العرائش نيوز:
كنا مستغرقين في بحر حكاية معلمنا الرائعة، مفتونين بأسلوبحكيه السلس، وطريقة تمثيله البارعة.. اعتدنا أن نشهده عند نهاية كل أسبوع بعيدا عن مكتبه، جالسا قبالة صفوفنا وسط الفصل،جاعلا السبورة بعدما صيّرها لوحة ضخمة للرسوم المساعدة خلفظهره.. يروي ظمأنا من روافد قصصه الماتعة، الخارجة عن مقررالدراسة الشاحب من شدة فقدها..
قصة اليوم، “حي بن يقضان“، كان قد أعلن عنها الأسبوع الفائت بعرض بعض لمحاتها المشوقة؛ ومنذ ذلك الحين ونحن عطشى إلىتفاصيل أحداثها الساحرة، ودقائق فصولها الغريبة، وننتظر أوانسماعها إلى أن حان.. من غلبة هدوئنا كان الفصل يوحي بخلوِّهمنا، كنا وكأن الطير فوق رؤوسنا، وكانت الظبية قد انتبهت إلىصراخ استغاثةٍ صادرٍ عن صبي يبدو أنه شارف على الهلاك منشدة الجوع، حينما اقتحم علينا الفصل مدير المدرسة وفي يده مذكرة الإعداد لاحتفالات ذكرى عيد العرش. كرهنا حضوره في اللحظة إذ أفسد متعتنا وقطع أحداث قصتنا.. لكن، لما تحدثوأعلن عن فحوى المذكرة ابتهجنا وعلا ترحيبنا..
حفل عيد العرش هو موعد سنوي ننتظره بلهفة، ونقبل عليه بحماس؛ فهو كالمرطب الذي نحتمي به من جفاف المقررات،ونتوجه عبره إلى التنسم بهواء الأنشطة الاحتفالية..
منذ الأيام الأولى لشهر فبراير، تتحول المدرسة إلى خلية نحل لاتكف عن الأزيز، وباستثناء الكسالى منهم، وغيرهم ممن يعارض ويسفه هذه الاحتفالات ويعتبرها هدرا للزمن التعليمي، يأخذ كلمعلم ناشط دوره في الإعداد ويشرع في ترتيبه وتنفيذه..
معلمنا لمادة الفرنسية رسام عصامي مُجيد، ودوره هو إبداع لوحة عملاقة تجسد الملاحم الوطنية والمنجزات الحسنية.. ولذلك يعتكف كل عام في مثل هذا الموعد بمرسمه في أحد الأقسام الشاغرة، ولايخرج منه إلا وقد جعل اللوحة في متناول طابور المدرسة المشارك في استعراضات المدينة ليقدمها كهدية خاصة بالمناسبة الغالية أمام أعيانها..
خلال مساري التعليمي، ورغم أني أحفظ نشيد (أي ذكرى اليومنحيى.. بين أغلى الذكريات.. هي رمز وطني.. هي…) لم أنضم قط لهذا الطابور.. ليس لأنني كنت لا أحبذ المشاركة في الاستعراض، فقد سبق لي أن خرجت فيه مع المدرب “شعيب الحوات” رحمه الله ضمن فريق فتيان كرة القدم التابع للشبيبة والرياضة، ولكن لاستحالة توفير متطلباته المعجزة لي آنذاك،والمتمثلة في حذاء الكتان الأبيض المعروف بيننا ببركاطة الاستعراض؛ فقد كان صعبا أن تلجها قدماي حسب فلسفة عائلتي في التبرير، لأنها بيضاء ولا تحتمل ركم الأوساخ كغيرها من الأحذية التي تلائم أمثالنا من تلاميذ مدارس الهامش كبُوتاج وحلّامة ولامّيك.. وأيضا لعجزي عن إقناع والدتي بتوفير بذلة بيضاء جديدة ما دمت لم أتخلص من أختها الكستنائية المتينة التي رافقتني لسنتين متتاليتين..
