“تاريخ العرائش من بداية القرن السادس عشر إلى الاحتلال الإسباني للعرائش سنة 1610” (الحلقة التاسعة عشر)
الجنويين بالعرائش: تاريخ إيطاليا المنسي
إن تاريخ العرائش الحديث جد مبهم ولازال يحتاج منا لسبر أغواره من خلال تعدد مداخل مقارباته، فقد بقي المؤرخون المعاصرون للمدينة حبيسي التتابع الكرونولوجي للأحداث التي ميزت مسار تاريخ العرائش الحديث دون الانكباب حول قضايا منفصلة، ككتابة تاريخ الجاليات الأجنبية بمدينة العرائش، وسأحاول من خلال هذا المقال أن أقترح محاولة لكتابة تاريخ المدينة من خلال التأريخ لإحدى أهم الجاليات التي استقرت بالعرائش وكان لها مقام وبرج وتجارة و استقرار بها، وأقصد هنا الجالية الإيطالية الجنوية.

استقر الجنويون بالعرائش منذ أوائل القرن السادس عشر، وكانت لهم دار خاصة على حصن على مصب نهر اللوكوس، تحدث عنها عدد من الرحالة مثل صاحب الإسميرالدو الشهير، وكانت تقع على الجانب الجنوبي الغربي من المصب، وكانت بسبب بياضها الشديد تشبه شراع السفينة. وتبدو الخرائط الإسبانية والبرتغالية التي تم إحداثها لموقع العرائش وتحصيناته لا تخلو من الإشارة إلى برج يوجد في الجنوب الغربي للمدينة قريب منها ومستقل عنها يشار إليه ببرج الجنويين.

وعندما نحاول أن نستكشف الوجود الإيطالي ممثلا في إمارة جنوة بالعرائش نجد عدة إشارات، فبالإضافة إلى وجود برج باسمهم بالعرائش، فلا تخلو العديد من الإشارات التاريخية إلى تواجدهم بالعرائش ونشاطهم المتواصل منذ نهاية القرن الخامس عشر إلى بداية القرن السابع عشر. ويشير الدكتور عثمان المنصوري في كتابه: “التجارة بالمغرب في القرن السادس عشر“، مساهمة في تاريخ المغرب الاقتصادي، منشورات كلية الآداب بالرباط، الطبعة الأولى .ص 210 إلى أنه “كان للتجار الجنويين وكالات في أصيلا والعرائش وسلا “.

وكانت تجارتهم رائجة بالعرائش ولعبوا دور الوسيط التجاري مع باقي الأجناس بالمدينة، كما قاموا بإحداث وكالات لهم يتكلف بها أشخاص يدعون بـ “الفيطورات“، حيث نجد أن هؤلاء الفيطورات شملوا كل المراكز التي تواجد بها نشاط تجاري للجنويين حيث قام هؤلاء بأنشطة متعددة وتحكموا في الصادرات الموجهة نحو السوق الأوروبية وقد منع أحد الفيطورات بالعرائش بمصادرة القمح الذي كان بعض التجار البرتغاليين يتهيؤون لشحنه لحسابهم الخاص نظرا لكونه الوحيد المخول والذي له أحقية تصديره للبرتغال.
