العرائش نيوز:
منذ وعيت التفريق بين أشهر النصارى وأشهر المسلمين، وأنا أسمع ولا زلت أن يوم صيامنا هو يوم أضحيتنا. هي مسلّمة لا تتزحزح عند الكثير، وموضوع للنقاش والرهان لا ينتهي عند آخرين.. وإلى جانب ذلك، أسمع أيضا أن قرنَيْ كبش العيد تظهر في قاع آخر زلافة من الحريرة في آخر يوم من أيام رمضان. وحتى إن كان ذلك كناية عن المكابدة التي تثقل الكواهل بالتفكير الجاد في توفير الأضحية، فإنه كلما حلّت هذه المواعيد خلال أيام صبانا الصاخب إلا وعزمت على التحقق من الأمرين معا لعلّي أصل إلى حقيقة بقدر ما يتسلى بها البعض، يؤمن بها البعض الآخر إيمانا لا يساوره الشك. لكن دون جدوى.. ذلك، لأنني لم أكن معنيا بالأضحية حتى أرى قرنيها في قاع الزلافة مادام من أقنعني بالحكاية قال: إن أرباب الأسر فقط هم من يرونها وليس الأطفال.. وكذلك مرور الأيام كان ينسينا ضبط التطابق الممكن حصوله بين يوم الصيام ويوم الأضحية، فنمكث نتجادل دون حسم حتى ننسى الأمر..
الربط بين رمضان وعيد الأضحى عند أسلافنا، لم يكن من قبيل الصدف. فالتذكير به عند أول يوم من شهر الصيام، وذكر المشقة التي يكابدها المغاربة من أجل توفير الأضحية اللائقة بكل أسرة عند أخره، كان عن قصدٍ حتى يستمر راسخا في الذهن. ولا يتخلف عنه أحد سواء كان ميسورا أو معدما.. فعيد الأضحى المبارك، الذي أطلق عليه أسلافنا العيد الكبير، لا يمكن أن يكون كبيرا عندنا إلا إذا توفرت الأضحية.. ولذلك كنا نرى الناس ولا زلنا تصنع المستحيل من أجل توفيرها، حتى وإن كان ذلك على حساب أثاث البيت..
ونحن أطفال، كان لا يهدأ لنا بال حتى نرى خرافنا مستقرة إلى جانبنا، نطعمها ونلاعبها وتأكل من أيدينا وتنطحنا.. تكاثر صياحها ليلا في مناطق مختلفة من الحي واقترابها من أسماعنا، كان ينبهنا إلى اقتراب موعد العيد.. عديدة هي الأسر التي كانت تبكّر في شراء أضاحيها حتى تتجنب المضاربة التي يحدثها الشناقة والسبايبية قبيل العيد. ومثلها أيضا من كان لا يبالي بشيء ويتأخر إلى ليلة العيد.. وحتى إن كنا قد وفرنا أضحيتنا من قبل، فإن سوق الأضاحي حينما يفتح بالمدينة قبل عشرة أيام من العيد، يصبح مقصدا يوميا لنا.. وكيف لا وإعماره لا يتكرر إلا مرة في السنة، عكس باقي الأسواق القريبة كأسواق العوامرة أو ريصانة أو القصر الكبير، التي تباع فيها المواشي كل أسبوع…
كان يجذبنا إليه الفضول، وأيضا التعلم والاستفادة من رواد هذا الصنف من الكسب. خاصة الأذكياء منهم.. ولا يقل عن ذلك الاستمتاع بالمواقف وتسجيل الطرائف.. فأن تعثر على موقف يتصارع فيه البعض حول كبش منفوخ، أو عالفٍ للخميرة، أو ذي قرن مكسر وملصق بلاصق قوي المفعول، أو نعجة ذات قرنين وقد بيعت لساذج بثمن كبش أملح أقرن، أمر شائعٌ مادام أن سوق الماشية كثيرا ما جانبه المعقول، وخالطه الباطل، وتسلل إليه الغش والخداع.. الخراشفة وأولاد الجيلالي وأولاد علي وولد ازهيرو القًرَيْعة وبيّوض وباخدَّة.. وغيرهم ممن لم أتذكر أسماءهم أو صفاتهم.. هم رواد السوق وأشهر من نشاهد ونتتبع حلقات عروضهم الغاصة بالجلابيب المتسخة واللحى المغبرة والعصي الطويلة.. والضامّة لكشاكيل من الفرجة المرصعة بالبيع والشراء، والغش والتدليس والكذب، والحلف بالرزق والطعام والقرون والصوف والشمس والقمر والنجوم والشجر والحجر وبكل ما يخطر وما لا يخطر على بال…
حلقة المشهور “باخدّة” صاحب تجارة الفحم والدجاج البلدي والبيض في الأيام العادية، هي الوحيدة التي تختلف عن باقي الحلقات الأخرى، سواء كانت للفلاح أو الشناق.. فهي تضم نوعا واحدا من الماشية يُطلِق عليها أسماء تذكِّر بالعجائز كامّي حليمة ومّي عيشة ومّي هيرة ويكون فيها دائما عروض التخفيض (مِيْتين ريال للنعجة وعيِّد يا درويش).
