قفشات من صخب الصبا: وداعا رمضان..

العرائش نيوز:

إنها ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر..
هذه الليلة المباركة هي جوازنا المختوم، ومدخلنا المشرع إلى المسجد المحتكر دوما من عصبة الشيوخ.. هي الموعد الوحيد الذي كنا نلج فيه أبوابه دون أن ينهرنا أحد، أو يحتقر عبادتنا أحد، أو يدعي أحد أننا نفسد صلاة الكبار بحضورنا.. نسهر فيه إلى الفجر ولا يسألنا أحد عن آبائنا لماذا هم غائبون.. نصلي كما نعلم ولا يصرفنا عن ذلك أحد، نقلب أوراق المصاحف ولا ينتزعها منا مدّع للوصاية عليها، نقلد التمتمة بالذكر ولا نحس منهم بهزء.. لعل الله كبّل عفاريتهم، أو لعل مساهمة بيوتنا في العشاء المقام بالمسجد أوسعت مساحة صبرهم علينا فصاروا أقرب إلى الوداعة معنا..
تنقضي الليلة بصلاتها وقيامها، ذكرها ودعائها، مرقها وكسكسها، غياطها ونفارها.. ولا ندري هل فتحت السماء على لونها الأخضر، وضرب سيدي اقْدَر على أحد المحظوظين أم لا.. كثيرات هن من يظللن متربصات لهذه اللحظة، حتى يطلبن حاجاتهن المُجابة في الحين، وكثيرون كذلك.. كان يقال لنا: إن الواحد منا إذا ما صودف وضرب عليه سيدي اقْدر فلا يتردد في الدعاء، وليطلب ما يشاء شرط أن لا يخطئ في القول، حتى لا يقع له ما وقع للفتاة الصلعاء التي ظلت تترقب اللحظة المعجزة، ولما أدركتها وفُتحت في وجهها باب السماء خافت وارتبكت، وعوض أن تتلفظ بما كانت تمني به النفس: (يا سيدي اقْدَر اعطيني الشعر) أخطأت وقالت: (يا سيدي اقدر اعطيني السعر).. فأضاعت المسكينة الفرصة السانحة، بعد أن كانت على وشك الظفر بسالف كسوالف الحوريات، وابتليت بما طلبت وكان داء الكَلَب..
في البيت، تسود روائح البخور، ويطغى الانشغال بالدجاج البلدي وأقراص الرزيزة المتعبة، الخاصة بعوائد الليلة المستمرة.. والتي لا تنتهي إلا بطلوع الفجر..
ومن حيث ينتهي ذلك، يبدأ التهييئ للخروج من الشهر الكريم.. ما بقي من أيامه بعد الليلة المباركة. تصبح صعبة الصيام بالنسبة إلينا. وغالبا ما نُصَبِّحُ فيها على الخبز المفروق والزبدة الهولندية، وغير ذلك من سِقْط الفطور، كبقايا الشباكية والكرموس الفاضلة من الأمس ولا يلتفت إلينا أحد؛ فليلة القدر التي أحييناها وأدينا طقوسها أعفتنا من الصوم، ومنحتنا الكفاية من الثواب..
الكل يتأهب لهذه الاستعدادات التي لا تغلق قائمتها إلا رغما عن الجميع عند طلوع فجر العيد.. كل النساء يتمنين لو يطول رمضان ليوم أو يومين آخرين..
مهامي المنتدبة خلال هذه الأيام كثيرة ومحفوظة، غير أنها لا تخرج عن السخرة التي أؤديها بكل حماس وأريحية، ما دمت سأحصل من ورائها على ملابس جديدة وجوائز مالية تكفيني لقضاء يوم العيد وأنا في أعلى درجات السعادة.. وتبدأ بالسخرة للحلوى.. مواد إعدادها أنا من يأتي بها من عند بقال الحي.. مكوناتها محفورة بالذاكرة.. دقيق وزيت وزبدة وسكر وبيض وخمارات وبانيات وليمون محكوك.. حلوى العيد كانت غريبية من البيض، وغريبية من الزيت والسكر، وبشكيطو، وفي أحوال البدخ حلوى الكوكو أو الكاوكاو.. لكنها كانت شهية ولذيذة، ونداوم على سرقتها من فوق الدولاب طيلة الأيام التي تعقب العيد.. عندما يتم إعدادها أحملها ذهابا وإيابا إلى الفرن وأنا أحْرَصُ الناس عليها من التلف أو النشل..
