العرائش نيوز:
صوتان خارقان، كانا يثيراني خلال سنوات الصبا كلما تسللا إلى سمعي عن طريق مسجلة جارنا صانع المكانس العزفية. ويسافران بي إلى عالم التشكيل، لأرسم لصاحبيهما في مخيلتي القاصرة وجوها تتناسب معهما.. ولا أخفيكم أنني حينما صادفتهما بعد سنوات صورةً وصوتاً لم يرقني ذلك، وتمنيت أنني لم ألتق بهما حتى لا تنخدش الصور التي شكّلتُها لهما، وجاءت منسجمة مع نبرات صوتيهما النافذ..
الصوت الأول هو للمطرب الغرباوي المسكون الفنان بوسلهام داني، الذي غطت أغانيه الغرب كله، وجاوزته إلى آفاق أخرى رغم بدائية الوسائط آنذاك.. حينما كنت أستمع إليه وهو جاهز على كمنجته الطيِّعة بين يديه ويصدح بأغاني “السماوي الله يداوي” و”عيش معانا باش نعرفوك”.. وهي من أبدع وأشهر ما تغنى به وردّده تقليدا وسرقة عدد ممن عاصره أو جاء بعده، كنت أخال نفسي أمام حنجرة ضخمة يحيطها وعاء أضخم منها، وتدفع حبالها الصوتية إلى الخارج أنفاس قوية لرجل عملاق.. وكنت أتعجب وأقول: كيف لهذا الصوت الخارج من الفرن بعدما استوفى نصيبه من القرمشة واقترب من الاحتراق أن يصنع لحنا أو يطرب مستمعا؟ لكن سؤالي هذا سرعان ما كان يتبخر أمام التأثير الذي يحدثه في نفسي بجرّاتِه الخارقة من كمنجته الناطقة، وبالصوت الرخيم الآخر المردد بعده.. فالرجل كان أذكى من أن يحتكر الغناء في مجموعته لوحده، ولذلك أضاف إليه صوتا نسائيا ناعما يصدح بالرقة، ليشكلا معا توليفة صوتية بقدر ما تلمس فيها التباعد عند تفرّد كل واحد منهما بالغناء، تجد فيها التناغم والانسجام عند التلاقي والتلازم خاصة عندما تتخللهما الميازين المنتقاة للأدوات الموسيقية المصاحبة.. وهكذا صار الفنان بوسلهام داني والشيخة مْوِيلِيكَة أشهر ثنائي شعبي لأغاني السواكن بسهل الغرب والتخوم المجاورة.. لا تحيى السهرات دون حضورهما ولا تقام الأعراس الوازنة إلا بهما..
بوسلهام داني رحمه الله، صادفته ذات يوم حارٍّ عند إحدى العيون العذبة بعين شقة رفقة صديقه الحميم ولد بّا الفاضل العطار.. وهي المرة الأولى التي رأيته فيها وعاينته عن قرب، وكانت في آخر سنوات عمره.. كان واهن الجسم ضعيف البصر ولا يقوى على الحركة دون مساعدة.. كان صديقه الحميم يفرك جسمه بالصابون والماء البارد.. وحينما يدعوه إلى التمدد أو التقلب، يربت عليه بلطف ويقول له لازمة أغنيته الشهيرة: وا سي بوسلهام، عش معانا.. باش نعرفوك واش نتا مزيان ولا عيان.. عش معانا…
كان المشهد بالنسبة إلي لا يصدق، والإحساس بين الصدمة والأسى، وأنا أحاول تعويض صورةٍ حقيقيةٍ لصوتٍ لطالما أثارني بأخرى رسمْتُها له خلال أيام الصبا وظلت راسخة في ذهني..
أما الصوت الثاني الذي كان يثيرني في صباي دون أن أعرف صاحبته، فهو لفنانة ظهرت فجأة خلال أوائل الثمانينات، وسرعان ما صنعت لنفسها مكانة وشهرة بعد نجاح أغنيتها “جوني مار”.. هذا الصوت العذب، كان قد تسلل إلى أحاسيسي منذ الوهلة الأولى من سماعه. وبصم فيها أثرا عميقا بالعطف على صاحبته والتضامن معها بعد أن شاع خبر رفضها من محيطها العائلي القريب، بعدما عاكست إرادتهم واختارت الغناء..
حينما وقع بين يدي غلاف شريطها الأول، وكان عبارة عن مطوية تحمل صورة لسيدة كبيرة في السن بجلبابها الفضفاض ولثامها المغربي، وهي تعانق بحرارة فتاة في مقتبل العمر وكأنها تودعها إلى الأبد في مشهد درامي، حسبت أن الصورة لها ولوالدتها فزاد عطفي وتضامني.. هذا الصوت الأطلسي الرخيم، هو أيضا رسمت لصاحبته في مخيلتي الصغيرة صورة رائعة تناسب جماله وعذوبته.. وهي أيضا استمرت معي طويلا إلى أن صدمت ذات ليلة وأنا أشاهد سهرة الأسبوع على شاشة التلفزيون، بعدما عاينت الصوت يصدر عن وجه آخر أبعد ما يكون عن الذي تخيَّلَتْه مفكرتي، وأكثر شبها في تسريحة شعره بلاعب المنتخب الوطني المغربي مصطفى البياز..
كانت صدمة مدوية لخيالي المحدود. ورغم أني أعرف المثل العربي القديم ” أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه” لم أقدر على استساغة الجمع بين الصوت والصورة الحقيقية لصاحبته، خاصة والصورة الأخرى التي سبق أن رسمتها له لا تزال تحيى في ذاكرتي..
وربما الصدمة التي حصلت لي وأنا في هذه المرحلة الموسومة بالبراءة والسذاجة، هي نفسها التي عاشها الجمهور العرائشي بسينما أبينيدا، حينما أطلّت عليه ذات سهرة غيوانية وهي تقدم لأغنيتها الشهيرة ألوليد.. ألوليد.. أنا جيت.. أنا جيت…
فكان أن طردها بصوت واحد من فوق الخشبة بجوابه لها: ويلا جيتي مشييييي تخ……. والباقي يعرفه كل من عاش الحدث أو سمع به.. فرحم الله الظاهرة “التوركو” الذي صاغ الجواب بتلقائية وضحى بحريته خلال هذه الليلة حتى يستمتع الجمهور بناس الغيوان دون غيرهم.