المرة الوحيدة التي غيرتها ولبست عوضها أخرى بيضاء، كانت بمناسبة تمثيلي لقسمنا في المسابقة الثقافية التي نظمتها إدارةالمدرسة في إحدى الذكريات الوطنية، وكانت قد أعارتها لي إحدىصديقاتي بالقسم، دعما منها وتشجيعا لي من أجل تشريفالقسم في هذا النزال. ولما فزنا بها وأعدتها لها وجدتها تكاد تطيرمن الفرح كونها ساهمت في هذا الإنجاز الذي نلت فيه أنا والفريق المرافق لي كجوائز تحفيزية كتبا مقررة لنا للسنة الدراسية التي نحياها رغم أنها أوشكت على نهايتها..
معلمنا للسنة الماضية المكلف بالخشبة ومشمولاتها من تمثيل وغناء ورقص وغير ذلك من الأنشطة المسرحية هو ما تبقى لنا منمقاصد لتسجيل مشاركنا في الاحتفال. وكان قد هيأ لنا من قبلأعمالا تنشيطية حسب ميول واختيار المشاركين، وأيضا حسبرؤيته وتقديره البعيد عن قواعد وضوابط الإبداع الفني..
لم أكن بقدر حماسي المتدفق أتقن التمثيل. لكن مع ذلك، وجدتلي دورا في عمل مسرحي ضخم وسط عدد كبير من التلاميذ تحت عنوان (ملحمة العهد)، سيمثل بخشبة المدرسة أولا، وإذا مااختارته لجنة نيابة التعليم سيعاد “بمسرح إسبانيا” أمام كبارشخصيات المدينة..
هذه الملحمة، هي عبارة عن عرض لتاريخ المغرب الحديث، يُحكىعن طريق راوٍ حافظ من خلف الستار وتتخلل الرواية مشاهد مسرحية يؤديها حشد من التلاميذ الغارقين في عدد من أشكال وأنواع الأزياء المغربية الفضفاضة المأخوذة من الدواليب المنسية لكبار السن في عوائلهم.. دوري فيها كما كلفني به وعلمني تشخيصه، هو أن أننتفض في لحظة من خلف الصفوف وأنامتحلٍّ بالضراعة الصحراوية، وعندما أتوسط الخشبة أرفع قبضتي إلى الأعلى وأصيح بأعلى صوتي (ما دام الله معنا،فالنصر لنا) وأكررها لمرات قبل أن يتدخل البعض ويحملونني علىأكتافهم في اتجاه الستار وأنا لا أزال أصيح والباقي يرددون منخلفي…
قبل عرض هذه الملحمة أمام جمهور التلاميذ وأوليائهم فوق خشبةالساحة مساء الحفل المنتظر، قمنا بعرضها أمام لجنة الانتقاءالقادمة من نيابة التعليم. فبدا منذ الوهلة الأولى من لمحات عيونهم غير المكترثة وانشغالهم بالتهام الحلوى والشاي من غير التفرجعلى عرضنا أو حتى سماعنا أننا ثقيلين على النفس، ومملين،وغير معنيين بالتباري.. ولذلك فطنا إلى عدم رضاهم عنا فارتبكنا،واختلط علينا العرض في كثير من فقراته، وأحسسنا بفشل ذريع يدمر مجهوداتنا التي بدلناها في تنزيل تعليمات معلمنا، وانتهينا إلى أن ننتظر اللحظة التي يتدخل فيها هذا الأخير ويطلب منا التوقف ما دمنا قد عرفنا النتيجة منذ البداية..
في حفل عيد العرش كان عرض “ملحمة العهد” هو الأول من حيث ترتيب فقرات برنامج الحفل، وكان بعزمنا على إنجاحه وتحدين الأسباب فشلنا في العرض السابق، قد أديناه في أبهى حلةوأحسن حال، لكنه أيضا كان مملا وثقيلا وغير جدير بالإعجابمن قبل غالب الجمهور الحاضر.. وكان دوري الذي تحمست لهفي الأول وأحبطت عند أدائه في النهاية هو آخر دور أديته فوق الخشبة…
