العرائش نيوز:
بقلم: عزيز قنجاع
حاول الرحالون الغربيون من خلال رحلاتهم إلى تسجيل العديد من الظواهر الاجتماعية والسياسية والديمغرافية لمغرب القرن التاسع عشر، وتحت مطالب استعمارية وتنافسية بين الدول الأوروبية، سيقدم الرحالة مجموعة من التقارير المحفزة لاحتلال المغرب.
كما قاموا بدراسة المظاهر الغرائبية المتصلة بالمغرب والواردة في مؤلفاتهم حين زيارتهم للمغرب أو إقامتهم فيه لبعض الوقت. وينتمي هؤلاء الرحالة إلى فئات جد متنوعة تتّسع لتشمل السفراء والقناصل ورجال الدين والعبيد والضباط والجنود والمستكشفين والجغرافيين والتجار والموظفين والأدباء والصحفيين والسياح.. كما أن مؤلفاتهم هي كذلك جد متباينة وتتنوع بين الأخبار التوثيقية والمقالات التصويرية والذكريات والمراسلات وكراسات الأسفار والتحقيقات واليوميات إلخ…وتنتسب جميع هذه الكتابات، الجد مختلفة شكلا ومضمونا، والتي تتوزعها الانطباعات السريعة لمسافر عابر، والروايات الموضوعية الناجمة عن إقامة طويلة في البلد، إلى عنوان عام هو «أدب الرحلة”.

سأحاول في هذه الورقة البسيطة الحديث عن الرحلات التي شهدتها مدينة العرائش والتي كانت كثيفة خلال القرن التاسع عشر، وعن أهم الملاحظات المسجلة والتي تفيد لا محالة البحث التاريخي و تمده بمادة دسمة في موضوع معرفة أحوال المدينة العمرانية والاقتصادية و الديمغرافية.
وتدهشك حدود المنافسة الشرسة بين الرّحالة الإخباريين في تقديم أدق التفاصيل، بل ذهب بهم الأمر إلى الدخول في نقد روايات بعضهم وتسفيه روايات أخرى، وكان أدبا كاملا للرحلة الكولونيالية كان بصدد التشكل ومثال على ذلك ما قاله “مولييراس” في نقده لرحالة سبقوه للعرائش وذلك عند إيراد بعض الأنشطة الاستعراضية التي كانت تقام بالعرائش حيث قال: “وقد حاول نصراني آخر تدهشني غباوته وجرأته وهو دريموند هاي Drummond Hay”.

سير جون هاي دراموند
وهذا الرجل كان مستشارا مزدوجا للسلطان مولاي الحسن الأول والحكومة الانجليزية “، وصف المغرب وقبائل الرُّحل الموجودة به، وهو يعرف بالكاد بعض الكلمات العربية.

وفي إحدى المرات شاهد بالعرائش عرضا لعيساوة وروى مطولا كيف يتلاعب أتباع سيدنا عيزر Aizer بالثعابين الخطيرة دون خوف، مضيفا “يدعو العرب هذا النوع من الثعابين “ألفا” لأن الهيئة التي تتخذها تذكر بشكل الحرف العشرين من الأبجدية العربية ” الفاء”، ويسائل مولييراس ديبلوماسي صديق له عن رأيه قائلا: “فما رأي مان دوساسي Man De Sacy في ذلك؟

أو ليس الخلط بين الأفعى وحرف الفاء وبين عيزر وعيسى، بالإضافة إلى أخطاء فظيعة أخرى لسنا في حاجة إلى ذكرها، دليلا على عدم المسؤولية وعلى جهل المكتشف الأجنبي الذي لم يكلف نفسه مثل الآخرين أيضا عناء القيام بالدراسات التي تتطلب ربع قرن من الكدّ قبل اقتحام الجحيم المغربي”. يبدو من هذا النص أن الرحلات الموجهة إلى المغرب كانت من الجدية الأكاديمية والإخبارية ما جعل نقاشا حادا يقوم بين روّادها، حيث يضيف مولييراس في حديث عن رحالة آخر قوله: “أما الأوروبي الآخر وهو مواطننا ديديي Didier الذي لم يبلغ مستوى هاي فإنه يثير الضحك عندما يؤكد في مؤلفه “جولة في المغرب ص 227″ بأن حرب الباء غير موجود في اللغة الريفية القومية فكيف يمكن للمرء ان يكتب هذه الخزعبلات عندما يعلم بأنه لا يعلم شيئا ؟”.

وسنبدأ أولا بالحديث عن الرحالة المثير للجدل دومنغو باديا الذي ادعى اعتناق الإسلام وسمّى نفسه “علي باي العباسي”.
هذا الرحالة تنقل بالمغرب مستكشفا وجاسوسا وقد ألف رحلته في ثلاثة أجزاء طبعت بباريس سنة 1808 تحت عنوان “Le voyage d’Ali Bay” حينما دخل المغرب كان يحمل هدايا إلى السلطان المولى سليمان منها مدفعا وعشرين بندقية و ثلاثين مسدسا وبرميلا من البارود الإنجليزي وبعد عملية استكشاف واسعة ومع بداية افتضاح أمره سيلجأ إلى العرائش من أجل العبور عبر مرساها إلى خارج المغرب وتعدّ كتابته حول العرائش أو وصفه للعرائش من أهم المصادر للاطلاع على الوضعية العسكرية للمدينة آنذاك، ولأخذ صورة كذلك عن وضعية المدن الساحلية التي كانت في وقت سابق أيام السلطان المولى محمد بن عبد الله مدنا محصنة وتعرف نشاطا تجاريا و عسكريا.
فماذا قال دومنغو باديا عن العرائش؟

