول من يظفر بالمشروب من يدباالعلميوبإلحاح منه، دون أن يفطن الجمع للسبب.. فربما اعتقدوا أنه جاد عليّ بكأسين من قارورته لأنني أقدم له خدمة تجاوز الطريق ومساعدته على اتقاء الاصطدام بالسيارات.. لكن السبب لا يعرفه سوى أنا وهو.. ففيالطرحالذي سبق غُلْبَه للعسكري المتقاعد الحاظي بكل أنواع المحاباة من الحاضرين كان لِبا العلميضامة تتحرك في الرقعة وثلاث بيادق جامدة تحرسها ضامة العسكري المتقاعد. هذا الأخير كانت له ضامتان أخريان سبق بهما إلى الوادي.. وبهذه الوضعية يعتبرباالعلميقريبا جدا من الهزيمة مادام لا يقدر على تحريك بيادقه نحو الأمام، و أيضا لفقدانه الوادي الذي يُعِدُّ فيه الخصم خطته للانقضاض عليه.. الكل كان ينتظر استسلامه وبعد ذلك التلذذ بمشروبه والتشفي فيه.. لكنني انحنيت على أذنه، وهمست له بلعبة يخسر فيها البيادق الثلاثة الجامدة ويُخرِجُ بها ضامتي الخصم من الوادي ويرتمي فيه هو بضامتهوآنذاك سيمنع الطرح، ويعاد من جديد.. صمت بعدها طويلا.. ظن المتحلقون أنني أخبرته بشيء عن زوجته التي ترسلني إليه في بعض الأحيان لقضاء بعض أغراضها، لكنه كان يفكر في تنبيرتيال صامتة مليا.. وحينما راقته ونفذها ذهل الجميع وانبهروا منحذاقته وإتقانه

في الطرح الذي تلاه، غلب دون عناء. وحظي بقارورة الكوكاكولا من العسكري المتقاعد، وحظيت أنا أيضا معه بكأسين باردينمنها وسط تعجب الجميع….


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.