قفشات من صخب الصِّبا: موسم سيدي ودَّار

العرائش نيوز:
كثيرا ما أضحك من نفسي وأنا طفل، حينما أقلب دفاتر مذكرات سنّيّ صباي الصاخبة.. فعديدة هي الأشياء التي كنت أولي لها فهما خاصا بي، ويستمر معي هذا الفهم القاصر أو الخاطئ إلى ما شاء الله أن يستمر.. فمثلا، كنت لا أفرق بين الواحدة زوالا وبين وقت آذان الظهر فأسأل أصدقائي “هل أذّنت الواحدة؟” وكأن الظهر والواحدة شيء واحد.. كما كنت أحسب أن هضبة “الشميس” التي تظهر من ميادين لعبنا صغيرة الحجم، هي عبارة عن كومة من الرمل لا تعدو أن تتجاوز شحنة من الشحنات التي تُفرغها شاحنة بيرلي لمالكها جارنا “الكيفاني” أمام ورشٍ للبناء فنُصَيِّرُها ملعبا ناعما لنا، نستمتع بالنط عليه والتراشق بحبات رماله اللامعة.. وكنت أيضا أعتقد أن الفنان محمد رويشة والمسرحي عبد الرؤوف، هما أفضلا مطرب وممثل في العالم.. وكنت أراهن على ذلك ولا أدع مجالا ليغلبني فيه أحد.. كما كنت أحسب أن أحمد فرس هو أحسن حارس مرمى في العالم، وهو من تصدى لضربة جزاء نفذت من طلقة مدفع حربي، ومات على إثرها في اللحظة.. هذا فضلا عن جزمي بأن الملوك لا يتناولون اللحم على طبيعته، وإنما يصاغ لهم في شكل عصير…
عددٌ من أشياء أخرى، لم أدرك مغزاها أو حتى تعيينها بالذات خلال تلك السنين.. وفي طليعتها “فاتح ماي ” فما كان يخطر أبدا ببالي أن لهاتين الكلمتين البسيطتين والواضحتين علاقة بأيام خامس أشهر العام لوقت طويل. لا لشيء إلا لأنهما تسللا قبلاً إلى ذاكرتي ورسخا فيها لوقت مديد وهما بهذا الشكل ” فاتي حماي”. استشكل عليّ فهمهما على الطريقة الصحيحة، فوصلتهما دون تردد بما يحصل في ذلك اليوم بالمدينة من نفير منقطع النظير نحو مواقع النزهة وبالذات موقع سيدي ودار.. فصار عندي “سيدي ودار” وما يجري فيه خلال ذلك اليوم من عمارة لهذه الضاحية من المدينة المحروسة بضريح هذا الولي الغريب، واحتفاء بالطبيعة منذ أول الصباح إلى ما بعد غروب الشمس بشتى أنواع اللهو هو “فاتي حماي”…
فخلال هذا اليوم الحافل، ينقلب هذا الموقع الهادئ على الدوام، السالمة أرضه طيلة أيام العام من وطئ أقدام الناس، وسماؤه من صخبهم، إلى محج مفتوح على استقبال حجاجه، وفضاء عامر بطقوس النزهة ومراسيم الاستمتاع بلا حدود…
مشاهد حينما تراها تخال نفسك في موسم عامر، لا ينقصه سوى منافسات الفنتازيا وهي من العوائد والهوايات الغريبة عن منطقتنا.. الازدحام هو سيد المكان منذ الساعات الأولى للتوافد، ومعه باقي أعراف الفوضى… أصوات مختلطة تتصاعد في الهواء، تشكل موجات من الضجيج، ترتطم بالأسماع تبعا لاتجاهات الرياح، عزف وغناء.. وصياح وزغردات.. وقهقهات وتصفيق.. أكل وشرب.. وشراب يطفح آثره بين الحين والآخر، حينما يعربد زائغٌ ويصبح عرضة لفرجة الحاضرين وهو يتلقى حظوظه من ركلات وصفعات رجال الأمن.. إعلانات عبر الأبواق تروِّج للمعروضات كأننا في سوق أسبوعي، وأبواق أخرى تنطلق من حلقات الفكاهة والحكي، تنافس نظيراتها الململمة على ألعاب البهلوان وأولاد سيدي حماد أوموسى.. أراجيح تطير في الهواء تُميدُ معها جدوع الأشجار الوارفة، تكاد تُقلعها من جذورها ومعها صياح مراهقات اختلط شعرهن المتطاير بوجوههن، تطلبن إنزالهن منها لكن دون جدوى. فسرّاق اللمسات كُثُر، ودفعاتهم لهن فيه منافسة واستعراض.. عائلات تتوافد وأخرى تبتعد.. خيوط دخان كثيفة تنبعث من تحت الطواجين تؤثث السماء ببياضها المتلاشي، وحلقات متابعة التشاجر لا تكاد تنفك واحدة حتى تلتئم أخرى..
يوم ليس كالأيام بهذا الفضاء.. لا نعلم متى بدأ صخبه، وإلى أي وقت تواصل؟
هذا هو “فاتي حماي” الراسخ عندي… لا أدع أبدا الانضمام إلى أجوائه المغرية والاحتفاء بها. خاصة حينما استغنيت عن مرافقة عائلتي في خروجها الثقيل إلى النزهة، وانضممت إلى أصدقائي في تنظيم برنامج هذا اليوم أما غيره، المقصود به الأول من شهر ماي. والذي يوافق عيد العمال، فلم أعرفه إلا عندما أهداني خالي قبعته الصفراء وبعض ملصقات الكنفدرالية الديمقراطية للشغل وأنا مرافق له ولموكب عمال شركة اللوكوس في استعراض وخطاب هذا اليوم. آنذاك قرأت لأول مرة “فاتح ماي” بطريقة صحيحة وفهمت أن هذا اليوم هو عيد الشغل، وهو يوم نضال الطبقة العاملة، وليس يوم النزهة في سيدي ودار…


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.