العرائش نيوز:
بقلم: عبد المنعم العمراني
في خضم نبرة التفاؤل، بل والفرح الزائد عن حده لدى البعض، بعودة مياه علاقة المغرب وإسبانيا إلى مجاريها الطبيعية، قد يكون من المفيد أن يتعرف المغاربة – وعلى رأسهم النخب الإعلامية والسياسية – على بعض من الساسة الإسبان الذين يفضلون مصلحة جبهة بوليساريو، على المصالح المرتبطة بعلاقة بلادهم مع جاره الجنوبي. ساسة لا يعيرون – علنا على الأقل – اهتماما كبيرا لبلد يبلغ عدد سكانه ما يقارب 40 مليون نسمة، ويفضلون مصالح غير معلنة، يعتقدون انها تجمعهم مع تيار انفصالي يقول إنه يمثل مجموعة بشرية لا يعلم أحد تعدادها الحقيقي.
فإسبانيا، التي أقر رئيس وزرائها في رسالة رسمية، أن بلاده باتت تدعم المقاربة المغربية لوضع حد نهائي للنزاع القائم حول الصحراء، هي نفسها التي لا يزال جل زعماء برلمانها ينادون بضرورة دعم ما يصفونه بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء تنوير رأيهم العام وتقديم أجوبة شافية عن أين يوجد هذا الشعب الصحراوي المحتمل؟ ولا كم هو تعداد أفراده؟
بل منهم من يذهب إلى حد التعبير عن أمله في أن يقوم المغاربة بثورة لتغيير نظام الحكم في بلدهم، لا لشيء فقط لأن هذا الأمر يروق لمنطق الاستعمار الجديد الذي يسيطر على عقلهم الباطن. منطق يجعلهم يشعرون براحة فكرية تجاه شعب يعتبرون أنه لا يزال قاصرا، ويحتاج لرأفتهم ونصائحهم الأبوية. شعب لم، وربما لن يرتقي أبدا – في رأيهم – على سلم الحضارة كما يحددها الغرب. إنه منطق من لا يريد – أو لا يستطيع – التخلي عن شعور بالتعالي إزاء “المورو”: ذلك المخلوق المخادع، الذي تجري الخيانة كالدم في عروقه. مخلوق حتى وإن كان ينتعل اليوم حذاء، فهو يحن في قرارات نفسه إلى أزمنة غابرة كان يمشي فيها حافي القدمين.
على رأس قائمة هؤلاء الزعماء، وجلهم سبق وأن برهن عن انتهازية سياسية أكيدة بشهادة أبناء جلدته، يبرز اسم السيد “سانتياغو أباسكال” زعيم حزب “فوكس” اليميني المتطرف، الذي يعبر جهارا عن تعلقه بإرث الديكتاتور الإسباني الراحل “فرانسيسكو فرانكو”، والذي يضع في مقدمة برنامجه السياسي نشر قوات الجيش الإسباني حول مدينتي سبتة ومليلية، وبناء سور من الإسمنت المسلح لفصل المدينتين عن محيطهما الطبيعي في شمال المغرب.
اسم ثان، هو السيد “آيتور إستيبان” ممثل الحزب القومي الباسكي في البرمان الإسباني. هذا الحزب، الذي يحكم قبضته على مقاليد السلطة والمال والأعمال في إقليم الباسك وفي عدد من المقاطعات القريبة منه في شمال إسبانيا، يريد فصل الصحراء عن المغرب. لا يريد للصحراء أن تتمتع بحكم ذاتي تحت سيادة المغرب، بنفس الشكل ونفس الطريقة مثلا، التي يعيش بها أهل الباسك الذين يصوتون لفائدته منذ عقود، بعد أن استفاقوا من حلم “النضال المسلح ضد النظام القمعي الحاكم في مدريد”، كما كانوا يصفون السلطات المركزية الإسبانية، بما فيها تلك التي جاءت بعد رحيل فرانكو.
اسم آخر، وليس أخير، هو السيد “غابرييل روفيان”، الناطق باسم حزب اليسار الجمهوري الكتالاني في البرلمان. حزب يساند حكومة بيدرو سانشيث عندما يتعلق الأمر بمصالحه السياسية، خاصة تلك المتعلقة بمقاطعة كاتالونيا. لكنه يعارض نفس الحكومة في أي توجه قد يساهم في سيادة أجواء الثقة بين ضفتي مضيق جبل طارق.
ثلاث عينات، يمكن أن نضيف إليها السيد “جوان بالدوبي” الذي يمثل تيارا قوميا جهويا نابعا من مقاطعة فالنسيا ويعتبر قريبا إلى حد ما من حزب “بوديموس”، أي من اليسار الجذري المشارك في حكومة سانشيث. تيار قومي جهوي بمساحيق يسارية، يدافع عن حق الشعوب في الحرية والانعتاق كما يقول، لكنه لا يقيم أي اعتبار في كلامه لجزء ساحق من الشعب المغربي، ولا لأحاسيس سكان شمال المغرب الذي عانى من ويلات استعمار إسباني متخلف لا يريد السيد “بالدوبي”، وأمثاله، ذكره أو سماع قصصه.
كما يمكن أن نضيف بعضا من زعماء تيارات قومية تمثل أرخبيل جزر الخالدات (أو كانارياس) في برلمان الدولة الإسبانية، من أمثال السيدة “أنا أوراماس” عن تيار “الائتلاف الكاناري”، التي تنتقد المغرب بشدة وتقول إنه يعمل على تقويض أرضها، في إشارة إلى جزر الخالدات. هذا الأرخبيل الذي لا يبعد عن سواحل المغرب إلا بحوالي 500 كيلومتر، أي أنه يقع جغرافيا في إفريقيا، لكنه يتبع سياسيا لأوروبا وإسبانيا.
هؤلاء هم من يمثلون شعب إسبانيا في البرلمان، وهذا ما رددوه مؤخرا وهم يعارضون بشدة التوجه الجديد للحكومة الإسبانية في تعاملها مع المغرب: ذلك البلد القريب البعيد، الذي يظل في مخيلة النخبة الإعلامية والسياسية الإسبانية شيئا غريبا، حتى وإن تفنن الكثيرون وناضلوا من أجل إبراز ما هو مشترك وإيجابي في تاريخ المغرب وإسبانيا. لأن أدمة الأفكار المسبقة كانت وستظل عصية على أن يخترقها خطاب التفاهم والتعاون من أجل غد أفضل للجميع.
قد يخترقها خطاب القوة وخطاب المصالح المشتركة، فتهدأ النفوس قليلا، لكن فقط إلى حين.
…………..
الرباط في 8 أبريل 2022
