“تاريخ العرائش من بداية القرن السادس عشر إلى الاحتلال الإسباني للعرائش سنة 1610” (الحلقة الرابعة عشر)

ثم ينتقل التقرير الى استعراض وجهة نظر القائد العام لقشتالة El Condestable de castilla :

القائد العام لقشتالة El Condestable de castilla يعتبر أن أمر طرد الموريسكيين من الأندلس وغرناطة ومرسية لا يقبل أي خطأ. ومن المناسب أن يحدث أياما عديدة قبل أو بعد مسألة العرائش. وبعد نشر القرار، يرى وجوب تفادي معالجة مسألة العرائش، حتى ينتهي الطرد. وذلك لأن نشر القرار ومباشرة مسألة العرائش في نفس الوقت، إذا ما حدث إيجابيا، وهبّ المغاربة لاستردادها، كما يعتقد أنهم سيفعلون، سيكون من اللازم المبادرة إلى الدفاع والاحتفاظ بالمكان بكل الوسائل المتوفرة، و سيتعذر الاستمرار في الطرد. إذا، ففي حالة الإقدام على أمر العرائش أولا، لن يكون من المناسب نشر القرار، وإذا كان سينشر بعد ذلك سيبقى الوقت لتدبر الأمر. وأمام هذا التردد سيكون من المفيد مراسلة دوق مادينا سيدونيا ومركاش دا شان خارمن لأخذ المسألة بعين الاعتبار والقيام بما سيبدو لهما الأنسب، ويجب كذلك مكاتبة جنرالات سفن القراقير كي يبعثوا إلى ماركاش ذا شان خرمان لائحة رجال الحرب الموجودين لديهم كي يرسل بدوره إلى جلالتكم لائحة بكل الرجال الممكن جمعهم، وكذلك ما يتعلق بالمرتبات والمدفعية والسلاح و الذخيرة والمؤن المتوفرة، وأن يخبر عن الجواب الذي سيصدر من مولاي عبد الله لأبيه، وكذا عما سيأتي به المهندس الذي سيذهب لمعاينة العرائش حتى يتمكن جلالتكم من اتخاذ القرار المناسب بعد اطلاعه على كافة الأمور.

وفي الأخير أعطى دوق إقطاعة الإنفانطاضو، ويقال الإنفانطا لابن الملك برتغالي أو اسباني، رأيه في كيفية تدبير مسألة احتلال العرائش وطرد الموريسكيين حيث قال:

  • دوق إقطاعة ابن الملك El Duque del Infantado إن أهم شيء هو إنهاء العمل الذي تم الشروع فيه بخصوص الطرد. وهو يعتبر جدوى هذه المسالة إلى درجة أنه لو خير بين هذا وبين مسألة العرائش سيختار ما تعلق بالطرد وهو في هذا يرى أن نشر القرار يجب أن يتم حالا. وهذا في اعتقاده كافيا لصرف نظرهم عن تلك القاعدة. لأنهم سيفهمون أن جلالتكم لن يقحم نفسه في تلك المسألة أوغيرها حتى ينتهي من طرد الموريسكيين من كل هذه الممالك. فبعد الفراغ من عملية الطرد من الأندلس وغرناطة ومرسية، سيمكن آنذاك التوجه نحو ما يتعلق بالعرائش بكل ما سيكون قد هيئ له، وذلك إذا كان الوضع في تلك القاعدة قد تبين أنه مناسب وفي انتظار ذلك ليس من الضروري أن ينتقل مولاي الشيخ من المكان الذي يوجد فيه كما لا يجد أن تبعث له المستعجلات موقعة بالخط الملكي لجلالتكم. وهو كان يعتبر دائما أن ابنه لن يستقبله ولن يطيعه، وفي ما تبقى من الأمور يتفق مع ما قيل.

وينتهي التقرير بعبارة وجلالتكم سيأمر بالنظر وإصدار ما تفضل به“.

انتهى التقرير

Iلماذا مدينة العرائش لا تعتبر مدينة أندلسية موريسكية؟

إن هذا التقرير يطلعنا على كثير من الأمور التي حدثت في سياق أجواء التحضير لاحتلال العرائش، فهناك أولا الحركة الاستخباراتية و الجاسوسية النشطة التي كانت تعمل في مدينة العرائش، وتوضح لنا السبل التي اعتمدتها الدولة الاسبانية في احتلالها للثغور المغربية والكيفيات التي كان يتم بها التنسيق بين العملاء وقيادهم ورؤسائهم على الأراضي المغربية.

وكذلك يشير التقرير إلى الإشكالات التي بقيت عالقة بين الشيخ المامون و ابنه عبد الله وعدم اتفاقهما على مجموعة من الأمور الخاصة بتفاصيل التعاون مع الإسبان. كما يخبرنا التقرير عن الأجواء التي رافقت طرد الموريسكيين والتخوفات التي كانت سائدة في الداخل الاسباني.

