العرائش نيوز:
بقلم: عزيز قنجاع
العرائش وأخبار الثورة الفرنسية:
تصادف اندلاع أحداث الثورة الفرنسية سنة 1789 وجود السلطان سيدي محمد بن عبد الله على رأس هرم السلطة بالمغرب، حيث لا نجد لأحداث الثورة الفرنسية عند العلماء المغاربة ذكرا أو إشارة لها في مؤلفات أقطاب العلماء لهذه الفترة. واستمر غياب الحديث عن الثورة الفرنسية لما بعد المولى اليزيد. وبفعل سياسة الاحتراز التي انتهجها السلطان المولى سليمان الذي خلف المولى اليزيد وتعامله بحذر مع الدول الأجنبية وانتهاجه أسلوبا حياديا في التعامل مع القوى الأوروبية الفاعلة على الساحة الدولية كان احتكاك المغاربة مع أحداث الثورة الفرنسية وحروب نابليون شبه منعدمة. ورغم التآليف العديدة التي وصلتنا من هذه المرحلة وبروز أعلام وفقهاء أثروا في الثقافة المغربية طيلة نهاية القرن الثامن عشر وطيلة القرن التاسع عشر إلى المرحلة الاستعمارية كالطيب بنكيران، والتاودي بنسودة، وعبد القادر بنشقرون، ومحمد بنيس وغيرهم إلا أنه لا نجد في متونهم الموسوعية أدنى إشارة إلى أحداث الثورة الفرنسية ما عدا إشارة وحيدة إلى ما حدث بفرنسا من ثورة عند أحد علماء تلك الفترة وهو محمد بن محمد الجنوي، وهو أحد فقهاء تطوان المتوفى سنة 1799. وهو عالم كبير أحرز على رئاسة الفقه والفتوى في عهده وكان خطيبا ومدرسا بمسجد سيدي ابن مسعود. وقد مثل هذا الفقيه الزعامة المعارضة لطائفة الدرقاويين بمدينة تطوان فينقل عنه تلميذه السكيرج كما نقله محمد داوود حملته على درقاوة وما قاله في هذا الصدد “قام درقاوة في قطرنا والفرنسيس في قطرهم وينشأ عنهم جميعا فساد هذا العالم” والجملة جد واضحة إذ يربط ويشبه قيام درقاوة بالمغرب كقيام جموع الفرنسيين إبان الثورة الفرنسية.

واذا كان هذا النص يبين على الأقل أن بعض علماء تلك الفترة قد كانوا على اطلاع بما يجري بالقطر الفرنسي من أحداث سياسية متتالية ابتدأت بالثورة الفرنسية سنة 1789 وتتالت إلى سيطرة نابليون بونابرت على السلطة والحصار القاري واحتلال مصر.
يبقى السؤال المركزي من أية جهة كان العلماء المغاربة والتجار والأعيان يستقون معلوماتهم عن أحداث الثورة الفرنسية و الفتوحات النابوليونية.
يعد الجهاز القنصلي الفرنسي مصدرا مهما للمغاربة آنذاك لمعرفة الأحوال السياسية بفرنسا وأخبار الثورة الفرنسية ومستجداتها على الصعيد السياسي والعسكري، ويذكر محمد حمان في كتابه المغرب والثورة الفرنسية أن في القناصل الفرنسيين القاطنين بمدينة طنجة ابتداء من سنة 1795 بالإضافة إلى نوابهم المستقرين بالخصوص في مدينتي الصويرة والعرائش كانوا أهم مصدر لأخبار الثورة الفرنسية، إذن، فمدينة العرائش كانت في قلب أحداث التاريخ العالمي آنذاك.

وقد كانت العرائش تعد أيضا مصدرا مهما لمعرفة أخبار الخارج، وخصوصا الخبر المركزي إبان تلك الفترة وهو إخبار ما كان يجري بفرنسا لسبب رئيسي وهو استقرار جالية أوروبية بها وبسبب الحركة التجارية التي كانت تعرفها عبر مينائها بالعرائش … ففي سنة 1807، أرسل السلطان سفيرا إلى فرنسا، وهو الحاج إدريس الرامي وهو الابن الأكبر لأحد الشرفاء الأدارسة بفاس، وأرسل معه عددا من المغاربة وتاجرا فرنسيا كان مقيما بالعرائش يدعى جان لاربر كليرمونت ” JEAN LARBRA CLERMONT وكان يتكلم العربية بصفته مترجم.

