العرائش نيوز:
تاريخيا ارتبط تقدم المجتمعات و الحضارات و تمظهر رقي الشعوب، بمدى تطور عمرانها و فن عمارتها، فكان أساس نجاح الحكام هو اهتمامهم الشديد بإبراز عظمة حكمهم من خلال ما يشيدونه من قصور فخمة و بنايات بزخارف غاية في الفخامة و الإبداع.
و إذا تحدثنا عن التجربة المغربية في هذا المجال، باعتبار الإمبراطورية المغربية عُرفت تاريخيا كحضارة بشمال و غرب إفريقيا انبثقت من التنوع الثقافي الغني و تمازج الأعراق و الديانات المشكلة للأمة المغربية، فكانت الحضارة المغربية التي تميزت بفن عمارتها الراقي بإبداع الصانع المغربي كدليل على تقدم و تمدن الإنسان المغربي، فشيد القصور و القصبات و المساجد، التي بصمت في أهم المدن المغربية و خصوصا تلك التي اتخذها السلاطين عاصمة لهم، أبرز و أعظم تجليات تقدم أنظمة الحكم في تلك الحقب.
و السر وراء اهتمام الحكام و السلاطين في جل الحضارات بالبنيان و فن العمارة و العمران، كان لإبراز عظمة حكمهم و إضفاء هيبة على أنظمتهم و مدى قوتها و استقرارها و استمراريتها.
وقد امتد هذا الإهتمام إلى العصور الحديثة و المعاصرة، وبروز الدول بأشكالها الدستورية الجديدة، إلا أن هذا الإهتمام انصب أكثر على إنشاء مدن جديدة بمواصفات محددة حتى تستوعب الطلب المتزايد على السكن بحكم النمو الديمغرافي السريع، فجل الحكومات تتخذ اجراءات و تسن سياسات عمرانية تركز على الكم أكثر من الكيف، ليتماشى العرض مع الطلب، و اعطاء انطباع لدى الشعوب في القدرة على تلبية كل متطلبات العيش الكريم بما في ذلك السكن الملائم، باعتباره من أبرز عوامل استقرار المجتمع.
والمغرب كبلد فتي منذ الإستقلال إلى الآن و مع تعاقب العديد من الحكومات، اهتم بشكل كبير بقطاع السكنى و التعمير، خصوصا مع ازدياد نسبة سكان المدن بفعل توالي و تسارع مد الهجرة القروية بتعاقب سنوات الجفاف و الطفرة الصناعية التي عرفتها بعض المدن.
إلا أن ارتفاع سكان المدن لم تواكبه سياسات قطاعية في مجال السكن و التعمير، فنتج عنه تشوهات عمرانية، ونمو أحياء سكنية هامشية، كنتيجة لفشل و انعدام وجود تصور عمراني، فأصبحت تلك التجمعات البشرية عنوانا عريضا لفشل الحكومات و فشل الدولة في صون كرامة المواطن عبر توفير سكن ملائم، والمقابل و في نفس المدن تجد تفاوتات سكنية مهولة ما بين أحياء أحزمة البؤس و مابين أحياء متخمة بالرقي، أصبحت معه الدولة بأجهزتها الجادة تستشعر مع هذه الفوارق، قيام انفجار اجتماعي كرفض للسياسات المتبعة التي أفرزت كل هذا القبح و الذي ينخر بنيان المجتمع و تماسك كل فئاته.
و جاءت أحداث 16 ماي الإرهابية، لتسائل ضمير و سياسات الحكومات المتعاقبة، على إنتاج الفشل في قطاع السكن و عدم توفير عرض يلبي احتياجات الطلب المتزايد خصوصا في صفوف الفئات الفقيرة و الهشة التي تسكن بالأحياء الهامشية، حيث انطلق أولئك الشباب الذي سهُل استقطابهم و حشوهم بأفكار متطرفة مغذية نار الحقد الناتج عن أوضاعهم المزرية، لتنفيذ عمليات انتحارية تعددت أسباب تحليلها، فظل المعطى الإجتماعي بالإضافة إلى عوامل أخرى حاضرا و مشتركا بين كل التحليلات.
