“تاريخ العرائش من بداية القرن السادس عشر إلى الاحتلال الإسباني للعرائش سنة 1610” (الحلقة العاشرة)

الأطماع الإسبانية في احتلال العرائش على عهد السلطان أحمد المنصور الذهبي

بعد تولي المنصور عرش المغرب عقب وفاة أخيه عبد المالك السعدي في معركة وادي المخازن، بعثت إسبانيا مفاوضا يعرض عليه إقامة تحالف معه مقابل امتناعه عن التعاون مع الأتراك وتسليم العرائش لإسبانيا، وفي المقابل تمتنع إسبانيا عن دفع الناصر ومحمد الشيخ، المنافسان الشرسان لأحمد المنصور الذهبي حول عرش المغرب، إلى الثورة وقد توالت السفارات الإنجليزية والإسبانية على المغرب بعد معركة وادي المخازن وكان المنصور يسعى إلى إظهار التحالف مع إسبانيا لردع التطلعات التركية لبسط الهيمنة على المغرب كما كانت فرصة لإسبانيا لاستغلال الوجود التركي على أبواب المغرب و موانئه للضغط بقوة للحصول على العرائش بحجة تخوفهم من وقوعها في يد الأتراك مما سيصعب عملية أمخار البوارج الإسبانية في اتجاه العالم الجديد، لكن أحمد المنصور رفض بحجة استحالة ذلك وتأثيره السيئ على مكانته الداخلية.

وأصبح يوحي لمن حواليه من الطامعين بأنه توصل إلى شبه اتفاق عسكري مع الملك الإسباني الذي كان قد أنهى بدوره المشكلة البرتغالية بدخوله العاصمة لشبونة فاتحا يوم 31 يوليوز 1581 على أساس المساعدة العسكرية للمغرب لمواجهة التدخل التركي مقابل التنازل عن مدينة العرائش وامتيازات أخرى. على إثر ذلك استقبل المنصور القسيس مرين بمعسكره بتانسيفت بطلب منه من الملك الإسباني لعقد اتفاق تخوفا من الهجوم التركي بقيادة علوج علي المغرب لضمه للنفوذ العثماني وتم وضع مشروع معاهدة عسكرية ضد الأتراك على أساس التنازل للإسبان عن مدينة العرائش التي كان الملك الإسباني يقدر أهميتها في القيام بالعمليات العسكرية ضد القراصنة الذين كانوا ينزلون بالتجارة الإسبانية في عرض الشواطئ المغربية الأطلسية أفدح الخسائر، حيث نصّ مشروع المعاهدة في ثاني غشت 1581 على إقرار الهدنة عشرين سنة مع إسبانيا وتسليمها العرائش.

على إثر شيوع خبر هذه المفاوضات ووصولها إلى أسماع الباب العالي بإسطنبول، قام السلطان العثماني “مراد الثالث” بتوجيه هدايا إلى فاس بعد نبأ شيوع المفاوضات المغربية الإسبانية” حسب دوكاستري.

لقد كان للتهديد التركي خلال المرحلة الأولى من عهد المنصور أكبر الأثر في تقاربه مع الإسبان وبذل الوعود المختلفة للحصول على مساعدتهم العسكرية، فعمل على الوعد بالتنازل عن مدينة العرائش لأهميتها الإستراتيجية ودورها في مواجهة القرصنة التي تكبد التجارة الإسبانية مع العالم الجديد والشرق الأقصى أفدح الخسائر في الأموال و الأرواح كما وعدهم بالحصول على امتيازات تجارية بما يشبه احتكار التجارة المغربية، وقد ابتغى الإسبان من خلال ذلك إغلاق الأسواق المغربية في وجه خصومهم ومهربي الأسلحة الإنجليز.

لكن المنصور استغل أيضا هذا التوجه الإسباني نحو المغرب لمناورة الوجود التركي، فقد استطاع المنصور بدهائه أن يتفادى الخطر العثماني الذي كان قائما باستمرار اتجاه المغرب، بالتلويح بتحالفه مع الملك الإسباني فيليبي الثاني، وبتقربه لإنجلترا التي أصبحت فاعلا أساسيا بالمنطقة، فانتهج السلطان سياسة خارجية اتجاه الإسبان والإنجليز تبحث عن إيقاف الأطماع التي كانت لدى هؤلاء في المغرب من خلال الحصول على مراكز تجارية و مراسي قارة به بالتلويح بالورقة التركية .