يبدو من خلال هذه المعلومة أن JEAN LARBRA CLERMONT كأحد الذين أتقنوا اللغتين العربية و الفرنسية واحتلاله مكانة، ضمنت له ثقة السلطان ليضمه مترجما الى سفارته، تبين أن العرائش خلال تلك المرحلة كانت تستقطب شخصيات مهمة فرنسية. ويرجع معظم الباحثين سبب استقرار العنصر الفرنسي بالعرائش إلى هروب عائلات مهمة من فرنسا كانت بعلاقة مع التاج الفرنسي والملكية الفرنسية حيث استقر عدد كبير منهم بالجزيرة الخضراء و طنجة و العرائش.
ومما تجب الاشارة إليه ايضا أن العرائش، وبالإضافة إلى الجالية الفرنسية التي استقرت بها بعد الثورة الفرنسية، فقد كانت العرائش وبشكل فريد مصدرا أساسيا من مصادر الاطلاع على أخبار الثورة الفرنسية حيث كان بالعرائش جهاز قنصلي نشط جدا خلال مرحلة السلطان المولى سليمان، وسنتحدث عنه لاحقا وعن تأثير هذا الجهاز القنصلي بالعرائش في إحداث أزمة بين السلطان المولى سليمان والامبراطور نابليون بونابارت، وبموازاة مع الجهاز القنصلي بالعرائش، تنبغي الإشارة إلى عنصر آخر شكل بدوره بدون شك مصدرا لأخبار الثورة وأحداثها، ونعني به التجار الأوروبيين الذين كانوا على عهد السلطان سليمان يقطنون بكثرة بالمدن الساحلية المغربية، سلا، الرباط، طنجة، تطوان العرائش والصويرة. فقد كانت لهم علاقات قوية ومتطورة مع القواد والمسؤولين المغاربة وكانوا على اتصال مباشر بالسكان.

ففي السنوات الأولى التي كان فيها السلطان المولى سليمان يعمل على تهدئة الأوضاع الداخلية بالمغرب في صراع دام مع إخوته، سمح ببيع الزرع وبعض المواد الغذائية للأوروبيين نظرا لاحتياجه للأموال مما أدى إلى ارتفاع الأسعار في المغرب حسب شهادة محمد الضعيف الرباطي، هذا المؤرخ الذي سأشير إليه لاحقا والتعريف به نظرا لأهمية ملاحظاته الخاصة بتلك المرحلة والتي جاء فيها “وصل الزرع في سنة 1211 بالرباط سبعة أواقي، وفيه سمعت بأن الثور وصل بالرباط ثلاثين مثقالا ولم يبق ثور عند الشاوية إلا أتوا به للنصارى دمرهم الله. وفي يوم عاشوراء لم يوجد اللوز ولا الفاكهة وكانت السفن توسق الزرع من تطاون وطنجة والعرائش والرباط والدار البيضاء والصويرة على إذن مولانا سليمان”.

وهذه الشهادة تبين بالملموس أهمية التجارة والتجار الأجانب بميناء العرائش، ويخبرنا هذا المؤلف والمؤرخ الفريد لتلك المرحلة صاحب كتاب “تاريخ الضعيف الرباطي” إلى علاقات تجارية رائجة جمعت تجار عرائشيين بصفقات كبرى مع تجار أوروبيين، كما ويخبرنا الضعيف أنه كان بالعرائش تاجر كبير أثر في التجارة المغربية وربطته صلات متعددة مع التجار الأوروبيين يدعى الطالب بن الطيب مرين، وكان يبيع الزرع بتعاون مع تاجر نصراني آخر بنفس المدينة في فترات كان التصدير ممنوع بسبب الجفاف والمجاعة.

ولا بد لدارسي هذه المرحلة أن يطلعوا على كتاب الضعيف الرباطي نظرا لغرابة هذا المؤلَّف والمؤلِّف، فقد كتب محمد بن عبد السلام بن أحمد بن محمد الرباطي الملقب بالضعيف (1752-1718) الذي لم يشغل مناصب مهمة في الجهاز المخزني، بل كان عبارة عن عادل بسيط في مدينة الرباط، ولم يقم بجولات ديبلوماسية خارج حدود المغرب ليكون له احتكاك مباشر بالدول الإسلامية والأوروبية، بل كان يتجول على الساحل المغربي من تطوان إلى العرائش فأزمور بحكم زيارته قبور الصالحين كما يذكر ذلك بنفسه، نجده يتعرض في مؤلفه لذكر أحداث أوروبا وخصوصا الحملة الفرنسية على مصر وسيطرة نابليون على إسبانيا وتهديده للمغرب مما يعطينا صورة عن الرأي العام المغربي ورؤيته للأحداث المغربية. وسنعتمد عليه في معرفة علاقة العرائش بأحداث الثورة الفرنسية.

