العرائش نيوز:
وأنا أقارنها مع القنوات الإسبانية المتنوعة، التي كنا نطلب تردداتها عبر إعادة تدويرٍ مبتكرة لكسكاس استوفى أجله بمطبخنا، فنضيفه إلى الهوائي. أو حينما تهجم علينا هذه القنوات بكثافة، كلما صفا الجو أو تضبّب.. كنت أستشعر كثيرا من الأسى والأسف.. ومع ذلك، كنت متابعا وفيًّا، أو بالأحرى محكوما عَليّ بالوفاء للتلفزة المغربية.. فكثيرا ما كنت أنجز جميع واجباتي المدرسية والمنزلية قبل السادسة مساء، حتى أتفرغ لمتابعة أكبر حصة ممكنة من الزمن الحي والميت بهذه القناة..
الزمن خلال صبانا كان وافرا، ولا ينقضي إلا مع الانتظار الطويل.. كنت أشعل تلفزتنا الصغيرة ذات الحجم 14 والنوع “سييراsiera ” ” قبل موعد البث، معتقدا أنها في الحاجة إلى فترة من التسخينات.. هكذا رسخها في أذهاننا من سبقنا إلى استعمال هذا الجهاز من الجوار. وذلك حتى لا تتعطل أجزاؤه، ونضطر إلى حمله إلى مصلحين معظمهم يسرقون الأجزاء الجيدة، ويستبدلونها بأخرى سيئة.. أحجز مكاني مقابل الشاشة ذات اللونين الأبيض والأسود، منذ أن تظهر الدائرة المشهورة التي تحمل شعار القناة إ – ت – م، وذلك الصوت المزعج الذي لا ينتهي إلا بتخفيض مستوى الصوت إلى الصفر.. (طـــوووووووووووووووو…) أحيانا يتحول إلى وصلات غنائية مغربية، وتبقى مذاعة إلى أن تتطاير النجوم على صفحة الشاشة، وتطل علينا المنشطة فيروز الكرواني بقفطانها ذي الكتفين الإسفنجيتين، قرب باقة متنوعة من الورود، لتعرض علينا برامج اليوم.. وطبعا جزء كبير من هذه البرامج من طول صموده وثباته، حفظناه عن ظهر قلب، وصرنا نردده معها عند كل إطلالة.. (افتتاح الإرسال بالقرآن الكريم.. حصة الأطفال من الرسوم المتحركة.. الأخبار بالفرنسية.. النشرة الرئيسية.. المسلسل العربي.. النشرة الأخيرة.. اختتام الإرسال..) هذا خلال كل يوم.. أضف إلى ذلك البرامج الأخرى الثابتة التي تتفرق بين أيام الأسبوع كبرنامج العالم الرياضي، وهو البرنامج الأول الذي كنت أعشقه، وفي نفس الوقت أسخط على القائمين عليه، خاصة في مواسم أسبوع الفرس وبطولات الكولف، إذ يحكمون عليّ بمتابعة هذه الرياضات بشكل ممل وأنا لا أكره آنذاك من الرياضات سواها.. ثم برنامج سينما، وكنت أراه لا يعنيني في شيء ما دمت مهووسا بالأفلام الهندية، ومقدمه السيد علي حسن لا يقدم من السينما إلا النوع الذي لا أفهمه، وغير ذلك من الذي لا يروقني.. ولذلك تركت متابعته طويلا، ولم أعد إليه إلا حينما قدّم دورة للمنتوج السينمائي المغربي، واختار خلالها أفلاما للمخرج نبيل لحلو تحت عنوان (- القنفودي – وابراهيم ياش – وجزيرة الشاكرباكربن) فتركته إلى الأبد.. وأيضا البرنامج الديني ركن المفتي، الذي كان يتناوب على تقديمه العلامتان عبد الكريم الداودي وأحمد الغازي الحسيني. ورغم بضاعتي المزجاة في شأن استدعائهما إلى الشاشة خلال صباي الصاخب، كانا يضحكاني كثيرا من كثرة إجابتهما على أسئلة غزيرة من نوع هلك هالك وترك زوجة ووو… وكأن لا شيئ من تعاليم الدين ينبغي أن يُرشد فيها المتابعون غير أحكام الإرث.. ولا أنسى السهرة الغنائية التي كانت تبث مباشرة يوم السبت من المدينة التي تحتضنها.. وكم كنت سعيدا حينما علمت أنها ستبث ذات سبت من سينما أبينيدا بمدينتي. وسيشارك فيها والد صديقي “الروبيو” في فرقة الطقطوقة الجبلية، ومعه المداحة “فريدة” ابنة حيّنا، وخالة صديق آخر لي.. لكن للأسف لم أتابعها إلى النهاية، فقد كنت تعبا واستسلمت للنوم قبل أن أحظى بمشاهدة مرورهما المنتظر بعد تأخير فقرتهما إلى نهاية السهرة.. ومع ذلك كان لدي حظ جميل في أن أتعرف لأول مرة على مطربين طنجاويين شاركا في سهرة العرائش المباشرة هما محسن جمال ورشيد برياح. وأيضا المطربة فاطمة المقدادي التي كانت العرائش فأل خير بالنسبة إليها، إذ أعادتها إلى الغناء بعد انقطاع طويل حسب كلمتها في المقدمة.
