العرائش نيوز:
فجأة أمست حارتنا الهادئة على إيقاعات ليلة صاخبة.. أصوات طبولٍ داوية، و صدى قراقيب حديدية تتماهى مع القرع بقوة، وتندفع بلا توقف حتى تدرك مع سكون الليل أسماع أنأى متجاوب في الفضاء المفتوح ..
طقوس شعبانة الحافلة تنطلق.. والمعلم “بجيّة” رحمه الله يعلن ابتداء جولة الحشد المفتوحة بين دروب الحي القريبة.. طقس لا بد منه قبل الولوج إلى بيت صاحبة المحفل..
مرة في كل عام تستضيف في بيتها هذه المراسيم العجائبية.. ليلة الخامس عشر من شعبان هو موعدها القار ولذلك جاء اسم شعبانة استلهاما لهذه الليلة من تاريخ إحياءها.. هي سيدة في عقدها الخامس، غامقة السمرة، حتى لا يكاد المرء يميز بين وجهها وبين لباسها الذي لا يزيغ عن لون الظلام إلا في طقوس الرقص على الأغاني الكناوية، حيث يُفرض تغيير الألوان من حال إلى حال.. جاورناها طويلا، وعرفناها سيدة هادئة، بسيطة، صامتة.. وأيضا غامضة.. تحيى حياتها عاديةً وسط أهالي الحارة دون صخب أو إثارة انتباه.. ولذلك كان صعبا علينا تصديق انتقالها من حالها المعتاد إلى حال آخر أغرب وأقرب إلى الخرافة..
بين يوم وليلة شاعت بين أسماع أهالي الحارة أخبار تتحدث عن إصابتها بصرع مزمن. تملكتها معه أرواحٌ سلمتها مفاتيح أبواب ملوك الجان، وخبزةً ممهورةً بقراءة الكف وإدراك المستقبل، وطريفةً لا تقل عن خمسة دراهم للكهانة الواحدة.. عند تحصيلها وجمعها طيلة السنة يتم صرفها في الذبائح المهداة إحياء لهذه الليلة؟
هناك من لم يصدق الأخبار، وهناك من سخر منها واستنكرها، وهناك من لم يلق لها بالا.. لكن الجميع استقبل وفادة الحال الكناوي في الحارة برحابة صدر، واعتبروه إضافة نوعية للأحوال الطرقية الناشطة هناك، وسدا وافيا لنقص عزّ فيها من زمان…
حينما خرجت جدتي من البيت ألْفَتْني في انتظارها عند الباب. كانت متحلِّية بحلّة آخر عيد.. جلباب رجالي مخططٌ خفيف، وشربيل أبيض لامع، وعكاز في قبضته خاتم أصفر من نحاس وشوشة من جلد.. جدتي الطاعنة في السن والقوية في الجسم، منذ زمن وهي تزاوج بين لباس النساء والرجال في حللها التي تعمر بها الجوامع والمصليات وأيضا ليالي الحال… ليست كناوية ولا عيساوية ولا جيلالية أو حتى درقاوية… هي على طريقة سيدي علي بن حمدوش، لكنها ضيفة شرف دائمةٍ في كل الأحوال.. استندت بيسراها على كتفي الأيمن وأخذت تدفع الأرض بعكازها وتحرك رأسها مع الإيقاعات خلف الجوقة التي تقدمتنا إلى أن وصلنا إلى بيت المحفل..
جدتي هي جوازي العابر لكل حدود الليالي المحرمة على الأطفال، وسندي في تحقيق عدد من الرغبات التي يعجز عنها أقراني.. ولجْتُ معها الباب وأنا في أعلى درجات الانتشاء. جميع أصدقائي الذين صادفتهم كانوا يغبطونني على هذا السبق، ويتمنون حلولهم معي أو عِوَضِي حتى يحضروا هم أيضا هذا الحفل المقدس..
حينما استقر الجميع في البهو الفسيح جلستُ بجانبها أستمتع بدندنات أوتار الهجهوج الخافتة أمام صدى القراقيب المصاحبة وألتقط تفاصيل الحركات والسكنات الجارية من حولي.. أفواج تتناوب على الرقص وألوان تتغير من حال إلى حال.. صاحبة المحفل هي سيدة الساحة وصاحبة حصة الأسد من الرقص وتبديل الحُلل الملونة.. لأول مرة أعرف أن لملوك الجان أسماءً شائعةّ، وينادى عليها لتحضر في مثل هذه الليالي.. بابا حمو وسيدي حمودة ولالة ميمونة ولالة عيشة ومولاي عبد القادر ولالة ميرة وغيرهم.. كانوا يُستجدَوْنَ في كل فقرة وعند تناوب الأفواج واستبدال الأزياء..
كِدتُ أن يغمى عليّ من شدة الخوف عندما انتفضت صاحبة المحفل، وهي في تمام خشوعها وسط دائرة الرقص في وجه ضيفة كانت بجانب جدتي ضبطتها تشرب الماء خُفية. الماء لا ينبغي أن يدخل الساحة، وكذلك الملح.. ملوك الحضرة يكرهون الماء أثناء الطقوس، ولا يأكلون أبدا طعاما دُسَّ فيه ملح.. طعام أهل الحضرة هذه الليلة ليس هو طعام الضيوف ولذلك أمرتني جدتي عند حضور العشاء أن أنتقل إلى البيت المجاور لتناول الكسكس مع أبناء صاحبة “شعبانة” وباقي الضيوف الذين سهروا إلى آخر فقرة في هذه الليلة وكانت عند آذان الفجر الأول.. جدتي بقيت في موضعها مع أهل الحال.. هي شجاعة ولا يضيرها أن تأكل مع ملوكهم أو حتى ترقص معهم.. غير أنها كانت ترقص استمتاعًا وليس أداءً لطقس أو استجابةً لحال.. ولذلك كانت تنتظر حتى يحين الدور على أغنية “مولاي عبد القادر يا فارس “الحضرة” فتشارك القوم برقصتها ثم تعود..
أضحك من تصرفها ونضحك جميعا، حينما أحكي لعائلتي في الغد.. فتقسم علي بحرماني من رفقتها في الليلة القادمة لكنها لا تفي.. هي حارستي ومحققة أحلامي.. أحببتها وأحببت نزقها حتى وهي عند أبواب المائة عام…
