قفشات من صخب الصبا: مدرسة الكادحين

العرائش نيوز:

آآختي مينة، عطينا البويو.. آآختي حليمة، عطينا البيصار
آآختي مينة، عطينا البويو.. آآختي حليمة، عطينا البيصار
هذا هو نشيد المطعم المدرسي خلال ثمانينات القرن الماضي، وأرجوزة الدعم والتشجيع للسيدتين القائمتين بمهام الطبخ والإطعام بمدرسة المحصحص المختلطة..
السجل الاجتماعي الموحد الذي اهتدت إليه مؤخرا الحكومة، وتستعد لتنزيله إلى أرض الواقع.. كان قائما بمدرسة المحصحص منذ زمن صبانا الصاخب. ويفتح عند بداية كل سنة من أجل إحصاء وضبط وتصنيف التلاميذ..
ومع أن جميع هؤلاء المكدسين في فصول هذه المدرسة الهامشية هم من نسل الكادحين، باستثناء بعض أبناء مستخدمي المكتب الوطني للاستثمار الفلاحي، الذين كنا نعدهم من الأغنياء لحسن مظاهرهم، فإن اختيار المستفيدين من الإطعام المدرسي كان يلزمه شروط صارمة وموحدة..
المعلم (س ب) هو المكلف دائما بالتموين والحكامة بالمدرسة، وهو صاحب السجل.. ينتقل في كل موسم بين الأقسام ومعه السيدتين (أختي مينة) و(أختي حليمة) لينتقي المستحقين لوجبات المطعم المدرسي..
أن تكون فاقدا للأب، أو أن تكون تحت كفالة معاق، أو إعالة حمّال أو عاطل.. هي المعايير الموحدة للاستفادة من الشعرية بالحليب المُسَال، أو العدس بالمرق الغزير، أو الخبز الحافي والإجاص المصبّر، وفي أحسن الأحوال الخبز مع الطن..
كثيرا ما كنت أتساءل لماذا لا تتعدى الوجبات هذه اللائحة الفقيرة، مع أن قاموس المأكولات يتضمن آلاف الوجبات المفيدة والرخيصة؟
لكن لا أحد أقنعني أو حتى أجابني.. علما أن غالبية المعلمين الذين مررت بفصولهم، كانوا يلوحون إلى رائحة فساد تنبعث من هذا المطعم. ينفثها مدير المدرسة والمعلم المسؤول.. ومنهم من كان يتمنى حصول تسمم جماعي للتلاميذ حتى يفتضح الأمر..
كما اقتنعت أن الغاية التي يرجوها المسؤولون آنذاك خارج دائرة المدرسة هي وجود المطعم وخدمته، والباقي لا يهم؟؟ ولذلك مرت سنوات والمطعم المدرسي على هذا الحال…
يبدأ تدبيره صارما في الأول حتى يظن أن ما يقدم فيه ذا قيمة ويستحق الحرص. فيتم ضبط المستفيدين دخولا وخروجا. ونبقى نحن خارج اللوائح نتفرج عليهم من خلف النوافذ. ونغبطهم على فرحتهم بتلك اللقيمات الوالجة إلى أجوافهم، وغالبا ما يرافقها جلد مبرح من المعلم المكلف بالنظام..
يستمر ذلك لأيام.. لكن سرعان ما يصيب هذه الصرامة شيء من الوهن، خاصة عندما تصبح استفادة بعض أبناء المعلمين والمستخدمين بالمدرسة مكشوفة ويطلع عليها الكل، في خرق سافر لسجل المعلم المكلف. فنستغلها فرصة سانحة، ونتسابق على طاولات الأكل تحت غض الطرف من السيدتين (أختي مينة) و(أختي حليمة) ونستفيد نحن أيضا من الإطعام.. خصوصا اليوم الذي يقدم فيه الخبز والطن..
أحيانا يكشف أمرنا المعلم المكلف، فيجلدنا بسوطه ويبعدنا عن القاعة حزينين مستائين من ميزه وظلمه.. مرددين بأعلى أصواتنا من خلف السور دون أن يرانا أحد ” ولادكم اطعمتوهم وولاد الشعب جوعتوهم… ولادكم اطعمتوهم وولاد الشعب جوعتوهم..
كنا بقدر حبنا للسيدتين (أختي مينة) و(أختي حليمة) لمعاملتهما الطيبة، نكره هذا المعلم المتجبر، الذي ما رأيناه درّس أبدا منذ أن التحقنا بالمدرسة وإلى أن غادرناها.. كان دائم التفرغ، وكان شغله الدائم هو المطعم المدرسي، وتنظيم الحفلات خلال المناسبات الوطنية، والإشراف على الأغراس بحدائق المدرسة.. كان لا يشتري القزبر والمعدنوس والفجل والخس والفلفل وعددا آخر من الخضر التي كان يغرسها بسواعد الأطفال خلف الأقسام..
كثيرا ما تمنينا افتضاحه أمام أحد المفتشين، حتى نشفي غليلنا من تصرفاته. لكن ذلك تأخر لسنوات إلى أن جاء يوم جمع فيه النقود من التلاميذ ليصرفها في حفلة عيد العرش. وحينما وصل الموعد ادعى المرض ولم يحضر. وحينما التحق، ثارت في وجهه معلمتنا للفرنسية، فكان أن رد عليها بعنف غير محسوب، فتطور الأمر إلى مطالب نقابية ومساطر تأديبية.. وانتهت بتواريه عن الساحة…
خلا لنا المطعم المدرسي، كما خلا لنا التقرب من السيدتين الطيبتين (أختي مينة) و(أختي حليمة)، فاكتشفنا أن نصف ما كان يطبخ كان يرمى في القمامة بأمره، حتى لا يوسع دائرة المستفيدين مع أن أغلبهم أبناءٌ للكادحين؟؟؟


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.