“تاريخ العرائش من بداية القرن السادس عشر إلى الاحتلال الإسباني للعرائش سنة 1610” (الحلقة الثانية)

العرائش نيوز:

التأريخ لمدينة العرائش خلال القرن الخامس عشر والسادس عشر: ملاحظات أولية حول المصادر التاريخية المغربية (II)

وليس الفقيه الكراسي وحده والذي يعتبر مصدرا نادرا وفريدا في التأريخ لمعركة المليحة بوادي اللوكوس، بل أيضا ابن القاضي أحمد في كتابه “لقط الفرائد من لفاظة تحقيق الفوائد”. فهذا المؤرخ اكتفى فقط بالإشارة التالية وفي هذه السنة 849هـ، حرك الشيخ الوطاسي للجزيرة التي أسفل من قصر كتامة في شعبان منها بجميع أهل المغرب، واحتال في قطع الوادي الذي دخلت منه سفن الكفرة، فطلبوا منه العفو عن أنفسهم.

والملاحظ أن أحمد بن القاضي نفسه، وإن كان قد أشار إلى اسم السلطان الوطاسي، فإنه لم يذكر اسم الدولة التي دخلت وادي اللوكوس أملا في استنبات موقع حصين لها في سهل الهبط عموما. ومما له دلالة أن لا تستعمل كلمة “برتغال” من طرف أي مؤرخ مغربي أرخ لمطالع العصر الحديث بتاتا، أو استعمل ما يفيد الدلالة عليها حتى  نهاية القرن التاسع عشر على يد الناصري والذي نقل ذلك عن مصدر إسباني اعتمد عليه التاريخ للغزو الإيبيري لسواحل المغرب، بل إن المتتبع لأحداث التغلغل الاستعماري بالمغرب خلال القرن التاسع عشر، سيلاحظ أن الناصري ماهي ومازج، بل شابه بين أحداث الحقبتين بشكل كبير، فأرخ لأحداث القرن الخامس عشر والسادس عشر وهو يتأمل أحداث القرن التاسع عشر فأعطى نفس دلالات عصره للعصر الذي قبله، فقال عنه عبد الله العروي في كتابه “مجمل تاريخ المغرب” أن الناصري كان يعرض وقائع القرن 9/15 بعقلية القرن 13/19، وصعب علينا أن نجده الوحيد الذي أشار إلى أكبر عميل يحيى أوتعفوفت الذي لعب دورا كبيرا في تحقيق البرتغاليين لمكتسبات مهمة بالجنوب والذي تتحدث عنه الوثائق البرتغالية بكثرة باعتباره سيد منطقة دكالة وعبدة ومعاملاته الكبيرة مع البرتغال، فحتى اسم هذا العميل أورد اسمه محرفا لنقله عن المصدر الإسباني السابق الذكر.

 

ونجد الناصري في حديثه عن الهجوم الذي تعرضت له العرائش سنة 668هـ يمتعض هو أيضا من هذا الأمر فيقول في هذا الموضوع “لما كان المحرم من سنة ثمان وستين وستمائة،هجم النصارى على مدينة العرائش وشميس من ثغور العدوة المغربية، فقتلوا رجالها وسبوا نساءها وانتهبوا أموالها وأضرموها نارا، ورجعوا عودهم على بدئهم، فركبوا أجفانهم ولحقوا ببلادهم، ولم تنلهم شوكة السلطان يعقوب لأنّه كان مشغولا بفتح مراكش في التاريخ المذكور ولميبين في القرطاس هؤلاء النصارى من هم “فالملاحظ أن نهاية إيراد الخبر بهذه الطريقة يبين الفراغ الكبير الذي تركه ضعف التحقيق في الكتابة التاريخية الوسيطية.وما ذكرته عن المغرب ينطبق كذلك على جارتيه تونس والجزائر، فأحمد توفيق المديني لم يستطع التاريخ للغزو الإسباني للجزائر في كتابه حرب ثلاثمائة سنة بين الجزائر واسبانيا 1492-1792 إلا بعد اللجوء إلى أرشيف سيمنكاس الإسباني،؟ وهو الأرشيف الذي اعتمدناه بكثرة في حديثنا عن تاريخ العرائش.

وبعد استتباب أمر الدولة السعدية ابتداء من أواسط القرن السادس عشر، ستزدهر الكتابة التاريخية الرسمية إلا أن هذه الرواية ستغفل كل ما لا يوافق الرؤية التقليدية حول عدم التعاون بين الاسلام والنصرانية، وهو ما يضعنا أمام عدة عقبات حقيقية، فنعمد إلى سد الفراغ باعتماد كتابات التجار والدبلوماسيين والعسكريين الأجانب ورجال الدين الذين جاؤوا لافتكاك الأسرى والسفراء لدى السلاطين خلال تلك المرحلة، إلا أنها مصادر أرخت لرؤية منحازة متمركزة حول الذات فأغفلت أسئلة كثيرة طرحتها أحداث تلك المرحلة، وسنحاول خلال هذا الشهر المبارك أن نستعرض أهم الأحداث التي عرفتها مدينة العرائش على طول تاريخها الحديث.

أتمنى لكم سفرا ممتعا برفقتنا الى عوالم بقيت مجهولة من تاريخ مدينتنا الجميلة.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.