كما أن التقرير يجيبنا عن سؤال لماذا لم يستقر الموريسكيون والأندلسيون بالعرائش، حيث لا تعتبر العرائش مدينة أندلسية على غرار مدينة تطوان وشفشاون وسلا والرباط، رغم أنها من المدن الاستراتيجية التي كان من الممكن أن تستقبل أعدادا وفيرة منهم لقربها من إسبانيا وتوفرها على مرفأ من أجود الموانئ المغربية حينها.

فاحتلال العرائش كان في شهر مارس وطرد الموريسكيين كان في شهر دجنبر، أي بين العمليتين 4 أشهر فقط، وعملية إصرار اسبانيا على احتلال العرائش كانت معروفة لدى عموم المغاربة والموريسكيين، حيث نفهم ذلك من خلال هذا التقرير. فلم يعمل الموريسكيون المطرودون من الأندلس من التوجه إلى العرائش، وحتى إن افترضنا توجه بعض الأسر إلى مدينة العرائش، فأنهم طردوا منها مع بقية السكان حين تم تسليمها للإسبان. لذا، لم تعرف العرائش استقرارا لعائلات موريسكية ولم يتم بالتالي استنبات ثقافة أندلسية خاصة بالمدينة إلا بعد التحرير بقرن من الزمن مع إنشاء بعض المعالم التاريخية بالمدينة المحاذية لتلك التي خلفها الاستعمار الاسباني الأول من طرف السلطان مولاي محمد بن عبد الله ،فيظن عدم العارف بتفاصيل تاريخ العرائش آن هذه البنايات و المنشآت هي بسبب وجود استقرار سكاني أندلسي بالعرائش، إلا أن العرائش لم تعرف بتاتا أي استقرار لعائلات أندلسية عريقة بها.

وفي تفاصيل استيطان وتعمير العرائش بعد أن حررها السلطان مولاي إسماعيل، يشير خالد الناصري في كتابه الاستقصا إلى مجموعات قبلية مغربية لا علاقة لها بالأندلس حيث قال وأسكن السلطان رحمه الله أي المولى إسماعيلأهل الريف العرائش، وأمر قائدهم أن يبني بها مسجدين وحماما ويبني داره بقلعتها، وغنيٌّ عن الذكر أن السلطان لا يمكن أن لا يترك حامية عسكرية مكونة أساسا من جيش البخاري باعتباره النواة الصلبة الأساسية للجيش الإسماعيلي حذرا وحيطة من أي عملية انتقامية إسبانية عسكرية، خصوصا وأن السلطان اعتبر سكان العرائش الإسبان بعد الفتح أسرى في حين دافعوا أن فتح العرائش تم على شروط وأنهم ما أسلموا أنفسهم حتى شرطوا شروطا معتبرة وادعوا أن فتح العرائش كان صلحا و تأمينا لا عنوة، المهم أن النواة السكانية الأولى للعرائش تشكلت أساسا من أهل الريف وحامية عسكرية من جيش البخاري. وستبقى العرائش منذ تحريرها وبعد فتنة الثلاثين سنة بعد وفاة السلطان مولاي إسماعيل فارغة إلا قليلا من سكانها حيث قال الناصري خلال حديثه عن دخول السلطان سيدي محمد بن عبد الله إلى العرائش سنة 1101 هـ ثم سار السلطان رحمه الله إلى العرائش فألفاها خالية ليس بها إلا نحو المائتين من أهل الريف تحت كنف أهل الغرب، فولى عليهم عبد السلام بن علي وعدي ثم أنزل بها مائة من عبيد مكناسة، مما يبين التراجع الديمغرافي الكبير الذي تعرضت له العرائش، وكذا يبين هذا المقتطف من كتاب الاستقصا أن إجراءات سيدي محمد بن عبد الله ستدعم و تعزز وجود العنصر الإفريقي بمدينة العرائش إلى جانب أهل الريف ولكن بأرجحية عددية افريقية.

ثم كانت سنة 1189 التي كانت فيها فتنة العبيد مع السلطان سيدي محمد بن عبد الله وخروجهم عنه، فقام هذا الأخير بعد ضرب شوكتهم بإرسال فوج كبير منهم إلى العرائش، وبعد أن استسلموا للسلطان أقام السلطان بمكناسة يدبر أمرهم إلى أن فرقهم على الثغور وأرسل منهم رحيين إلى طنجة ورحيين إلى العرائش ورحى إلى رباط الفتح وقصد بتفرقتهم دفع غائلتهم وتوهين عصبيتهم“. ولم نعرف بالضبط عدد الرحى الواحد إلا أنه من خلال قراءاتنا لأحداث المغرب من خلال الناصري يتبين أن الرحى الواحد يفوق الألف. وقد وصل عدد عسكر العرائش على عهد سيدي محمد بن عبد الله بالعرائش إلى ألف وخمسمائة بين جيش و طبجية الطبجية هم العسكر المكلفون بالمدفعية وبحرية. وقد أردنا أن نتتبع البنية الديمغرافية السكانية لمدينة العرائش في سياق بحثنا عن هوية العرائش وعن مجموعة من عادات العرائش السوسيولوجية والفنية والثقافية بالمدينة ..ولنا عودة للموضوع في مقالات لاحقة.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.