قفشات من صخب الصِّبا: “الزرمومية”

العرائش نيوز:

حينما كنا صغارا وكانت الشيطنة هي أسلوبنا الغالب في اللعب، كنا نطلق هذا الاسم على إحدى صديقاتنا التي لا يحلو لها اللعب إلا مع الذكور.. كانت تحنق لسماعه وتتضارب بكل ما أوتيت من عنف مع كل من ناداها بهكذا لقب، حتى وإن كانت مسلمة بهزيمتها أمامه.
الزرمومية هي زاحفة غريبة الشكل والحركة.. لست أدري وجه الشبه الذي جعل من لقّب هذه الصديقة أول مرة أن يختار لها هذا اللقب، وجعلنا نقتفي أثره ونلصقه بها حتى غلب على اسمها، الذي لم يكن غير “زينب”. وهو بالمناسبة من أحسن الأسماء..
قالت لي جدتي في إحدى رواياتها المتواترة عن أسلافها: إن الزرمومية هي من تتولى سقاية موتانا حينما ننساهم في وحشة مدافنهم، ولذلك كنت أحترمها، ولا أؤذيها تقديرا لهذا العمل الجليل الذي كرّست نفسها لأدائه.. غير أني كنت أسعد حينما كان يتفضل أحدنا ويكتب على بطنها اسم المعلم الذي نكرهه التماسا لتغيبه عن حصته خلال سنوات الجمر بالمدرسة.. وهي من التعويذات الجديرة التي تعلمناها من أصدقائنا الكسالى إلى جانب “الفكيكة ” وهي عقدة نعقدها في طرف ملابسنا ونتوسل إليها لتفكنا من عقوبات معلمينا التي لا مفر منها إذا ما أخطأنا الحفظ أو التلاوة..
ذات يوم، وأنا ألعب في باحة الحي، لاحت أمامي واحدة من هذه السحليات. وكانت تأخذ حمامها الشمسي فوق سور قديم. وفي غفلة مني، نسيت احترامي لها وتقديري لأعمالها وانجررت مع أترابي إلى التسابق في رجمها وإسقاطها.. وبينما أنا أهم بإطلاق أول راجمة لي عليها وكانت قطعة من بقايا البناء، فإذا بعقرب أصفر كان معششا فيها ينقض عليّ ويطلق سمومه في كفّي ويتركني في حالة تستدعي التدخل العاجل لإنقاذ حياتي.. من حسن حظي أن هذا العقرب لم يكن قاتلا، وأن جارتنا ” أمي فاطنة” كانت عيساوية الطريقة، وكانت تعرف سبل الإنقاذ من مثل هذه العضّات، وهي من تكفلت بجرح عدة مواضع في يدي ومص الدماء المسمومة منها وسط توسلات مسترسلة بصاحب طريقتها “الشيخ الكامل”..
مرت الأيام ونسيت كل ما يمت بصلة إلى هذه السحلية العجيبة..
وبعد سنوات، وجدت نفسي في قسم العظام بإحدى المصحات الخاصة إثر تعرضي لكسر مزدوج في يدي. وكانت صديقة طفولتنا الدكتورة زينب هي من سيجبر هذا الكسر. وبينما هي تعقم ذراعي قبل أن تحيطه بالجبيرة، فإذا بعينها تتفحص أثرا قديما لأسنانها كانت قد غرستها في طرف ذراعي في أحد شجاراتي معها فقلت لها: أتذكرين هذا العضة؟
فقالت بعد ابتسامة عريضة: احمد الله إذ لم أطبعها لك آنذاك في خدك…
قلت: ولماذا كل هذه الشدّة؟؟
قالت: لتعلم كم كانت تستفزني وأنا صغيرة كلمة الزرمومية..
ضحكنا وضحك الطاقم الطبي المرافق كله…


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.