كل عام تجده بنفس النوع من المعروضات، وبنفس الأسلوب من العرض، وكأنه موكول إلى فئة من المجتمع يعرفها جيدا وتعرفه. وهي فئة المعدمين الذين لا يهمهم من الأضحية سوى إراقة دمها، والفرح بذلك إلى جوار باقي المضحين.. نعجة باخدّة أو حولِيتُهُ كما كان يحلو له أن يسميها. صارت ماركة مسجلة، يضرب بها المثل ويقاس عليها في التشبيه. خلال مساء وليلة عرفة الكبيرة، يمكن أن يخفض السعر إلى أقل من ذلك بكثير. إذ ما يهمه هو أن ينفد سلعته كاملة، ولا يعيد معه أي حولية إلى البيت..
وإذا كانت ليوم عرفة عادات وإعدادات خاصة بالكبار. ينفذونها بالتمام حتى يتفرغوا لطقوس العيد في الغد. فإننا لا نفوّت الفرصة دون أن نحيي فيها عادة الاستمتاع بالتسول بين دروب الحي على أنغام أنشودة عرفة.. فنجتمع في فرق صغيرة، ونشرع في طرق الأبواب..
عرفة عرفة ميمونة..
حط الشعير فالميدونة..
باش نعشيو حاولينا..
ميمونة ماحلاها..
حلّاها مولانا..
مولانا مولانا..
لا تقطع رجانا..
باسم عرفة..
والكعبة المشرفة…
ثم ندعو مع المستجيب لنا بدعاء: الله يعمر هاذ الدار بالقوالب دالسكر.. ومع متجاهلنا ب: الله يعمر هاذ الدار بالفراقش دالكيدار..
في الغد، وهو اليوم المنتظر.. لم يكن همّنا عند الحضور على طقس التضحية بعد العودة من المصلى أكبر من البحث عن القطط، التي تختفي تماما عن أعيننا، وندعي أنها ذهبت لأداء مناسك الحج..
وبعد تعليق الكبش، وبالضبط بعد فصله عن رأسه وقوائمه.. نأخذ هذه الأخيرة معنا، ونغادر إلى الشارع بالجوار، حيث أشعلنا النار قصد شيّها بعيدا عن الشباب الذين يكبروننا، والذين كانوا يصنعون من شي الرؤوس خلال يوم العيد حرفة يتم الإعداد لها قبل أيام، ولا ينتهي زمنها إلا مع عصر يوم العيد. وغالبا ما تليها جلبات و”حيحات” صاخبة لهؤلاء، بعد إنفاق كل ما لَمّوه من عائدات في “تبليطات” حارقة كحريق النار التي جاوروها طيلة اليوم..
