العرائش نيوز:
شريف طريبق
بمناسبة انعقاد دورة محمد بنعبود لمعرض الكتاب في نسخته الأولى المنظم من طرف جماعة العرائش، أعيد نشر مقال لي كنت قد كتبته بعد يومان من رحيل الفقيد.
“محمد بنعبود، الصديق الهادئ”
مرة وانا أزور صديقي عبد السلام الشويردي بحي جنان بوحسينة، ونحن ما زلنا تلاميذ في المستوى الاعدادي أشار لي إلى شاب يكبرنا ربما بأكثر من عقد وقدمه لي أنه زوج أخته لمياء، وكان آنذاك استاذا عُين حديثا بإقليم الراشيدية، لم أكن أتوقع يوما أن هذا الشخص ستربطني به صداقة ستدوم أكثر من 20 سنة، لم أكن أتوقع أن فقدانه المفاجئ سيحدث لي كل هذا الفراغ.
في سنوات التسعينات من القرن الماضي تعرفت على محمد بنعبود على الأرجح في مقهى السينترال/المقهى المركزي الذي كان مركزيا بامتياز. كان يجلس في أوقات محددة في مكان منزو، بعيدا عن ضوضاء المقهى الذي كان يعج بكل الأطياف السياسية والثقافية والنقابية والأمنية. كان مجلس محمد بنعبود هادئا ولحظة مفارقة مقارنة مع الجو العام حيث يدور النقاش عاليا حول الأدب واخر الاصدارات. كان أنداك محمد بنعبود يكتب القصة القصيرة، ويترجم بعض النصوص الصغيرة التي كان ينشرها على صفحات جريدة وطنية يومية. كانت بدايته في الترجمة هادئة ومثابرة تأخذ وقتها وتختار النصوص بعشق، مساره انطلق في الترجمة لم ينطلق كمهنة ولكن بحثا عن المتعة، حيث سبق له أن قال لي مرات عديدة أنه تعلم من الترجمة الشيء الكثير ومنحه امكانية تملك النصوص التي يشتغل عليها وفهم معانيها بعمق ومعرفة عوالم الكاتب بدقة. كان في بعض الحالات يقرا رواية فيقررأن يترجمها وهو لا يعرف هل هناك امكانية للنشر أم لا، الشيء الذي حدث مع رواية ” الوصايا المغدورة” للكاتب ميلان كوندرا وأخرى، وحتى عندما يكتشف أن نشر العمل المترجم غير ممكن، لا تحس بأن لديه أدنى احساس بالحسرة والإحباط. بالنسبة له السبب وراء الترجمة تم تحقيقه أي متعة السفر داخل النص.
بعد أن أخرجت الفيلم القصير الأول “نسيمة ” 1998 كنت أبحث عن فكرة لكتابة شريط قصير وبينما أنا أقرأ مسودة مجموعته القصصية الأولى التي كان ينوي نشرها أثارتني قصة قصيرة سبق لها أن نشرت على صفحات جريدة وطنية ”غريبان” تدور أحداثها بجنوب المغرب، فطلبت منه أن يسمح لي لتحويلها الى سيناريو، فقبل بطبعة الحال وأذن بذلك، ولكن رغم ذلك كنت أخبره بتطور الكتابة وكل التغييرات التي أقوم بها على القصة لتحوليها الى سيناريو، الشيء الذي كان يتقبله بصدر رحب كعادته، ووجد فيه فرصة لمعرفة مسار كتابة السيناريو. بعد ان انتهيت من الكتابة حيث كانت فرصة بالنسبة له لمعرفة بعض تقنيات كتابة السيناريو، وعدني بأن يكتب شريطا تلفزيونيا، فلم يأخذ الأمر بمحمل الجد، لكن ذات يوم وأنا أتواجد بمنزله قرأ علينا أنا وصديقي المخرج محمد العبداوي مشهدين من الفيلم الذي كان يكتب والذي سيصير فيما بعد الفيلم التلفزيوني ” تسقط الخيل تباعا” كان المشهد الأول الذي قرأته هو اللقاء الأول بين الأستاذ عبد الحق(محمد نظيف) و ندى( هدى الريحاني) أمام الشرفة الأطلسية، فوجئت بحوار سلس يتراوح بين الجدية والسخرية ويخرج عن المألوف أي أنه بليغ بنوع من الايحاء، ودون استعمال تقنية الاستنطاق المعروفة في الانتاج التلفزي آنذاك. عبرت له عن اعجابي بالمشروع، فوعدني بأنه سينتهي من كتابته في مدة شهر كأقصى مدة، وفعلا كان