العرائش نيوز:
بعد نطق المحلفين، ليلة الخميس، بكلمة “مذنب” ضد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وأدانوه بـ 34 تهمة، خرج ترامب من قاعة المحكمة، وإلى جانبه محاميه، متجهماً، واتهم القاضي الكولومبي الأصل الذي أدار المحاكمة بتضارب المصلحة، ووصف القرار بأنه “مخزٍ”، ويزيد من انقسام البلاد، وتعهد بمواصلة الحرب ضد القرار، وحملته الانتخابية وشق الطريق نحو البيت الأبيض.
لكنه أصبح الرئيس الأمريكي المجرم، وبقرار المحكمة، في قضية استخدمها من أجل الوصول إلى البيت الأبيض عام 2016، وهي دفع أموال لممثلة أفلام إباحية لإسكاتها، وعدم نشر قصتها، خشية تأثر حظوظه الانتخابية تلك.
وكان قرار المحكمة عنواناً مناسباً للصحف الأمريكية: “إدانة ترامب”، وتوقيعات أخرى على القرار.
وتساءلت الصحف عن مصيره السياسي، وماذا سيحدث لو فاز بالرئاسة وهو في السجن، ذلك أن القانون الأمريكي لا يمنع مداناً من الترشح للمنصب الأعلى. وهناك عدة قضايا تلاحقه، حيث نجح بتأجيلها متعلّلاً بالحملات الانتخابية، إلا التهم التي أدين بها في نيويورك.
ورأت صحيفة “واشنطن بوست”، في افتتاحيتها “نطق المحلفون بقرارهم، التالي هو على الناخبين”، أن ملحمة دونالد ترامب اتسمت بالتشويق، حيث استطاع المدعى عليه إبقاء قاعات المحاكم في الشاطئ الشرقي حية. وأخيراً حصل الجمهور على خاتمة: أدانته هيئة محلفين بنيويورك بـ 34 تهمة بتزوير السجلات التجارية. وسيكون ترامب هو أول رئيس أمريكي سابق مجرم مدان. وبقدر ما كان الحكم، يوم الخميس، بالغ الأهمية إلا أنه ليس الأكثر أهمية قانونياً من بين الدعاوى المرفوعة ضده.
فالدعوى التي رفعها المستشار الخاص جاك سميث للمدعي العام الفدرالي تنطوي على أهمية خاصة نظراً لأنها تتعلق باقتحام أنصار ترامب الكونغرس، في 6 كانون الثاني/يناير، وتشمل على مؤامرة إعداد قوائم انتخابية مزورة، والهجوم على الكابيتال هيل، وتشير إلى اعتداء واضح على الديمقراطية. كما أن قضية مارا – إي- لاغو تكشف عن عدم صلاحية ترامب كقائد أعلى للقوات المسلحة. وتبدو تهمة التعويق والتستر على جهد ترامب لتضليل المحققين بشأن احتفاظه بالسجلات السرية من البيت الأبيض واضحة المعالم. إلا أن هذه القضايا لا تزال بدون حلّ، ذلك أن ترامب عمل وبنجاح على إقناع عدة قضاة والمحكمة العليا للنظر في إجراءات تستغرق الوقت.
وبالمقارنة، فإن حكم يوم الخميس كان يتعلق بمؤامرة دفع أموال لإسكات ممثلة أفلام إباحية. كل هذا لا يعني أن حكم المحكمة في نيويورك ليس شرعياً، أو كما ادعى ترامب، نتيجة لـ “محكمة مزورة ومخزية”.
ورأت الصحيفة، في قرار حملة جو بايدن عقد مؤتمر صحافي، يوم الثلاثاء، أمام قاعة المحكمة، أمراً يدعو للأسف وكذب حقيقة مهمة: فخلافاً للاتهامات التي أطلقها ترامب وأنصاره، بأن الملاحقة القانونية هي عملية “تصيّد ساحرات”، وأن النتيجة التي جاءت خلافاً لصالحه “مزورة”، فإن القضية كانت قانونية وتظهر العكس. فقد حدث تحقيق وتم توجيه اتهامات، واختيار هيئة محلفين وعقد محاكمة منظمة، وحصل ترامب على محاكمة قانونية عادلة. وبعد ستة أسابيع من الاستماع، و22 شاهداً، وأدلة تم التحقق منها، صدر الحكم ضده. وأوفى المحلفون بالقسم من ناحية النظر في القضية وبعناية، وأخذوا وقتهم للتعامل مع الشهادات التي استمعوا إليها أكثر من مرة. وقبلوا أيضاً واجباً مدنياً وسط الظروف الصعبة، وحظر عليهم مناقشة الموضوع المهم مع أصدقائهم وعائلاتهم وخاطروا بتداعيات للحكم عليهم. وتولى القاضي خوان ميركان إدارة المحاكمة، رغم الهجمات من ترامب عليه وتاريخ هجرته من كولومبيا. وقال الرئيس السابق: “القاضي يكره دونالد ترامب، وما عليك إلا النظر من أين جاء”. ولم تكن التعليمات التي قدمها ميركان للمحلفين سخية أو بخيلة، فقد طلب منهم النظر في ما إن كان ترامب مذنباً في جريمة تزوير سجلات تجارية من أجل التأثير على انتخابات 2016، وبطرق غير قانونية، وبدون معرفة المحلفين الـ 12، ما هي هذه الوسائل غير القانونية.
