العرائش نيوز:
ميناء العرائش أهم مركز لتجارة الأسلحة خلال القرن السادس عشر
مع مطلع القرن السادس عشر، بدأ يبدو جليا أن العرائش أصبحت إحدى الموانئ التي كان البرتغاليون يعملون جادين لاحتلالها، فعلاقة بمجموع الأدوار التي أصبح يلعبها هذا الميناء بعد احتلال أهم الموانئ المغربية بالشمال، وعلى طول الساحل الأطلسي، برز ميناء العرائش إلى جانب الموانئ المتبقية بيد المغاربة، أزمور المعمورة وسلا، واضطلع بأدوار تجارية نافست التجارة البرتغالية بالموانئ المحتلة، بل أصبحت تستقطب التجار من كل أقطار العالم بسبب الضرائب الجمركية المنخفضة جدا وبسبب غياب المراقبة المركزية، وبسبب طلبيات المغاربة من مواد محرمة كالأسلحة والذخيرة.

ميناء أزمور خلال القرن السادس عشر
فبعد محاولة البرتغاليين لتخريب ميناء العرائش سنة 1504 واستولوا على ثمان سفن وأحرقوا أربعة، وعبثوا بممتلكات التجار والسكان، ونعرف مدى شراسة هذه الحملة من خلال ما خلفته من أضرار بالغة بميناء العرائش وما واكبها من ذعر وصدى كبير، إلا أن هذه الحملة لم تكن كافية لردع تطلعات التجار والبحارة العرائشيين، فما لبث أناسترجع الميناء عافيته وعاد لمزاحمة التجارة البرتغالية مما حذابالملك البرتغالي سنة 1507 إلى إرسال ثلاث “كرافيلات“ وسفينة بالمجاديف لدراسة مراسي كل من أزمور المعمورة وسلا و العرائش بغية التقرير، واتخاذ القرار النهائي في احتلالها وفي الإمكانيات المتاحة لذلك، إلا أن البرتغاليين لم يصدر عنهم أي قرار حربي بعد هذه العملية العسكرية لدراسة الطبوغرافيا الخاصة بالعرائش،فاستمرت العرائش في نشاطها التجاري والعسكري المناوئ للوجود البرتغالي، وقد سببت العرائش منافسة قوية للثغور المحتلة بسبب إقبال التجار عليها وخاصة تجار الأسلحة والبضائع المحتكرة من طرف البرتغال.
ففي سنة 1529، حلّ بالعرائش عدد من التجار الأوروبيين بسفنهم المحملة بالأسلحة والبضائع المحرمة من طرف البرتغال مثل الصمغ الذي كان احتكارا برتغاليا يباع انطلاقا من أزمور غير مبالين بقرارات المنع وعقوبة المصادرة لبضائعهم. وشكل تواجد ميناء العرائش محررا وخارجا عن الضبط البرتغالي مصدر إزعاج دائم بسبب ما لعبه من دورمركزي في تسليح المغاربة الذين نشطت عملياتهم البحرية. ففي سنة 1542، هرَّب التجار الأوروبيون عن طريق ميناء العرائش ستمائة أزجاج الرماح، لذا لجأ البرتغاليون إلى تحريم التجارة مع المغرب وأصدروا قرارات جد صارمة تمنع التجار البرتغاليين من استعمال الموانئ المغربية، بل فاوضوا ملك إسبانيا لمنع التجار الإسبان من التوجه إلى ميناء العرائش قصد التجارة فيه ، لذا عان الإسبان، خصوصا القادسيون، من الملاحقة بسبب كثرة ترددهم عليه.

كان القادسيون مراقبين من البرتغال بسبب تجارتهم للأسلحة بميناء العرائش، إلا أن وثائق محاكم التفتيش التي اختصت بقضايا التجارة مع الموانئ المغربية تثبت بالدليل حسب الدكتور بوشارب أن الإسبان خلال القرن 16 تحدًّوا الحظر البرتغالي ولجأوا الى عدد من الموانئ المغربية المستقلة كالعرائش وسلا، بل إنه في عز الملاحقة و المصادرة والحصار لميناء العرائش قام التجار القادشيون سنة 1544 بتهريب الأسلحة إلى المغرب عبر ميناء العرائش. مما اضطر الدولةالاسبانية أمام ضغط البرتغال الى المنع الشديد لموضوع تهريب الاسلحة الى المغرب حيث اأصدرت إسبانيا سنة 1549 قرارات جددتها سنة 1554 و1560 تمنع فيها تصدير أي نوع من الأسلحة إلى المغرب غير أن ذلك لم يمنع التجار القشتاليين من تهريب الأسلحة إلى ميناء العرائش سنة 1561 أيضا.

وهذا يبين مدى الأرباح الكبيرة التي كانت تجلبها تجارة الأسلحة بميناء العرائش. إلا أنه تجب الإشارة أن التجار البرتغاليون أنفسهم لم يرتدعوا وقاوموا قرارات دولتهم و تاجروا بميناء العرائش وهربوا الأسلحة إليه كما يشير إلى ذلك دو كاستري حين الحديث عن تعدد جنسيات التجار الذين يقصدون ميناء العرائش “وزودوا المغاربة بالأسلحة ومنهم تاجر برتغالي باع البارود للمغاربة في العرائش بحيث أصبحت المدينة مركزا هاما من مراكز بيع الأسلحة إلى المغاربة. ولقيت هذه التجارة رواجا كبيرا بها فقصدها التجار الإنجليز والإسبان لإبرام صفقات ضخمة في هذا المجال” مما يبين أن ميناء العرائش صار مركز جذب قوي لهذه التجارة.