لكن تجب الإشارة أنه مع تراجع التهديد العثماني للمغرب ودخولهم في نوع من المسالمة و تسليمهم بالأمر الواقع، أصبح المنصور يشعر بنوع من الاطمئنان اتجاه الأتراك، وهذا العامل دفعه للتريث والتدبر وعدم الإسراع في اتخاذ أي قرار بشأن موضوع العرائش، ثم هناك عنصر حاسم عزز من موقع المنصور التفاوضي وهو ظهور الإنجليز على مسرح الأحداث وما أبدته الملكة إليزابيث من جدية في تسليح الجيش المغربي وإمداد المنصور بكل الحاجيات العسكرية بالإضافة الى العائدات التجارية التي ستستفيد منها الخزينة الدولة في تجارتها مع الإنجليز وذلك لدفعه للحيلولة دون التقارب مع الأسبان والتنازل لهم عن العرائش وتمكينهم من احتكار التجارة المغربية، فقد كانت إنجلترا ترى أن إعطاء العرائش تهديد لتجارتهم بالمغرب.

وزاد تشجيع المنصور عدم تنازله على العرائش انشغال الملك فيليب الثاني بالحروب التي تجري في الواجهات الإسبانية العديدة برّا وبحرا، وما كان للإسبان أن يغامروا بحملة ضد المغرب سيكون من نتائجها تحرك تركي اتجاه المغرب لأنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي لتقدم إسباني على حدودهم الغربية.

وراهن المنصور على لعب ورقة السياسة الدولية آنذاك مستغلا الصراع الإسباني الإنجليزي والمطالبات المتعددة بإرجاع عرش البرتغال من إسبانيا، فتقرّب في هذا الصّدد من إنجلترا، وإن لم يتوصل إلى عقد أي اتفاق مع الإنجليز، فإنه سعى مبدئيا إلى نقل دون كريستوف إلى المغرب، وهو الأمير ابن دون انطونيو، المطالب بعرش البرتغال بعد أن حازتها إسبانيا لنفسها بعد معركة وادي المخازن، وقد أرسلته الملكة إليزابيث إلى المنصور بعد هزيمة إسبانيا أمام البحرية الإنجليزية في معركة الأرمادا 10 غشت 1588 كرهينة عنده في المغرب مقابل المساعدة المادّية والقرض المالي الذي سيقدّمه لدون انطونيو والمقدر بمائة ألف دوكة، شعورا منه بالدور العظيم الذي سيلعبه في المجال الخارجي متى كان الأمير البرتغالي بين يديه وفي بلاطه. وقبل أن يصل دون كريستوف إلى المغرب وأمام الارتباك الإسباني، عمل المنصور على تحصين الموانئ وخاصة العرائش والمعمورة وعلى بناء السفن وتهييئ القوات المسلحة

.

وقد شّيد المنصور حصن العرائش في ستة أشهر وزوده بستين قطعة مدفعية و300 جندي،

وكان يردّ على تساؤلات إسبانيا حول خلفيات تحصين العرائش إلى أنه يفعل ذلك من أجل سلامة إسبانيا نفسها لمنع الأتراك والإنجليز من الاستيلاء عليها. وعندما ألحّ عليه الأسبان بعد ذلك في الموضوع، أفهمهم أنه لم يسلم العرائش حينما كانت غير محصنة فكيف يفعل ذلك وقد أصبحت محمية من أي خطر تركي أو اسباني، ثم عرض عليه الأسبان فيما بعد استبدال العرائش بمازيغن للتخفيف من الحرج الذي يمكن أن يقع فيه، إلا أن المنصور لم يتنازل عن العرائش، ولم يكن يفكر في ذلك لاعتبارات أخرى تبين أن المنصور الذهبي كان داهية ولاعبٌ فطنٌ في الرُّقعة الدولية مستغلا التناقضات القارية بأوروبا للحفاظ على مملكته وتحقيق مكاسب سياسية جمة ويوضح كتاب الذي ألفه “أنطونيو دياز فارينا”( Cronica de Almançor Sultao de Marrocos) (1578-1603) lisboa.instituto de investigaçao cientifica tropical 1997 pp 131-133 ” ذكاء المنصور الذهبي فقد قال أن مملكة الشريف كانت تزداد عظمة وفي نفس الوقت تكبر رغبة الملك فيليبي في الحصول على العرائش لذلك جعل دوق مادينا سيدونيا ” دوق مدينة شدونة ” يكتب الى بلتسار بول “مبعوث إسباني الى المغرب” ليقول له، أي ليقول للمنصور “أن مولاي الناصر كان يلح كثيرا على سيده الملك ‘ملك اسبانيا’ ليخرجه إلى المغرب”.

