العرائش نيوز:
بين كبير يُجلّه، وصغير يهابه.. كان الفقيه البقالي محط ثقة حينا الفسيح بأجمعه، وكانت عائلتنا كما العائلات المجاورة، مؤمنة إلى حد اليقين بعزائمه الراقية، وتمائمه الشافية.. ولا تجد أدنى حرج في التماسها منه بالفتوح أو من غير فتوح. ولذلك كلما ألمّ بنا داء، كان حمّى طارئة، أو ضربة عين مسلطة، أو دواراً وشقيقة، أو حتى مغصا شديدا في أسفل البطن.. هرعنا إليه نلتمس بركة زيارته، ويُمن حلوله. كان بين الخمسين والستين من عمره، قصيرا في قده، خفيفا في وزنه.. لكنه صاحب أسرار تحيطه، وتجعل منه علما في القوة والرهبة.. ورغم ذلك كان لافتا في تواضعه، مجبولا في سمته، وجميلا في تبسمه. حينما نطلبه للنظر في الأدواء المذكورة أو سواها، لا يتردد في المجيء مهما كان الوقت أو الطقس. إذ سرعان ما تراه واقفا أمام الباب، متأبطا جرابه الجلدي العتيق يستأذن بالدخول. لا أزال أذكر حينما انتهى من رقية جارتنا الممسوسة، وأخبرته والدتي بما أصاب عيني اليسرى من بياض، صار يقلقها ويخيفها من عماها، رده اللائق، وطلبه البسيط.. قربني إليه بجذبة فيها حنان أبوي، وعندما فحصني وتأكد من وجود نقطتين من البياض تستقران بحد البؤبؤ. التفت إلى والدتي وطالبها بإحضار بيضة بلدية نقية في الحين، وشدد على كلمتي بلدية ونقية..
لم يسأل أحد من الحاضرين حينها لماذا بلدية وليست رومية؟ فهمّ الجميع هو ماذا سيصنع بها، وما الرابط بين بياض العيون وبيض العتاتيق.. لكن كل تلك الأسئلة انمحت مع غمسه القلم في مداديته، وشروعه في الخط بعناية فائقة على تلك البيضة تابعا شكلها الدائري.. وحينما أنهى تميمته التي خطها، وجفف مدادها السائل بنفخاته الهادئة، قدمها إلى والدتي وطلب منها أن تفرز أصفرها عن أبيضها، وتصره في قماش ناعم، ثم تلفّه على عيني المصابة طيلة الليل، وفي الصباح تسحبها وتقوم بتنظيف العين.. وبيقينه الراسخ قال لي: ستصبح معافى ببركة النبي الخاتم.
مرت الأيام، وأنا لا أبالي أنجح الفقيه البقالي في وصفته معي أم لا. فقليلا ما كنت أقابل المرآة لأتأكد من بقاء نقطتي البياض في بؤبؤي أم زالتا. وكثيرا ما كنت لا أراهما لشفافيتهما، ولانعكاس الضوء الذي تحدثه المرآة في عيني. غير أن والدتي الحريصة على معافاتي منهما، لم يكن يهدأ لها بال مع مكوثهما في مكانهما. ولذلك حينما سمعت أن عينا مباركة جوار قبر الولية الصالحة لالة الجيلالية، يشفي ماؤها من بياض العيون، استغنت عن انتظار بركة الفقيه البقالي، لكن دون الكفر بها أو تسفيهها، وأوفدتني إلى هذه العين رفقة خالتي، ومعي دجاجة مختارة هدية للصالحين من أصحاب المكان.
حينما وصلنا بعد جهد إلى المزار الخالي إلا من أصوات الطيور ونقيق الضفادع. تركت خالتي والوفد جانبا جوار القبر الأبيض الكبير، وقصدت النبع تحت شجرة التوت.. فركت عيني جيدا كما شددت على ذلك والدتي في وصاياها، ثم رششت عليها الماء المبارك بعدما سميت الله وشربت، وكلي يقين أن لا قلق عليها بعد اليوم..
كان هذا خلال صباي الصاخب، بعد شهور من ولوجي المدرسة.. ومن ذلك الزمن إلى اليوم، لم أدر ماذا حصل للبياض الذي كان جاثما على بؤبؤي الأيسر حتى اختفى إلى الأبد. غير أني أؤكد أن اختفاءه أبدا لم يكن عن طريق مياه العين المباركة بمزار الولية الصالحة لالة الجيلالية.. ولا بواسطة تميمة الفقيه البقالي اللزجة.. ولا عن طريق طبيب العيون أيضا.. ربما كان ذلك تحت تأثير مرهم العيون الأصفر، الذي كان يضعه في أعيننا يوميا أستاذنا بالقسم الثاني السي البوزيدي رحمه الله، حمايةً لنا من موجة داء الرمد التي عمت البلاد آنذاك..
