“تاريخ العرائش من بداية القرن السادس عشر إلى الاحتلال الإسباني للعرائش سنة 1610” (الحلقة الثامنة)

العرائش نيوز:

ميناء العرائش أهم ميناء تجاري مغربي  خلال القرن السادس عشر

لقد اعتبر البرتغاليون المغرب منطقة خاصة بهم، وأن التجارة معه يجب أن تكون حكرا لهم وأن على التجار الأوروبيين ومن جنسيات أخرى أن لا يتعاملوا مع المغاربة إلا من خلال الثغور المحتلة، وقاموا بمحاربة التجار الرافضين لذلك بمختلف الوسائل تحت ذرائع متعددة، فادعوا أنهم يتاجرون في المواد المحرمة كالأسلحة، وبناء على ذلك طالبت الدولة البرتغالية من الكنيسة بروما باستصدار البراءات البابوية لتأييد موقفهم حتى يعطوا شرعية لحملاتهم الرادعة ضد التجار المخالفين ولإرهاب التجار المتعاملين مع ميناء العرائش و الموانئ المغربية المفتوحة، وبعد حصولهم على براءة البابا، قام البرتغاليون على إثر ذلك بمعاقبة التجار المخالفين بأقصى العقوبات، ولم يستثنوا من ذلك أيا من المراكب المبحرة تحت أعلام جنسيات أخرى، فحاربوا الفرنسيين والإنجليز في البحر كما تدخلوا لدى دولهم لمنعهم من التجارة بالموانئ المفتوحة بالمغرب، حيث نجدهم يتدخلون لدى فرنسا وإنجلترا لمنع رعاياهم من التعامل مع الموانئ المغربية.

ففي سنة 1529 كان ميناء سلا والعرائش يعرفان رواجا ضايق البرتغاليين في أصيلا لدرجة أنّ حاكمها البرتغالي اقترح على ملكه سنة 1539 التدخل ضد العرائش عسكريا متعللا بأنها تستقبل البضائع المحرمة من طرف البرتغال، وفي الحقيقة أن ميناء العرائش جعل كل الجهد العسكري الذي بذل لاحتلال أصيلا يذهب هباء، فالتجار فضلوا ميناء العرائش لمزاياه الضريبية وإمكانياته التجارية وباعتباره سوقا رائجا للبضائع القرصنية، وأضحى قبلة للتجار الأجانب. ففي سنة 1539 كان الفرنسيون يبيعون الصمغ الهندي بالعرائش، وفي نفس السنة رست بالعرائش سفينة فرنسية وباعت للمغاربة الأسلحة ومواد أخرى، فنافسوا التجار البرتغال وأضروا بتجارتهم كثيرا وضايقوا عليهم فتم تجديد اقتراح احتلال العرائش سنة 1544 من طرف فارغاس“، أحد التجار والديبلوماسيين البرتغال. ويذكر دوكاستري هذه السنة، أي سنة1539، قائلا “أنه سنة 1539 وبعد مجيء السعديين، قصد العرائش بالإضافة إلىالتجار الفرنسيس تجار آخرون من جنسيات مختلفة. ولقيت التجارة بها رواجا كبيرا، فقصدها التجار الإنجليز والإسبان لإبرام صفقات ضخمة، كما أن المدينة كانت تستقبل أيضا سفن القراصنة المحملة بغنائمهم التي كانت تلقى إقبالا كبيرا من المغاربة”.

