العرائش نيوز:
محمد اليشيري
كثيرا ما كانت تثيرني وأنا واقف عند شبابيك دور السينما أستعد لشراء تذكرتي، لوحات من حروف وأرقام.. مكتوب عليها بنفس الخط ونفس الصباغة هذا المحتوى:
– سعر التذكرة : 1.50 درهم
– صندوق الدعم : 0.25 درهم
– مساندة الشعب الفلسطيني : 0.15 درهم
المجموع: 1.90 درهم
كنت لا أدري ما صندوق الدعم؟ وأشكك في وصول سنتيماتنا التي لا تسمن ولا تغني من جوع إلى إخواننا في صبرا وشاتيلا، وباقي مخيمات الشتات في الأراضي المغتصبة..
منهج ديكارت، جُبلنا عليه من قوة رسوخ عدم الثقة في المسؤولين على الصناديق..
أحتج في قرار نفسي وأقول: لو أغنونا عن هذه الزيادة وتركوا ثمن التذكرة كما هو لكان أفضل.. فعلى الأقل سنوفر مشاهدة فيلم جديد من كل خمس مشاهدات؟؟
أربع قاعات للسينما بمدينتنا الحالمة، كانت تتنافس فيما بينها عن استقطابنا لعروضها اليومية.. وكنت وأصدقائي نفضل منها “سينما كوليسيو” فهذه القاعة بالنسبة إلينا، كانت هي المطار السالك الموصل إلى مدارك السعادة في دلهي ومومباي…
فيها استمتعت بأغلب الأفلام التي شاهدتها في حياتي إلى الآن. وفيها تعرفت على السرطان وطرافولطا وشيشي كابور ودراميندرا والديزكَامبا وادجيطيندرا والسولانديس والعايل د بوبي وهيماما ريني وغيرهم..
أفلام هؤلاء كلها أحلام رائعة، وتتحقق في نهايتها. ولذلك كانت تروقنا ونسعد عند مشاهدتها..
لا أخفيكم أني كنت أيضا من هواة حفظ أغانيها الخالدة، خاصة أغاني أميتاب باشان وميثون تشاكرابورتي وكوّنت من خلال ذلك رصيدا لا بأس به لأنافس به أصدقائي أثناء جلسات أنديتنا السينمائية على حافة السور المشرف على سكة الحديد القديمة، ونحن ننتظر شاحنات قصب السكر..
كان المتنافس منا يختار الأغنية التي يريد، والآخرون يلونه بالتناوب من غير تكرار المختارات حتى تنتهي اللائحة والعاجز يخسر حصيلته من قصب السكر المنتشل من حواشي ومشابك الشاحنات العابرة لنقطة تفتيشنا..
– غُورُو كِي نَكالُون كِي… دونياهي ديلفارو كي… أَ سوكي كيي… أسوكي مَضِي… أمَجِي سي ديلفاروكي…
– كُويِ جابرا هوما باهي… ميري سانك لاهي… كوبك كوبك كدي كجَلاهي… ميري دوستي ميرا بيار…
– صاري دونيا كابو ميلا مبوجاني …
– أيا ما ديسكو دانسر …
ورغم أني كنت ممن لا يهزم في هذه المسابقات، التي ربما اقتبستها عنا القنوات الغنائية بخليج النفط، وصارت تُخرِّج منها معبوداتها في الغناء، فإني لم أكن الأول بين المتنافسين.. فرائدنا كان صديقا يشبهني كثيرا، ويلازمني في أغلب وقتنا الثالث.. وهو من أخذني إلى السينما أول مرة.. فما مرّ على مسمعه لحنٌ أو أغنية في فيلم هندي شاهده إلا رسخ في ذاكرته.. كان حريصا على مشاهدة جميع الأفلام المعروضة، وكان يفعل المستحيل من أجل توفير ثمن التذكرة. وحتى إذا أعوزه الأمر، لم يتوانَ عن الوقوف موقف السيدة (الحمرا) رحمها الله إلى جانب الشباك، لالتماس استكمال ثمن تذكرته…
كان حلمه أن يصبح ممثلا، ولذلك كان يتفرج بقلبه وجوارحه.. وحين يشخِّص لنا دورا أداه أحد الأبطال الذين شاهدهم قبلنا، نجده نسخة طبق الأصل حينما تتاح لنا فرص مشاهدته من بعده…
كبر الصديق، ومعه كبر حلم التمثيل.. فما هلّت في أفقه القريب أو البعيد فرصة للمشاركة في أحد الأدوار التي يمكن أن يُرى فيها ولو لمرة واحدة كما يَرَى هو غيره في الشاشة الكبيرة إلا سافر من أجلها. وبحث عنها في كل مكان استطاع أن يصل إليه.. غير أن حظه لم يكن كعزمه، فلازمته خيبات متوالية في هذا السعي الذي لم يعرف فيه أبدا الكلل…
مرت سنوات.. هاجر فيها إلى إسبانيا، وقضي فيها عقدا ونصف من عمره، أسس خلاله لنفسه حياة كريمة وملائمة.. ورغم ذلك، لم يمت في عزمه هذا الحلم. وبقي مداوما على ذكره لزوجته الفلبينية وبناته الثلاثة.. ذات مناسبة تعرف عليه عن طريق المصادفة المخرج محمد الشريف الطريبق، وحينما جرّبه في أحد الكاستينغات، حقق حلمه وأهداه دورا بسيطا في أحد أفلامه القصيرة تشجيعا له على مثابرته وجمال صبره…