من المفيد الإشارة هنا إلى أن الناصر كان لاجئا لدى الملك الإسباني، “حيث كان له عدد من الأصدقاء والمناصرين الذين كانوا ينتظرون مجيئه. ولكن الملك وحتى لا يلحق الضرر بسكينة الشريف “أي السلطان المنصور”، كان يلمح له بأن تصرفه كان غير معقول، وأنه يفضل أن ينفق المال الكثير لسدّ تكاليفه وتكاليف المغاربة الذين فرُّوا معه، وبهذا كان يبعد الخطر عن صديقه. لذلك كان على بلتسار بول أن ينصحه بكل وضوح من أجل إعطاء العرائش لملك إسبانيا وإلا تصرَّف كل منهما حسب مصالحه الخاصة. إن الشريف “أي المنصور الذهبي” الذي صار عاجزا عن إيجاد مبرر جديد يقدمه، قال لبلتسار بول أن الملك فيليبي يرفض الاعتراف بمصلحته الكبرى، أحد المراسي وبالخصوص مرسى المعمورة ليحتمي فيه أسطولها، وتتعهد له ببيع كل الغنائم فيه، ولكنه لم يوافق أبدا على ذلك مع أن الملكة كانت قد بينت له عزمها على مساعدة Don Antonio الذي سمي منذ عهد قريب ملكا على البرتغال. ومن أجل توطيد صداقتهما، وكذا التحالف المتوخى بينهما، أرادت أن ترسل أحد أبناء Don Antonio  ولكن المنصور لم يقبل أي شيء من كل ذلك، ولن يقبل أبدا مادام الملك فيليبي على بينة من مدى القيمة التي يكتسيها وجود المنصور جارا له، وهو قد يذهب أبعد من ذلك في نيته الحسنة ليعطيه العرائش لو كان في ذلك خيرا له، لأن وجود هذا المرسى تحت سيطرة المنصور فيه حماية لإسبانيا من تهديدات الاتراك، لذلك لا يرى واضحا لماذا كان الملك فيليبي يريد أن تسلم قاعدة للمسيحيين رغم عدم استفادته من ذلك ورغم الضّجّة التي يمكن أن تحدث من جرّاء ذلك. إن الإقدام على ما يطلب منه يمكن أن يتخذه أحد أبنائه ذريعة للثورة ضدّه، لأن الكلام حول هذا التسليم كان قد انتشر إلى درجة أن أبناءه صاروا كلهم يكاتبونه ويتوعّدونه بالانحياز إلى الأتراك إذا ما أقدم على الأمر. فإذا كان لا بدّ من الضّرر، فاللّهم مع المسلمين خير من أن يكون مع النصارى الذين يطلبون منه الأراضي.”

يبدو من خلال هذا العرض العميق لسياسة المنصور أن هذا الأخير امتلك حسا سياسيا كبيرا، فمعلوم أن هاجس الاستيلاء على العرائش كان لا يفارق فيليبي الثاني بسبب تحول هذا المرسى إلى قاعدة يحتمي فيها كل القراصنة الذين كانوا يهاجمون السفن الإسبانية في المحيط الأطلسي، فقيمة العرائش بالنسبة لهذا الملك الإسباني كانت تفوق قيمة إفريقيا بكاملها وهو كان يتطلع إلى مقايضتها بالبريجة الموجودة آنذاك تحت سيطرته باعتباره وارث عرش البرتغاليين الذين كانوا قد استولوا عليها من ذي قبل، وأن السلطان أحمد المنصور الذي كان قد قبل المقايضة المذكورة تردّد كثيرا قبل أن يقرّر في نهاية المطاف عدم الرّضوخ للرّغبة الملحة التي راودت الملك الإسباني في الحصول على المرسى المذكور وقد تخوف المنصور من ردود الفعل المحتملة من قبل أبنائه في حالة تسليمه العرائش لفيليبي الثاني خصوصا وإن الإشاعات حول التسليم كانت قد شرعت في الوصول إلى أبنائه، فالمنصور لم يسلم العرائش، ولكن ابنه الشيخ المامون سيقدم على ذلك، غير أن المستفيد الآن هو فيليبي الثالث وليس الثاني.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.