مكيال الفطرة أو “السنّي” هو أهم سخرة أنجزها قبل العيد. أستقدمه من بيت خالتي قبل أن يضيع بين كثرة طالبيه ومستعمليه حتى نكيل به الزكاة الواجبة للفطر، في البدأ كنت أساعد والدي في ذلك، لكن مع حذاقتي في ضبط الوزن صرت أنا من يتكفل بهذه العملية رغم أنني كنت دائما أرتعب من “التقليد” الذي يمكن أن يطالني إذا لم أوفي الكيل وأكن من الصالحين.. ولذلك بعد الانتهاء من الحساب أضيف سنيين أو ثلاثة إلى كيس الزكاة حتى أضمن القسطاس المستقيم.. أصحاب زكاتنا أو بالأحرى صاحباتها أعرفهن واحدة واحدة، والدتي منذ وعيت وهي تقدم النساء على الرجال في صدقاتها.. (السيدة اسعيدة، والسيدة ازهيرو، والسيدة خيرة، والسيدة فاطنة المورعية والسيدة فاطنة الزنبيلية، وغيرهن…) هن من كنت أطرق أبوابهن فجر العيد، وأسلمهن حظهن من فطرتنا.. كنّ يستقبلنني بحفاوة ويمطرنني بدعواتهن وصلواتهن، ومنهن من كانت تسألني عن نتائجي في المدرسة، ولما أخبرها تسعد وتمنحني بسيطة أو بسيطتين وتلحّ عليّ بالقبول.. عجائز وحيدات عشن وسط الحي مسكينات، لكنهن متعففات وكريمات..
قبل العيد؛ ليس الحمام فقط من يشهد زحامنا كما في ليلة حلول رمضان؛ بل الحلاق أيضا، الحلاقة والاستحمام طقسان لا محيد عنهما ليلة العيد.. حلاق الحي الذي شطّب على طريفة البلدية المعلقة تحت رخصة العمل، وخطّ تحتها تعريفته المخفضة ليشعر الزبائن أنه قانع ومتضامن، يقضي امتحانا عسيرا في التحمل خلال تلك الليلة من كثرة الوقوف وغزارة العمل. لم يكن لديه كما اليوم آلة للحلاقة تساعده على الإسراع في جز شعرنا الذي لا يعرف الغسل إلا عند الذهاب إلى حمام الحي، وغالبا ما يتم بصابون حجرة أو في أحسن الأحوال بشمبوان(Dop)؛ فمعظم عمله يؤديه بالمقص والمشط وشفرة الحلاقة التي لا يستبدلها إلا عندما يحس أنها لم تعد تعمل، وأحيانا الآلة اليدوية التي تحلق وتعضّ في نفس الآن. في بعض المرّات كنت أصحب والدي إلى حلّاقِه الشخصي بشارع الصدر الأعظم، خاصة عندما أكون قد قمت بعملية فرز وتنقية جذرية لجنبات شعري مما يعلق به من حين لآخر من هيبوش وصئبان، حتى لا أحرج والدي أمام صديقه في صالونه العتيق، الذي لطالما أعجبت بحسنه وترتيبه، وظفرت فيه بحلاقة ناعمة من الأنيق “با ادريس” وبخّةٍ وافية من قوارير عطره الفستقية فائحة الرائحة…
نصبح يوم العيد مغايرين لما كنا عليه في غيره من الأيام.. محلقين، مستحمين، لابسين الجديد، وأيضا أغنياء.! ولا ينقصنا سوى صرف ما اجتمع في جيوبنا من هدايا العائلة.. وباستثناء ما وقع لي ذات مرة مع المقامر “خربوش” صاحب لعبة الخيط الخادع، الخاسر في التجربة والرابح دوما في الجد، قرب باب الكنيسة الخلفي حيث عوى عليّ ذئبه وغدرني في نصف ثروتي؛ فمخطط الصرف معروف لدي ومعظمه يتراوح بين واجبات السينما، وحصتها ثمن فيلمين بقاعتين مختلفين، ثم وجبة سريعة مع مشروب غازي، إضافة إلى سلة مختلطة من الزريعة والحمص والكاوكاو المحلى.. فضلا عن قطعة من الشامية وأخرى من الكالينتي إذا ما وجدا بعد مشاهدة الفيلم الثاني، وبذلك أكمل صرف مالي وإدراك سعادتي.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.