وهكذا انتقلت الدولة بحزم و جدية إلى القيام بالعديد من الاجراءات الإستعجالية لمحاصرة و القضاء على الظاهرة الإرهابية المتغذية من البؤس الإجتماعي و الفكر الديني المتطرف، بقبضة أمنية اتسمت بالإستباقية و الجدية و الكفاءة، وكذا اتخاذ إجراءات أخرى مرتبطة بهيكلة الحقل الديني و تحديث ترسانة القانون الجنائي، ومراقبة حركية الأموال من و إلى بؤر التوتر التي تعرف تواجد للمجموعات المسلحة.
وكان من ضمن الإجراءات المتخذة ، خصوصا في مجال السكن هو محاولة القضاء على دور الصفيح و الأحياء الهامشية، التي تنعدم فيها أبسط شروط الحياة الصحية، و التي تعرف مرتعا مستهدفا لتجار و أمراء الدم، وفي هذا الإطار أي القضاء على دور الصفيح و توفير عروض سكنية جديدة بمواصفات إنسانية، في إطار البرنامج الوطني للتضامن من أجل محاربة السكن الغير اللائق، تنفيذا للتعليمات الملكية السامية الرامية إلى إنعاش السكن الإجتماعي مع تفعيل كل أشكال المراقبة الصارمة وزجر المخالفات في مجال التعمير و البناء و تطوير أسلوب المساءلة و المحاسبة عند الإخلال بالإضطلاع بالمسؤوليات.
فجاء إحداث مؤسسة العمران، فما هي نتائج عمل هذه المؤسسة؟ العرائش نموذجا
إن مدينة العرائش كمدينة ساحلية صغيرة، تتمتع بموقع جغرافي متميز و جمال طبيعي يعرف التنوع و العطاء، إلا أن ما تمتاز به هذه المدينة لم يقابله نماذج تنموية فعالة، جعلها تعيش تحت وطأة التهميش و الإقصاء و الفساد المستشري بين مدبري الشأن العام حد الاستفزاز الماس بكرامة المواطن العرائشي.
و العرائش من بين المدن التي عرفت كمدينة مستقبلة لهجرات قروية من مناطق متعددة من المملكة تتعدد أسبابها و يبقى أبرزها الجفاف و التنافس الإنتخابي ، مما عرفت معه انتشارا متسارعا و نموا كبيرا لأحياء دور الصفيح في غياب تام لعروض تستوعب الوافدين، فحطمت المدينة أرقاما قياسية على المستوى الوطني في وجود و استنبات أحياء قصديرية، كعنوان بارز لتواطئ ما هو وطني مع منظومة التحكم المحلية، ممثلة في سياسيين فاسدين و إداريين جشعين لمراكمة الثروة وتحويل سياسة دولة في القضاء على السكن الغير اللائق كسياسة استراتيجية للحفاظ على استقرار المجتمع و تماسك أفراده، إلى وسيلة للإغتناء و تبادل المنافع و القطع الأرضية بين مسؤولي اللجن المدبرة و المقررة لهذا الملف ، حتى بدأ المواطن العرائشي يتعجب من استفادة مسؤولين كبار و مهندسين و منتخبين و إداريين بأسماء وهمية في الواجهة و تلاعبات شيطانية من العديد من القطع الأرضية، عبر شبكة من السماسرة و الفاسدين، الأمر الذي أدى إلى فشل هذا البرنامج بالمدينة، مما يتعين معه أخذ المبادرة من طرف مؤسسات و أجهزة الدولة الجادة التحرك بما تملكه من معطيات دقيقة و اتخاذ ما تراه مناسبا و تحديد المسؤوليات و تفعيل المتابعات القضائية لأن الأمر يتعلق باستقرار الدولة و المجتمع.
ذ/ عبد الحميد العباس

