“تاريخ العرائش من بداية القرن السادس عشر إلى الاحتلال الإسباني للعرائش سنة 1610” (الحلقة الرابعة والعشرون – ما قبل الأخيرة- )

العرائش تحت الاحتلال الإسباني خلال القرن السابع عشر (II)

ففي كتاب “الخبرعن ظهور الفقيه العياشي بهذه البلاد وذكر سبب قيامه بوظيفة الجهاد” لمؤلفه الفقيه عبد القادر بن محمد بن أحمد بن الحسن أبو إملاق عاش بعد منتصف القرن الماضي، قام بتحقيقه الأستاذ عبد اللطيف الشاذلي يتحدث عن محاصرة العرائش الأولى من قبل المجاهد العياشي بتاريخ 18/2/1631 موافق 16 رجب 1040 قال: فيها “كان سيدي محمد العياشي صرف همته للتضييق على نصارى العرائش، وشن عليهم الغارات وكمن لهم بالمسلمين في الغابة نحوا من ستة أو سبعة أيام، فخرجوا بغثة إلى مشاربهم، فقام معهم بالمسلمين وأحاطوا بهم من كل جانب، ومكن الله له ولمن معه من المسلمين من رقابهم فلم يفلت منهم أحد في ساعة واحدة طحنوهم طحن الحصيد”. وهذا ما يبين أن مدينة العرائش صارت مفصولة، بل مقطوعة عن محيطها بسبب الحصار الذي فرض عليها، ويذكر نفس المؤلف رسالة بعثها المجاهد سيدي العياشي إلى السلطان الوليد بن زيدان بمراكش، إذ كان السلطان المذكور في أول ولايته كتب للسيد محمد العياشي يؤكد عليه أن يعلمه بحال ثغر العرائش، و يستفهمه عن أحواله فأجاب سيدي محمد العياشي عن ذلك ونص المحتاج إليه هنا: وقد أشار الكتاب الأسمى إلى تعرف حال هذا الثغر ومن به من أهل الكفر، فالعلم أنهم قد زادوا في البناء وصرفوا إلى تحصينه وجه الاعتناء وقد كتب الله سبحانه وتعالى في أواسط رجب، غزوة أسفر فيها وجه الإسلام مشرق الجبين، متهلل الصفحات بالنصر المبين خرج من ثغر العرائش ما يزيد عن 500 كافر فما أفلت منهم أحد ولا رجع منهم راجع الى ذلك البلد”.

تبين هذه العملية العسكرية الناجحة للمجاهد العياشي التكتيك العسكري الذي استعمله هذا المجاهد، وتبين عملية العرائش الشكل النموذجي لعمليات المقاومة المغربية وتتحقق فيها الكثير من وجوه التكتيك العسكري المغربي، فبعد الاستنفار للجهاد تجتمع العناصر المجاهدة من مختلف القبائل في غابة قريبا من العرائش، وتكمن هناك حوالي الأسبوع انتظارا لفرصة تنتهز في العدو، و تسنح الفرصة فعلا عندما يخرج من العرائش بعض سكانها الإسبان فيحيط بهم المغاربة من كل جانب، إلا أن عدد القتلى الذين قتلوا في هذه المعركة يبين حجم الحامية العسكرية الكبيرة التي كانت تحرص مدينة العرائش على عهد الاحتلال الاسباني.

وتبين الحملة العسكرية الثانية للعياشي التي نظمها في  مارس 1631 موافق شعبان 1040 حيث قال صاحب “نزهة الحادي” ووقع له، أي سيدي محمد العياشي، أيضا مع نصارى العرائش غزوة كبرى، وذلك أنه أخذ حناشا من عرب الخلط اطليق يقال له ابن عبود، فارأد قتله فقال له: يا سيدي استبقيني فأنا أنفع المسلمين وأنا تائب إلى الله عز وجل، فتركه وذهب إليهم وكان موثوقا به عندهم – أي عند نصارى العرائش – حتى أنهم كانوا يؤدون له خراج ذلك – اي مرتبه عن وظيفة الحناش – فقال لهم – أي قال للنصارى – إن إحياء العرب قد نزلت بوادي العرائش، فلو أغرتم عليهم على غفلة لغنمتموهم.

فاستعدوا وخرجوا مبادرين مكثرين، وكان سيدي محمد العياشي مع المسلمين مكمنين لهم، فما شعروا إلا وقد أحاط بهم سيدي محمد العياشي ومن معه من المسلمين فلم ينج منهم أحد، وكانوا نحو اثنتي عشر مائة، فأخرجوا ابن عبود المذكور، وكان بقي عندهم وفي أيديهم فقلعوا أسنانه و مثلوا به وراموا قتله لولا أنه قد رفعهم إلى شرعهم فسرحوه”. ويبين عدد القتلى في هذه المعركة أيضا حجم الحامية العسكرية المهمة التي كانت تحرس مدينة العرائش.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.