“تاريخ العرائش من بداية القرن السادس عشر إلى الاحتلال الإسباني للعرائش سنة 1610” (الحلقة الواحدة والعشرون)
الجنويين بالعرائش: تاريخ إيطاليا المنسي (III)
ويبدو أن الإقامة الجنويىة بالعرائش لم تكن تجارية فقط بل كان الاستقرار على مستوى العائلات، حيث مارسوا مهنا مختلفة وأنشطة اقتصادية متنوعة مما يبرر وجود برج يحتوي على كل مستلزمات الحياة الأسرية. من كنيسة والانشطة الاقتصادية التي تتطلب الاستقرار كما هو حال سومرجو توماس الذي استقر بالعرائش وبالإضافة إلى كونه كان تاجرا متمرسا بقضايا السوق المغربية، فقد مارس الصيد وكان يملك مصيدة بالعرائش. ويوجد العديد من الجنويين الآخرين الذين اشتغلوا بالصيد بالعرائش مما يبين أن الوجود الإيطالي بالعرائش كان كبيرا، كما لعب الجنوي “جيانيتينو مرورتارا” دورا مهما في قضية تسليم العرائش للإسبان، فبعدما فكرت إسبانيا في الحصول على العرائش دون حرب، كلفت أحد المغامرين، وكان اسمه (جيانيتينو مورتارا )، وهو أحد نبلاء جنوة، اتصل بالملك محمد الشيخ المامون عندما عرض عليه شراء مجموعة من نفائس المجوهرات سنة 1605، وقامت بين الاثنين صداقة، إذ حمله الشيخ المامون رسالة بتاريخ 24 ابريل 1608 لملك إسبانيا يعرض فيها استعداده للتنازل عن العرائش مقابل ما قد يتلقاه من المساعدة العسكرية في صراعه على العرش ضد إخوته، فقامت إسبانيا بتوظيف هذا التاجر لصالحها، وكلفته بتمثيلها في فاس فأصبح عميلا لإسبانيا في البلاط الماموني، وقد اعتمد مورتارا لتسهيل حصول إسبانيا على العرائش طريقتين: الأولى اقناع المامون بضرورة التنازل عن العرائش مع إيهامه بعدم رغبة إسبانيا في استعمال القوة لاحتلالها ليضمن عدم تحصين العرائش وزيادة الحاميات بها. وبالمقابل ألح على إسبانيا في استعمال القوة اعتبارا لتردد المامون وسهولة العملية العسكرية بناء على ما كان يدبجه في تقاريره إلى إسبانيا من وصف لتجهيزات المدينة الدفاعية الغير مجدية والمهترئة. إن وجود مورتارا جيانيتو بالعرائش وقيامه بنشاط استخباراتي لصالح الملك الإسباني يبين مدى حرية الحركة التي تمتع بها الجنويون بالعرائش ومدى معرفتهم بخباياها العسكرية أيضا.

إن تنويع مداخل دراستنا لتاريخ العرائش سيفيدنا أكثر في استجلاء الغموض الذي يكتنف بعض الفترات التي بقيت مبهمة أو منغلقة على الباحث. وخصوصا تاريخ الجاليات التي أقامت بالعرائش وهو مدخل ذو إفادة جد مهمة وذات منفعة لإعادة كتابة تاريخ العرائش.