                   سفن القراصنة بالعرائش

ولم يقتصر نشاط المدينة على التجارة المستوردة، فالمؤرخ دوكاستري يشير إلى أن العرائش حينها اشتهرت بإنتاج الفحم والقطن وتصدير السلع مثل القمح الذي كان التجار الأوروبيون يستوردونه من المدينة، إضافة إلى الشمع و العسل والجلود، مما يبين أن عرائش القرن السادس عشر صارت ميناء دوليا. فالغريب في الأمر أن الدولة البرتغالية، وفي مراحل محددة، تاجرت بميناء العرائش تحت يافطة سفن مستأجرة كما حدث سنة 1537، حيث توجهت سفن تم استئجارها من الأندلس بأوامر ملكية نحو العرائش والمعمورة لشحن القمح الموجه إلى المراكز البرتغالية الإفريقية والى أفران الخبز الموجودة بvallo de zebro على الضفة اليسرى لنهر Tage بالقرب من لشبونة، وتمت هذه العملية بفضل التعاقد القائم بين حاكم سبتة ومولاي إبراهيم بن راشد العلمي. ومع تطور حضور الدولة السعدية واستتباب أمرها بالمغرب بدأت تتجه شمالا نحو الموانئ المفتوحة كالعرائش وأصبحت تستجبي أرباحها، ونظرا لتخوف الإسبانيين من هذه القوة الجديدة التي اكتسحت المغرب أصدروا في 29 مارس 1539 قرارا ملكيا بمنع كل العلاقات التجارية بين موانئ الأندلس وموانئ سلا والعرائش. بل إن تزايد أهمية ميناء العرائش الذي صار عائقا أساسيا لكل التجارة الأوربية لأهميته التجارية والعسكرية، اتفقت كل من إسبانيا والبرتغال على إغلاقه نهائيا، لذا قامت القوتان البرتغالية والإسبانية بعملية مشتركة هدفت إلى إغلاق منفذ ميناء العرائش، وهكذا قامتا بتعرض في سنة 1546 لحصار عسكري للميناء ومنع الولوج إليه، إلا أن مقاومة التجار الإسبان والبرتغال وتجار باقي الأجناس خصوصا الفرنسيين والانجليز أعاقوا كل مخططات الحصار فقام القادشيون بمراسلةالملك الإسباني لرفع الحيف عن تجارتهم وألحوا في ذلك، فاستصدر هذا الأخير سنة 1560 قرارا الملك برفع الحظر عن التجارة مع المغرب بعد احتجاج تجار قادش جاء في الفصل الأول من القرار

أنه: من حق الإسبان أو كل الأجانب المقيمين بإسبانيا أن يتاجروا مع العرائش “هكذا بالصيغة، مما يبين أن ميناء العرائش صار جزءا من التفكير التجاري والاستراتيجي للدولة الاسبانية، ونظرا لهذا الوضع لجأت البرتغال إلى تحريك آلتها الديبلوماسية لحصار العرائش بعد أن فشلت آخر محاولة لحصار ميناء العرائش سنة1566، ورغم الضغط البرتغالي على الدول الأوروبية للتجارة بموانئها المحتلة على طول الأطلسي المغربي إلا أن التجار رفضوا التخلي عن التجارة بالعرائش رغم العروض المغرية التي قدمها البرتغال للانجليز بواسطة سفيرهم بانجلترا.

وتنبع معارضة التجار الانجليز للقرارات البرتغالية بعدم التجارة في الموانئ المفتوحة معتبرين أن سيطرة البرتغال على بعض موانئ المغرب لا يعد البلد كاملا تابعا للبرتغال. ففي يوليوز 1573 اقترحتالدولة البرتغالية في رسالة موجهة إلى وليام سيسي، أو اللورد بيرغلي فيما بعد13 سبتمبر 1520م – 4 أغسطس 1598مكان رجل دولة إنجليزي وكبير مستشارين الملكة إليزابيث الأولى في معظم فترة حكمها. أن ينصّ الاتفاق على صيغة تمنع الانجليز من الاتجار في المناطق المفتوحة من طرف البرتغال، إلا أن الإنجليز تخوفوا من استغلال الصياغة لإبعادهم عن المغرب كاملا، ثم تجددت المفاوضات في ربيع 1574 حيث تعهدت إنجلترا بأن تقتصر تجارة التجار الانجليز على موانئ العرائش وآسفي وأغادير. وقد قام المخزن السعدي بمحاولات مهمة لاستقطاب التجار الأوروبيين للاتجار بموانئه المفتوحة، فهذا مولاي عبد الله الغالب يعطي تصريح أمان سنة 968 هـ إلى التاجر الفرنسي بوريديت ” يهتدي به في أقطار عمالتنا ويستنير بسناه في أكناف آيالتنا ويقتحم به معاقل المراسي كالعرائش وسلا وآسفي و السوس الأقصى”، كما فسح لهم المجال لإقامة فنادقهم بل حتى مساكن لهم، فكان التجار الأجانب يقيمون “في كل المدن والمراكز ذات الأهمية التجارية، في فاس ومراكش وآسفي وأغادير وتارودانت ومكناس و العرائش، إلا أنهم غالبا يقيمون بمعزل عن السكان المغاربة المسلمين، إما في الديوانات والفنادق الخاصة بهم أو خارج المدينة” حسب دوكاستري، وبهذا لم تفلح محاولات البرتغاليين لاحتكار تجارة المغرب إذ استمر النشاط التجاري عبر بعض الموانئ التي سلمت من الغزو البرتغالي وظهرت موانئ جديدة ازدادت أهميتها مع الأيام ومع توسع حملة الاسترداد السعدي للموانئ المغربية.

اللورد برغلي


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.