في بعض الأحيان، يمكن أن لا تجد ضمن برامج تلفزتنا في هذه الفترة شيئا يوحي بأنها تنتمي إلى بلد اسمه المغرب. ولولا بعض الفقرات الإشهارية التي تصدح فيها بعض الأصوات بلهجتنا المألوفة، والمكررة كصوت الفنان عبد القادر مطاع، أو الفقيدة ثريا جبران وهي تصيح بأعلى صوتها: (وا ناري جابها فراسو.. وا عتقوا الروح..) لحسبناها موجهة إلى قوم آخر غير المغاربة.. لكن ينعكس ذلك تماما في فقرة واحدة، حيث تطغى المغربة عليها من أولها إلى نهايتها وفي شكلها ومضمونها.. وهي نشرة الإخبار الرئيسية.. هذه الأخيرة كثيرا ما تستنفد وقتها، وتشرع في التهام جل الوقت الذي يليها في العادة.. خاصة عندما تتزامن مع يوم غاص بالأنشطة الملكية.. فنضطر إلى متابعة ساعات من الأخبار المعادة والمملة، يصير انتهاؤها وبداية الفقرة الموالية حلما طويلا قد يتحقق أو لا يتحقق.. ظهور الفنان عزيز الفاضلي قرب خارطة المغرب يقدم الأحوال الجوية، هي آخر فقرة في هذه النشرة. ولذلك كنت أسعد كثيرا حينما أراه واقفا بابتسامته العريضة، رغم أنني كنت لا أفهم كثيرا مما يقول، وأحسبه يدعي علم الغيب الذي لا ينبغي لأحد غير الله!
مجموعة من الفقرات كان محكوما علينا بمتابعتها، وكنت أعتبرها غريبة عنا وتوحي أن القناة ليست قناتنا.. وأشهرها البطولة الأوربية في التزلج الفني. فهذه الأخيرة كانت تشغل وقتا وفيرا من بث هذه القناة ولأيام طويلة، وكنت دوما أتساءل عن هذا الذي يفرضها علينا.. وما دافعه إلى ذلك؟ ربما كان يريد أن ينسينا أحوالنا، ويجعلنا نحلم بحياة ساحرة، لا ينقصها سوى الاستمتاع بمشاهدة راقصات يتطايرن فوق صفيح الجليد كالفراشات.. لحسن الحظ كانت شاشتنا صغيرة وكانت بالأبيض والأسود.. ومن هذه البرامج أيضا، السهرة الدولية.. كانت تأتي يوم السبت بعدما أكون قد استمتعت بمشاهدة سلسة (زوروZoro ) وبعدها السلسلة البوليسية ستارسكي وهوتشstarsky et hutch ، فتفسد مزاجي الرائق، وتسحب مني نصيبا من السعادة المكتسبة من متابعة هاتين الفقرتين..
كنت أكرهها لأنني لا أرى فيها سوى مجموعات من الأجانب يكسرون أدواتهم الموسيقية. ويخلقون من وراء ذلك ضجيجا وصخبا ما أبعده عن الغناء الذي يطربني ويجذبني.. لكن ذات يوم، وحينما صادفتها تبث أغنية للفنان الغيني موري كانتي Mory Kanté تحت عنوان yé ké yé ké وكانت للتو قد خرجت للسوق. انتابني إحساس غريب اتجاه هذا الفنان وأغنيته الآسرة. لا أقول إنني أحببت هذه الأغنية فقط.. بل لعلها حركت في دواخلي كل المخبوءات المتجذرة من عمقنا الإفريقي، فصرت أتمنى دائما متابعة كل أصيلٍ ينتمي إلى هذه القارة المليئة بالسعادة، رغم كل أنواع المعاناة التي تخيّم عليها نتيجة السطوة المفروضة عليها من قِبَل الغرب المتسلط منذ قرون.. لا أخفيكم أنني عدت إلى الاستماع إليها مؤخرا في إحدى قنوات اليوتيوب، فأطربتني مثلما أطربتني ذلك اليوم الذي شاهدتها واستمتعت بها وأنا في مراحل صباي الصاخب.. وذكرتني بمسلسل بثته تلفزتنا في تلك المرحلة ودعانا إلى متابعته أستاذنا في الاجتماعيات السيد هودهود لتناوله قصةَ حقيقيةً حول الاستعباد الذي عانت منه إفريقيا هو مسلسل (جذور).. وكما أحببت أغنية yé ké yé ké أحببت أيضا البطل كونتا كينتيKunta kinte وتعاطفت معه ومع سيرته الراسخة في ذهني إلى اليوم..
