قفشات من صخب الصبا: الميريندة

العرائش نيوز:

إلى أن صارت لا تفارق مائدتي خلال اللمجة إلا في النادر من الأيام.. لا أذكر متى تعرفت على تلك القطعة المنفوخة من الحلوى والمسماة (بتي بان petit pain)، ولا على غيرها من العجائن التي باتت تغص بها موائدنا خلال وجبتي الفطور والميريندة، كالشنيك والكرواصة والبسبوسة وسواها من الرغائف والمحارش التي كانت غائبة عن طاولات المعروضات خلال مراحل صبانا، وصارت اليوم تثير المارة بروائحها ومناظرها في كل الشوارع والدروب..
كانت سلة عاداتنا الغذائية في هذه الوجبات، وخاصة في الميريندة، بسيطة ولا تحتاج إلى تكلف؛ بل ربما لا تحتاج إلى تفكير أو إعداد.. فباستثناء الإسفنج والتشورّو والبغرير الذي كان يؤثث هذه الوجبة في بعض الأحيان، كان يكفي أن نلج إلى المطبخ خلال المساء، ونتناول قسطا مما فضل عن وجبة الغداء، ثم نعود إلى حال سبيلنا، لا يشغلنا إلا استثمار ما تبقى من وقت في اللعب قبل أن يحل الظلام…
كنت أعود من المدرسة في المساء، ولا ألتفت إلا لشيئين اثنين: الجوع الذي حل بي بعد استهلاك مجمل الطاقة التي حمّلتها خلال وجبة الغذاء. وفقرات اللعب التي نستمتع بها في وقتنا الثالث، قبل أن يتفقدنا أهلنا ويرسلوا إلينا من يذكرنا بموعد العودة إلى البيت بعد حلول الليل.. كان اللعب عندي في كثير من الأحيان أهم وأغلى من القعود إلى مائدة الميريندة لتناول البقايا المترسبة في قعر الطنجرة مما يستصلح لمصاحبة الخبز الحافي من “دواز”، سواء كان من الخضر المتنوعة أو من القطاني المشهورة بيننا بغلق الأنفاس.. ولذلك، كان يكفيني أن أجز قطعة من الخبز، وأحرص أن تكون من الحاشية. ثم أملأها بما وجدت من مرق ممزوج بقطع الخضر، أو سمك مقلي، وغالبا ما يكون سردينا مشرحا ومحشوا بشرملة نافدة الحار والثوم، أو شرنًا مقشرا باردا.. وفي كثير من الأحيان بيصارة جامدة، أو عدسا صار كالعسل الثقيل، لكنه بطعم البصل، أو لوبية بمرق أحمر شهي، وكانت هي المفضلة بين كل الذي سبق، خاصة حينما تبرد ويعاد تسخينها.. ثم بعد ذلك أركض إلى الخارج بحثا عن أقراني الذين غالبا ما أجدهم فعلوا مثل صنيعي، وسارعوا هم أيضا إلى الخروج، ما دامت ساعات المساء بخيلة. ولا تكفي لتفريغ كل طاقاتنا السلبية التي تضاعف تحصيلها في الفصل، في حصص دراسية مليئة بالرعب من الجلد والفلاقة…
في بعض الأحيان، يتزامن إحساسي بالجوع في هذا الوقت المعلوم بشحّ شبه عام لما يمكن أن يسده من طعام في المطبخ. أو بتوفر أشياء لا تثير شهيتي الحالمة بتذوق طعام لذيذ.. في مثل هذه الحالات، الحل عندي هو اللجوء إلى الاحتياطي الاستراتيجي الذي لا يمكن أن يغيب عن المطبخ المغربي إلا مؤقتا، وهو قارورة الزيت وجبانة السكر.. كنت أحشو بحرص شديد قطعة الخبز ذات الحاشية بهاتين المادتين، وأضغط على دفتيها حتى أصنع مزيجا لزجا مثل المربّى، ثم أخفيها بين ملابسي وأنسل عبر المنافذ الفارغة مثل الشبح لا يراني أحد.. إذ كنت أفعل ذلك دون علم أهلي الذين يمنعونني من هذه الوجبة بدعوى أنها لا تنفع البطن بشيء سوى أن تملأه بالديدان..
في ساحات الحي، وهي ميادين لعبنا المعتادة، نلتقي والأغلبية من الأصدقاء متأبط لمجته الجاهزة بين يديه. كانت العادة أن نذوِّق المقربين منا مما نحمله من طعام بشدق أو شدقين. وكذلك نذُوق من طعامهم بنفس القدر.. البعيدون عن قلوبنا، أو غيرهم ممن لا يروقنا اللعب معهم إلا بالإكراه، كنا لا نقترب منهم أو نشاركهم اللعب إلا بعد نفاذ زادنا من الميريندة.. وحتى إذا رقّ صدرنا وأردنا إشراكهم، فإننا لا نفعل ذلك إلا إذا كنا قد اكتفينا وفضَل عنا البعض.. وغالبا ما يكون حافيا بعد قضم جميع الأجزاء المحشوة بما طاب من الدواز. ومن بين هؤلاء، صديق شديد الشغب، لكنه ضابط إيقاع متميز في العديد من اللعب.. كان قد انقطع عن الدراسة وتفرّغ لما هو دونها من لعب طفولي شائع، صار يتقنه ويتقن معه بلاء أهله بشكاوى العديد من الجيران.. وخوفا من العقاب الذي ينتظره من والده الذي يهوى التنكيل به. كان لا يلج إلى البيت إلا بعد تدخلات فقيه الحي، الذي كثيرا ما يلجأ إلى استضافته في باحة المسيد، أو بعض الجيران الذين ترق قلوبهم لوضعه البائس بعدما يلوذ الصبيان ببيوتهم، ويبقى هو وحيدا عند باب دكان الحي حيث المصباح الفريد المنير في حارتنا المظلمة.. هذا الصديق المشاغب، وفي مثل هذه الأوضاع يكون الجوع قد تمكن منه. ولا حلّ عنده سوى انتظار مناسبة خروجنا في المساء والتقرب إلينا، لعله يظفر منا بما يسدّ به رمقه من فتات ميريندتنا.. عند ذلك يصبح لطيفا مع الجميع، ورهن إشارة الكل في تقديم العون والمساعدة في جلب السخرة.. وهو ما يحدث بعد أن ترق له قلوبنا، فنتنافس في اقتسام ما بيدنا معه من طعام.. لكنه حينما تمتلئ معدته بكشكول الأشداق المهداة إليه ويحس بالشبع، سرعان ما ينسى ألم الجوع الذي كان يوجعه، ويعود إلى شططه المعتاد، وشغبه المشاع، وكثيرا ما يكون أحدنا هدفا لسهام هذا الشطط والشغب.. فنقسم عليه جميعا بعدم عتقه في المرة القادمة، وتركه منبوذا كالكلب المجذوم يتضور من الجوع.. لكن كل ذلك يكون عزم صبيان، والصبية لا يحقدون


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.