أحيانا يصير عملنا في هذه الرؤوس حرقا وتشويها، وليس شيّا كما يصنع المحترفون. ومع ذلك نظفر من أسرنا بعلاوة تضاف إلى مستحقات العيد.. وأخرى تزداد وتنقص حسب الخدمة التي نؤديها كخبط الهيدورة، وجلب الماء الذي غالبا ما يضعف صبيبه أو ينقطع ليلة وصباح العيد، والتخلص من أحشاء الدوارة في المطارح البعيدة، وإيصال الحلوى والخبز المنثورة بحبة حلاوة والمصحوبة بلحّاكَة تتوسطها بيضة ليست للسلق ولا للقلي وإنما للطهي بحرارة الفرن بطريقة لا نصنعها إلا في ليلة العيد..
في هذا الزمن الذي نسترجع فيه ما علق في ذاكرتنا من صور حية وميتة حول طقس العيد، كانت غالبية الأسر لا تملك ثلاجات لحفظ اللحم كما نفعل الآن. وأيضا لم نكن نخاف من تناولها بكميات وافرة ما دام لم يكن هناك من يرعب الناس من تناول اللحوم الحمراء كما اليوم. وكذلك ما دمنا لا نشهدها تقريبا بهذه الكمية طيلة العام إلا في هذه المناسبة. كانت معدلات تناول اللحم عندنا منخفضة جدا.. ولذلك كانت الأضحية لا تتجاوز ثلاثة أو أربعة أيام.. خاصة إذا وافق العيد أيام الصيف.. كمية وافرة منها قد تصل إلى الثلث تحل محل الملابس على أسلاك الغسيل، وتظل هنالك وفق رعاية خاصة حتى تجف، وتصير قديدا لذيذا يستمر تناوله إلى يوم عاشوراء حيث يعد الكسكس بالديالة وهي آخر قطعة منه.
في العام الذي ضحّت فيه بعض الأسر سرّا بعد المنع الذي أمر به ملك البلاد حفاظا على قطيع المواشي بعد توالي سنوات الجفاف. كان هؤلاء يرتعدون خوفا بعد إشاعة أخبار حول (العريفة) التي تداهم البيوت، وتبحث عن هذه اللحمة الفريدة، التي صارت بمثابة صك اتهام لمخالفة الأمر السامي.. وصارت في مخيلتنا محاكم للتفتيش حول الإيمان بالقديد..
أذكر أننا خلال هذه السنة، لم نضحّ كالعادة كما نفعل كل عام، لكننا عمدنا مع بعض الجيران إلى الوزيعة في يوم عرفة الكبيرة، وصنعنا من أجزاء قرعتنا مثلما نصنع بالأضحية.. ومع ذلك ارتعبنا كثيرا من هذه الإشاعات وخشينا أن يُصادَر قديدنا وتتم معاقبتنا..
نمسي يوم العيد مغايرين لما كنا عليه في غيره من الأيام.. مستحمين ولابسين الجديد وأغنياء.. ولا ينقصنا سوى صرف ما اجتمع في جيوبنا من مصروف أُهدِي إلينا أو قابلناه بخدماتنا الموسمية خلال هذا اليوم.. مخطط الصرف معروف لدي ولدى معظم الأصدقاء.. فيلمان سينمائيان، الأول في سينما إديال أو أبينيدا في الثالثة مساء لجاكي شان، أو للحليقين من رهبان بودا البارعين في فنون الحرب والمتقنين للتعامل مع قسوة العيش. والثاني في السابعة مساء بسينما كوليسيو أو سينما إسبانيا، وفرضًا يكون هنديا لأحد أبطال بوليود المحبوبين، وغالبا ما يتصادف العيد مع جديد أفلام السرطان أو ترافولطا..
بوكاديو وكوكاكولا من بقالة “العُمري”، وخليط من الزريع والحمص والكاوكاو من كشك “الجيلالي” هو حقيبة مقتنياتي قبل الولوج إلى الفيلم الثاني، ووجبة من الكاليينتي والشامية حينما أخرج من قاعة السينما، وبذلك ينتهي البرنامج الحافل بغمرة من السعادة لن نتذوق مثلها إلا في عيد آخر…
