العرائش نيوز:
ليلة رمادية.. تلك التي قضيت معظم ساعاتها وأنا أتمنى أن لا يصل بعدها ضوء النهار. رهاب ما بعده رهاب.. لست أدري كيف سكنني تلك الليلة وأَقسمَ أن لا يغادر حتى يوصلني إلى اللحظة المنتظرة. ابتدأ خوفا صغيرا من وخزٍ سبق لي أن جرّبتُه وأنا أصغر سنًّا من الآن فاختلطت به أحلام النوم الخفيف ووساوس حَكَايَا الرعاديد من الأطفال. فأخذ يكبر مع تدحرج الوقت نحو الفجر كما تكبر كرة الثلج حتى صار رهابا جامحا، كاد أن يمنعني من الذهاب إلى المدرسة في اليوم الموالي…
كنا نجمع أدواتنا ونستعد للخروج حينما ولج الفصلَ دون استئذان مديرُ المدرسة.. بدا مُكشرًا وحازما كعادته. قابل صفوفنا عند الوسط، ثم أخبرنا أن طاقما من المستشفى مكلفًّا بالتلقيح ضد الأمراض الستّة الفتاكة سيزورنا في الغد بين الخامسة والسادسة مساء وأمرنا بتطهير أيادينا بالماء والصابون حتى لا يختلط الدواء بجراثيم أوساخنا المتراكمة من كثرة تفريطنا في الاغتسال..
عمّ الفصل صمت مطبق، وبدا في عيون التلاميذ سواد التوجس.. خبر قدوم “الباكونة” لم يحبذه أحد منا رغم الجهد الذي بذله المعلم في شرح مزاياها وفوائدها على صحتنا في المستقبل.. وَخْزَتُها المؤلمة هي التي تلوح أمامنا الآن.. وأيضا حكايات الكبار ممن صاغها مؤامرة تحاك ضدنا لتجعل منا جيلا كالدجاج الرومي، لا يتقن سوى الأكل والشرب ومعه الخمول والاستكانة.. (ما عجز عنه المخزن من ترويضٍ لهم من أجل طاعته العمياء وتصديقه في كل ما يصنع من سياسات، دفعه إلى أن يستعمل وصفة “الباكونة” حتى يغرس معها جميع ألوان الطاعة والولاء..) هكذا يقولون…
منذ تلك اللحظة وقصص الأقران وغيرهم من الكبار حول “الباكونة” تنفذ إلى مسامعي، وتُراكِم الرواسبَ من الأحاسيس المختلطة… وتُشعل نيرانا من الأسئلة الوجودية حول مصائرنا إن كان لهذه الأمصال تأثيرات سلبية ولن تظهر إلا بعد سنين… ورغم أنني جربتها من قبل حينما كنت في المسيد، ولم تكن مؤلمة كما يصورها التلاميذ، وقَبْلها جرّبت العديد من إبر البيليسيلين بمستوصف “العوينة” الذي كنت أتداوى به كلما أصابتني حروق أو طفحت في جسمي دماميل.. حيث صار جزء من عَجُزي كالغربال من كثرة دقها فيه، فإنّ ذلك لم يمنع تحول هذه الأحاسيس إلى وجل متقدم، امتزج في الليل مع سهادي النادر وقذف بي إلى عيش أصعب فترة خوف في طفولتي…
بدأت العملية كما كان مخططا لها.. أمرنا معلمنا أن نتبع نفس الترتيب الذي كنا نطبقه قبل أسابيع حينما كنا نتسلسل من أجل أخذ حصتنا من “البومادا الصفراء” بعد غزوة الرمد لعيوننا.. أمرنا أن نهدأ ولا نلتفت إلى موقع الوخز بالخلف.. كنت أنا أجلس في المقعد الثاني من الصف الأول يمينا وكانت العملية تقام في الزاوية اليسرى البعيدة في الخلف، مما أمكنني من اختلاس بعض المشاهد التي تحدث لزملائي ومعها ردود أفعالهم غير المتوقعة وأحيانا المضحكة.. سجلت عددا منها لبعضهم ممن يدعي الشجاعة، ثم خزنتها في ذاكرتي إلى حين احتياجها.. بين الحين والآخر كنت أسمع صراخا يعلو ويعقبه بكاء.. وحينما ألتفت وأتعرف على صاحبه لا أستغرب من صانعه، لأنني أجده ممن كنت أنتظر منه هذا الرد.. أغلب الذين صرخوا أو ذرفوا الدموع كنا نعدهم من “أولاد ماما غطيني”… غير أن ما فاجأ الجميع هو كبيرنا سنا وأوفانا جسدا.. كنا نحسبه أشجعنا وأقوانا والقادر قبلنا على فعل الشيء.. هو من كان يعتمد عليه المعلم في السخرة ودوما كان يعطيه دور الأب أو الجد في النصوص الحوارية، وجعله النموذج الذي نحاكيه عند تعلمينا طريقة الوضوء والصلاة.. فهذا الزميل، ما إن كشف عن ذراعه للممرض ليعقمه بالكحول حتى سبقته متانته الممتلئة ودفعت بسائلها الساخن إلى الخارج قبل أن يدفع الممرض إبرته في جلده..
من حسن حظي.. لم يشملني الوخز في ذلك اليوم.. وجد الممرض ذراعي موشومة بأثرٍ سابقٍ للقاح فأعرب عن نصف ابتسامة ثم أرجعني.. وكأني به يقول: لقد سبقت هؤلاء إلى التدجين فما عليك سوى التفرج على الباقي..
قضيت ما فضل من الوقت في التندر على ما تبقى بعدي من زملاء، وأنا أترقب لعلّي أرى أحدا يفعل أكثر مما فعل نموذجنا في الطهارة والصلاة…