ومهما كان الأمر، فقد كان عليهم الاتفاق على أن النية هي حرف الانتخابات لصالحه. وكان هذا هدفاً عالياً، فالأموال التي دفعها، أو وجه بدفعها، كانت لغرض غير إجرامي، إخفاء علاقة غرامية عن زوجته، أو تجنيب نفسه وعائلته الفضيحة العامة. ومن الواضح أن المحلفين وجدوا بعداً آخر، وتكمن أهمية هذه الحادثة الدنيئة في أن 12 من مواطني ترامب أصدروا حكمهم على رئيس ثري، مع أن القضية تظل عرضية من ناحية الخطر الذي يشكله المدعى عليه. وأثبتوا أنه حتى أصحاب المكانة في المجتمع لا يمكنهم الإفلات من الإجراءات القانونية التي يواجهها بقية الأمريكيين.
إلا أن ترامب ألمح إلى أن الحكم سياسي، مشيراً إلى أن الناخبين هم من سيحكمون عليه في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر. ويتوقع أن يصدر القاضي ميركان حكمه في 11 تموز/يوليو، وقبل قبول ترامب ترشيح الحزب له. وربما قوّض الحكم العمليات المتعلقة بالحملة الانتخابية، مع أن ترامب أكد أنه سيستأنف ضد الحكم. ويواصل ترامب استخدام الحالات القانونية من أجل تحويلها لقضية سياسة داعمة له، حيث اعتبر، يوم الخميس، أن البلد كله بات عرضة للتزوير. ويعتقد أنصاره بما يقول، مع أن الكثير من الأمريكيين لا يؤمنون بكلامه، أو هناك حاجة لإقناعهم أن الرئيس السابق بدون أخلاق، إن لم يكن أسوأ من هذا.
وعلقت صحيفة “نيويورك تايمز”، في افتتاحيتها “دونالد ترامب مجرم”، قائلة إن الحكم الذي صدر بمحكمة متواضعة في مانهاتن السفلى هو تذكير بالأسباب الكثيرة أن دونالد ترامب لا يصلح للرئاسة. وقالت إن الأمريكيين سيتساءلون عن أهمية هذه اللحظة، ذلك أن الدستور لا يمنع المجرمين من الترشح للرئاسة، حتى لو كانوا خلف القضبان. فقد ترك مؤسسو البلد القرار بيد الناخبين.
كما أن الكثير من الخبراء القانونيين شكّوا في أهمية القضية هذه، والطرق التي استخدمت لإدانة ترامب عبر ما يعرف بارتكاب جنح، ومن المؤكد أن يقوم ترامب بالاستئناف على الحكم ضده. والشيء الجيد الذي يخرج من هذه القضية الدنيئة هي أن القانون شامل على الجميع، حتى لو كان المتهم رئيساً سابقاً.
وقدم القاضي ميركان الحكم المهم للأمريكيين قبل بداية التصويت، حيث تشير استطلاعات عدة أن الحكم سيؤثر على تصويت الكثيرين.
وأضافت الصحيفة أن الحكم الصادر على ترامب كشف عن استعداده لخرق القانون، ودفع الآخرين لخرقه من أجل إخفاء تفاصيل علاقة جنسية عن الأمريكيين. فهذه الرغبة لخرق الأعراف هي في قلب حالتين يحاكم عليهما ترامب، وهما نشر الأكاذيب، ومحاولة تغيير نتائج الانتخابات، وسوء التعامل مع الملفات السرية، واستطاع محامو ترامب تأجيل هاتين القضيتين.
وتعلق بأن ترامب لم يظهر أبداً أخلاقاً في تصرفاته، إلا أن محكمة نيويورك قدّمت للرأي العام معلومات عن الطريقة التي أدار فيها الرئيس السابق حياته وتعاملاته. ومع أن الدفع لإخفاء موضوع ليس غير قانوني بحد ذاته، إلا أن تزوير السجلات هو جرم، وقال المدعون إن ترامب زوّر هذا من أجل انتخابه.
وأشارت الصحيفة إلى دقة القاضي ميركان في التأكد من حصول ترامب على محاكمة عادلة، ورفض مثلاً استماع المحلفين لمواد إثارة مثل فيلم “أكسس هوليوود”، الذي كشف عن علاقته مع الممثلة الإباحية.
وفي النهاية، استمع المحلفون للأدلة، وأصدروا حكمهم، كما سيفعل الناخبون في تشرين الثاني/نوفمبر. وعليهم الالتزام بالحكمين، بمن فيهم ترامب، ومهما كانت النتيجة.
القدس العربي

