العرائش نيوز:
عبارة لازمت سمعي دوما خلال يوميات صباي.. كانت أذني تلغي بالفطرة كل ما يدور حولها من أصوات، وتُمعن الإصغاء إلى صاحبها كلما رنّ المنبه السابق لصوته..
“عند الإشارة تكون الساعة، السادسة صباحا وتسعة وخمسون دقيقة وخمسون ثانية.. عند الإشارة تكون الساعة: السابعة صباحا..”
تابعت عددا من الإذاعات العربية والدولية لزمن غير قصير ولا زلت.. لكن، مثل هذا الفاصل الذي ينبه إلى التوقيت عند كل ساعة، وعند أوان مواعد الآذان للصلاة، لم أجده إلا في إذاعة المملكة المغربية بالرباط.
كنت أعتقد أن صاحب هذا الصوت المثير، الذي يذيع هذه العبارة الفريدة ومعها الساعة حسب توقيت غرينيتش، هو أقدم موظف في هذه الإذاعة، وأكثر المذيعين حضورا في مقر العمل.. جالس وراء الميكروفون على الدوام وكلما تلقى الأوامر بإعلان الساعة ينظر إلى ساعة “دوغما” الموجودة في يده ثم يشعل الميكروفون ويعلن الساعة.. وكان ذلك يشكل لدي إشكالا مستمرا، لا أجد له جوابا حول حياته العادية.. هل هي مثل حياة باقي المذيعين أمثاله؟ أم هي مختلفة عنهم، ما داموا هم يحضرون ويغادرون، وهو قابع لا يتحرك من خلف الميكروفون؟
علاقتي بهذا الصوت وبغيره من الأصوات الصادرة عن إذاعة الرباط كرشيد الصباحي ومحمد أبو الصواب وفؤاد آيت القايد وأحمد عكا ولطيفة القاضي وامحمد كديرة وامحمد العزاوي والسيدة ليلى واسمهان عمور وغيرهم.. بدأت منذ أن أهداني والدي مذياعه المغلف بالجلد، بعدما اقتنى لنفسه آخر جديدا تصل موجاته إلى القسم العربي بصوت لندن، حينما لم تعد تشفي غليله الأخبار الشحيحة الصادرة من زنقة البريهي عند اشتعال حرب الخليج الثانية… ومن ثم وأنا مواظب على تتبع العديد من البرامج، حتى وإن كنت لا أستسيغ عددا من تفاصيلها. ويثقل عليّ فهم الكثير من مغازيها..
بقيتُ مدة طويلة سعيدا بهدية والدي.. فرغم قدمها وترهل قطعها.. هي من ربطني بمؤنسٍ لطالما احتقرت وجوده ودوره أمام برامج وفقرات التلفزة. وسدّت فراغا كبيرا في علاقتي بمجال السمعي البصري آنذاك.. فبفضل هذا المذياع حصدت كمّا هائلا من المعارف العامة، وتدرجت في الاستماع من العام إلى الخاص حتى أحببت ” ندوة المستمعين” و” البرنامج الأدبي ” في سكون الليل”، ولم أعد مقتصرا على سهرة “سمير الليل” وبرنامج “الأحد الرياضي” و” قالوا زمان” و” هل تعلم” وغير ذلك من المسلسلات التاريخية والاجتماعية…
كانت برامج التلفزة التي لا يتعدى وقت إذاعتها ست ساعات، لا تحقق حاجتي من المتعة إذا ما استثنيت الرسوم المتحركة وبرنامج العالم الرياضي، والنشرة الجوية حينما يقدمها الفنان عزيز الفاضلي.. حتى المسلسلات والأفلام التي تقدمها فيروز الكرواني وغيرها من مقدمات البرامج اللواتي كن يظهرن بالقفطان المغربي بين الفقرات وإلى جوارهن طوق الورد، ويصفنها بالعربية، ظللتُ حينا من الزمن لا أفهم من عربيتها إلا القليل من الكلمات، واختلطت عليّ فيها لغة الضاد بالسيارة، بعدما اكتشفت أن المصريين يطلقون على هذه الأخيرة اسم العربية. هذا ناهيك عن كلام مثل (بارضو وازّيك وكَدع وضنايا وبس وعايز وأوضة وكده وآوي…) التي لا زلت أجد صعوبة في تفسيرها إلى الآن…
سررت حينما أُعلِن عن موسم للفيلم المغربي ضمن ما كان يقدمه السيد علي حسن من أفلام دولية في برنامجه “سينما” وقلت: لعلّي أجد في سينما المغاربة ما لم أجده عند المصريين من متعة.. لكن حينما تابعت بشغف أفلام ” القنفودي” و” جزيرة الشاكرباكربن” و”إبراهيم ياش” صدمت من مستواها وقاطعت السينما المغربية ولم اعد لمشاهدتها إلا مع فيلم محمد الشريف الطريبق ” بالكون اطلنتيكو”..
التجأت إلى المذياع وشغلت به مساحة محترمة من وقتي خلال اليوم.. في البدء اقتصرت على ما يبث في إذاعة الرباط من برامج تناسب ذوقي وسني، كالمسلسلات التمثيلية المغربية منها والعربية.. وصرت مدمنا على متابعتها حتى وإن تأخر وقت إذاعتها كمسلسلي “سيف ذو يزن” و” ألف ليلة وليلة” للمبدع محمد حسن الجندي، اللذين كانا لا يذاعا إلا بعد النشرة الأخيرة. ثم شرعت في توسيع زمن الاستماع إلى أن صار يشمل عددا من البرامج التي تشق على العديد من أقراني من الأطفال.. ثم بعد ذلك، مع حصولي على مذياع آخر من عشر موجات، بعد التفوق الذي حصّلته في الدورة الأخيرة بمستوى الثالثة إعدادي. شرعت في اكتشاف إذاعات أخرى، تنقلت بين برامجها، واستمتعت بفقراتها كإذاعة طنجة وإذاعة لندن وميدي1…
تعرفت على عدد كبير من الأصوات. وكنت أرسم لأصحابها صورا مختلفة عن حقيقتها.. وحتى إذا ما أتيحت لي فرصة رؤيتهم بعد مدة، لم أصدق أنهم هم أصحاب تلك الأصوات التي تعلقت بعدد منها حبّا أو كرها وقلت في نفسي: صدق المثل العربي “أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه “
