الرحلة، الرحالة و العرائش خلال القرن التاسع عشر: الحلقة الثانية

العرائش نيوز:

بقلم: عزيز قنجاع

ماذا قال دومنغو باديا عن العرائش؟

أولا فيما يخص الميناء، قال علي باي العباسي: ” العرائش مدينة صغيرة وقع عليها الإهمال يوجد فيها تقريبا 400 منزل، وأصبحت مرساها لا تستقبل المراكب الكبيرة بعد أن تهدم صورها الذي على البحر، والمراكب التي تحمل أكثر من 200 برميل تستطيع الدخول إلى المرسى ولكنها مجبرة على تخفيض حمولتها لتستطيع تجاوز مدخل النهر”. وأفتح قوسا هنا وأقول  أنه علينا أن نسجل هنا مصطلح “إهمال” الذي استعمله الرحالة دومينغو باديا في بداية القرن التاسع عشر يسجل تراجعا بنيويا في أهمية المدينة.

ثانيا فيما يخص الوضعية العسكرية قال هذا الرحالة: “أصبحت الحواجز العسكرية لمدينة العرائش في وضعية هشة وأسوارها صارت مهملة رغم أن المدينة ذات طابع عسكري محض ويحمي المدينة من الجنوب برج به مدافع، وبرجان آخران يحميان المرسى و القنطرة”. نعرف جميعا أن هناك قنطرتان على واد اللوكوس، قنطرة شيدت أثناء الحرب العالمية الثانية و قنطرة بعد الاستقلال، لكننا لا نعلم بتاتا بوجود قنطرة على نهر بحجم اللوكوس.

 فالقناطر التي كانت تبنى سابقا كانت فقط على ممر الوديان الصغيرة التي تحمل أيام فصل الشتاء وليس على الأنهار. ويضيف دومنغو باديا: “وفي جانب المدينة وعلى مدخل النهر يوجد حصن قيل لي أن المولى اليزيد بناه على شكل مربع وبه عدة مدافع”، وهو بلا شك الدار ديال “ابا الغرباوي” لأن الحصن بعيد في هندسته عن هندسة حصن الفتح وحديث البناء من الناحية التاريخية … ويضيف أيضا “أما مدخل النهر من الناحية الجنوبية فمحمي بمدفعين “…… أنا اعتقد جازما أن الأمر يتعلق ببرج سيدي يمون أو ما يسمى في الأدبيات التاريخية برج الجنويين.

يعد “الفاريز بيريز” أحد الرحالة الذي استهوتهم العرائش خلال القرن التاسع عشر، ويعد من المراجع القليلة التي سجلت أحداثا مهمة ذات طابع وطني وكان لها تأثير خاص بمدينة العرائش، بل يعتبر كتاب الرحالة الفاريز بيريز “País Del Misterio”  الذي  ألف أثناء ولاية السلطان المولى الحسن الأول، مرجعا هاما لدراسة الوضعية والنشاط الاقتصادي التجاري بميناء العرائش خلال القرن التاسع عشر، فلم يكتف بالوصف فقط بل أثار معلومات من خلال استقصاء وجهات النظر والاستماع إلى الشهادات والاطلاع على وثائق رسمية. وسأسرد عليكم بعض الأمثلة الدالة.

يقول الفاريز بيريز: “وميناء العرائش تصدر منه الحبوب والصوف لأوروبا وتزوره عدة مراكب برتغالية من ولاية الغارفيه Algarve ” وكذا إسبان ويلبا، والذين يأتون للصيد فيما يسمى عندهم بحر العرائش وللاستراحة”. ويسرد الرحالة الفاريز بيريز معلومات مهمة تبين أسباب فشل سياسة المولى الحسن الأول في إصلاح العملة حيث يقول “وإسبان قاديس يأتون لممارسة التهريب بجميع أشكاله، أما أهل بارباطي فقد تفننوا في تهريب العملة وأثاروا غضب السلطان.”

ثم ينتقل لوصف أنواع العملات المستعملة بميناء العرائش فيقول: “والعملة المستعملة كانت من النحاس المغربي الذي يصرف إلى الفضة ويهرب إلى إسبانيا في خلسة من السلطات، وأهل العرائش لا يقتصرون في تعاملاتهم التجارية بالعملة المحلية بل هم صرافون ممتازون، فالعملة الأوروبية رائجة بينهم لأغراض محددة وبقيم معروفة، وكانت عملتنا الإسبانية لها قيمتها بالعرائش وكان من المحتمل أن تكون الوحيدة ذات قيمة بالعرائش ولكنها تراجعت كثيرا ومن الصعب رؤية الدورو الاسباني.

 ويظهر ان قطعة 5 فرنك الفرنسية أو النابوليونية كما نسميها نحن تتداول بكثرة وأصبحت تسيطر على السوق ويتراءى لي أن قديما كانت تتداول بالعرائش عملات ذهبية لكنها اندثرت نهائيا”. إن هذه المعلومات القيمة لم ترد في المصادر المغربية ولم تطرقها لا من قريب ولا من بعيد فتبقى هذه الرحلات مصدرا مهما لمعرفة بعض الحيثيات التي تحتاج إلى تدقيق.

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.