في الموعد، عندما حصلت على السيناريو وضعته في محفظة سفرياتي وأنا لا أعرف بعد اجراءات ايداع عمل تلفزيوني لدى القناة الأولى والوحيدة التي كانت تنتج الأعمال الدرامية. ظل السيناريو في الرف لأكثر من سنة الى درجة اني كنت أخجل من لقاءه لأنني لقم بمهمتي مع العلم أنه لم يكن يهتم كثيرا. لكن عندما تحولت القناة الثانية الى الانتاج الدرامي ذهبت بدافع الاحساس بالواجب والتخلص من عقدة الذنب ووضعته لدى مكتب الضبط بإدارة القناة بإحساس من ادى مهمة أجلت طويلا. مرت الأيام ووافقت اللجنة على العمل وأعجبت به وقررت أن تخوض المغامرة مع مخرج شاب غير معروف انداك. لكنه لقى نجاحا كبيرا لدى الجمهور، رافقته لمدة طويلة على بثه مقالات نقدية وتحليلية وطنية بكل تلويناتها السياسية، لأن السي محمد بنعبود كان في كتابته صادقا في حكي تجربة أستاذ يتجاوز أسوار المؤسسة التعليمية ويحاول جاهدا أن يمنع تلميذا من الهجرة الى اسبانيا سريا، حيث تناول العمل ظاهرتين ميزتا مرحلة انتاج الفيلم ازمة التعليم وظاهرة الهجرة السرية، أكيد أن السي محمد انطلق لكتابة هذا العمل من تجربته الشخصية كأستاذ و في جانب الهجرة السرية انطلق من الحي الذي قضى فيه طفولته وهو حي جنان “بوحسينة” أحد بؤرة الهجرة السرية … توالت الأعمال مع الزمن وتوطدت معها صداقتنا رغم وجود لحظات البعد أحيانا بسبب العمل وظروف الحياة، ومع ذلك فمهما كانت المسافة الزمنية التي تبعدني عنه فإنني عندما أعود أحس وكأن الزمن كان متوقفا وأن المدة التي تفرقنا عن اخر لقاء لا تتعدى السويعات. صداقة محمد بنعبود لا تحتاج الى طقوس ومتحررة من أية الواجبات، انها شيك على بياض ضمانتها وفاء انساني متفهم، يجد حتى في الساعات الصعبة الأسباب والمبررات للآخرين رغم فداحة اخطاءهم.
بالإضافة الى وفائه لأصدقائه، كان وفِيا كذلك للأمكنة والطقوس اليومية، حيث أنه على مدى أكثر من عشرين سنة أو أكثر التي عرفته فيها لم تتغير طقوسه، الى درجة أنني حينما كنت أريد أن أراه لا أتواصل معه هاتفيا أو نضرب موعدا، لأنني أعرف مسبقا الساعة والمكان حيث يتواجد، وان لم يكن كذلك فالأمر يتعلق لثلاث أسباب في الغالب؛ اما لسفر عائلي بمناسبة العطلة الدراسية، او سفر الى طنجة لاقتناء ما جد من الاصدارات من مكتبة الأعمدة أو لحضور معرض الكتاب السنوي بالدار البيضاء، غير ذلك تجده في نفس المكان ونفس الساعة.
عرفت كذلك السي محمد بنعبود خلال الفترة التي تولى فيها مسؤولية تسيير جمعية نادي الموظفين بالعرائش بجانب الأصدقاء جمال الدين الراشدي ومحمد جديعة ومحمد عابد.. وهي الفترة التي عرف فيها هذا الإطار دينامية وطنية من خلال تنظيم مهرجان ومسابقة عبد الصمد الكنفاوي وأنشطة أخرى خلال السنة بإمكانيات بسيطة ومتواضعة ولكن بحب وسخاء انساني نادرين.
البارحة عندما اتصل بي أخي بلال من الرباط ليخبرني بخبر موته على إثر أزمة قلبية لم أصدق الخبر، أنهيت المكالمة، وأعدت الاتصال مرة أخرى لأتأكد من صحة الخبر، والى حدود كتابة هذه السطور ما زلت داخليا لا أتقبل هذا الخبر الصاعقة، خصوصا وأن ظروف الحجر الصحي وظروفي الصحية منعتني من مغادرة المنزل وحرمتني من وداع صديقي، ربما كان لو كنت قد حضرت الجنازة، كان الأمر سيصبح الى حد ما مقبولا، لتبدأ فترة الحداد وقبول الموت والتعود على هذا الغياب الفادح.
العرائش 19مارس 2020
