مسرحية “التلفا” ولي تلف يشد لارض معانا

العرائش نيوز:

في إطار الاحتفاء باليوم الوطني للمسرح ، وبمبادرة من جمعية دار الفن والمركز الثقافي ، احتضنت قاعة العروض بالمركز الثقافي ليكسوس باب البحر بالعرائش يوم الأربعاء 14 ماي 2025 ، العرض الأول لمسرحية ” التلفا ”
تأليف : حمزة فتح الله
إخراج : مراد الجوهري

أمام جمهور حج بكثافة إلى قاعة العروض بالمركز الثقافي ليكسوس ، قدمت مسرحية ” التلفا ” في قالب كوميدي ساخر اختزل متصارعات الحياة والمجتمع من خلال تعريته للصراع الأزلي بين ثنائيات متضادة كالوهم والحقيقة ، الجمال والقبح ، الفضيلة والرذيلة ، اليقظة والسكر ، عبر تجربة حياتية ، كثيفة وعميقة ، داخل حانة ، حيث يظل السكر الملاذ الوحيد للتواري والفرح والانتفاض وطلب التغيير ، لكن في أجواء يسودها الحزن والإحساس بالخيبة واليأس .
في مشهد منعزل لشخصية المثقف ، مترنحا تحت وطأة السكر ، يطلق الكاتب المسرحي العنان لاعترافاته ، كأنه يقيم حدا فاصلا بين الوهم والحقيقة ، بين السكر واليقظة ، في موقف حائر ومتأرجح بين قوتين تتنازعان حوله مشروعيتهما : الفقيه أو رجل الدين الذي يمثل بمظهره المعهود ؛ عصا الحكيم ولحية الورع والتقوى والثوب الأبيض بهالته الملائكية ، كحالة نكوصية مرتدة معاكسة لشغف الحياة ومدبرة عن ملذاتها ومباهجها ، وهو يوزع النصح والمواعظ التي ظلت ثابتة على حالها فقط في خطابات مكرورة وعلى صفحات الكتب ، ولم تتغلغل في ثنايا تعقيدات الواقع ، الذي يحكمه معجم واحد ووحيد ، تتغول فيه لغة المصالح وجشع الرأسمالية المتوحشة ، وبالتالي تظل عاجزة أمام تناقضاته وتحولاته كسد منيع يعيق جريان الماء وتدفقه ، وصاحب البار ، الشاب المنفتح والمحب للحياة والمرح ، والذي يفلح ، بعد تحد محتدم بينهما ، في جذبه ناحيته ، وهو اختيار يكشف عن انحياز المثقف الدائم للحياة بكل ما تحفل به من حب وشغف .
إن الاستعمال الذكي والمبدع الذي اعتمده مصمم السينوغرافيا في توظيف الشاشة الثابتة أو المتحركة في خلفية المسرح كتقنية حية مبتكرة ، وبرمجة محتواها بشكل ديناميكي ومرتب مسبقا ، بما يتماشى مع المناظر والخلفيات الممكنة حسب الوضعيات والمشاهد ، إضافة إلى العناصر الفنية الأخرى المؤثتة للفضاء ، من خلال البساطة في تصميم الديكور واعتماد الإنارة الملونة والخافتة ، كل ذلك أعطى جمالية بصرية خاصة ونقل الجمهور بسلاسة إلى قلب الحانة وأجوائها ، ومن تم الانصهار بشكل عفوي ، مع مجريات العرض ، بدءا بفتاة البار ، الشابة الجميلة وهي تصدح بإحدى أغاني الحب لأم كلثوم ” هل رأى الحب سكارى مثلنا ” ، والتي يفترض أنها تغني للسكارى وطالبي المرح والفرح والهروب من ثقل الواقع ، إلا أن الحزن يلاحق السكارى حتى في بيوت المرح والترنح والرقص وهز الاجساد ، أيها المسكين الذي لم ينتشي بالفرح حتى في المكان الذي كنت تعتقد أن تجد فيه مايجعلك سعيدا ، هكذا توهمت ، وأنت تمارس كذبة الفرح في الملهى .
النادلة وهي تتنقل برشاقة بين الكونتوار والطاولات وتلبي طلبات الزبناء المدمنين على ارتياد الحانة ، كأنهم تائهون و ” تالفون ” ، في فضاء تظل فيه النادلة تطوف ومعها تطوف الكؤوس والحكايات والضحكات والصمت و الذكريات ، حتى لتظن أن السكر أسلوب حياتهم الوحيد ، من ثمالة إلى أخرى ، من طلوع الكأس إلى مغرب البوح ، يتأرجحون في دوامة لا متناهية من العبث والصخب والرقص على إيقاع الموسيقى والاعترافات التي تحيل إلى جرح غائر ومستوطن في قلب كل واحد منهم .
فمن رف قديم في حواشي الذاكرة ، يبوح الشخوص أمام الميكرو / الميكرو هنا فقط للدلالة على ما يسرون في دواخلهم ، مثقلين بذكريات جريحة لا يمحوها الونس ولا الضحك ولا الرفقة ، ولا حتى كل خمر الدنيا والفردوس معا ، عند زاوية منعزلة وتحت إنارة باهتة ، يبدو الشخوص كأنهم في غرفة للاعتراف ، ليس بٱثام اقترفوها ، بل فقط للبوح بما مر في حياتهم من فشل وانكسارات ، عبر وصلات مؤثرة ذات شحنة درامية ، يمرون تباعا ويتعرون ويتخففون من أسرار مظلمة تطاردهم ؛ فهذه النادلة المطلقة تعاني الفقر وتشتغل بدراهم معدودات من أجل إعالة نفسها وابنها الوحيد على إتمام الدراسة ، وهذه المغنية الشابة والجميلة ذات الصوت الملائكي تحلم بتسجيل ألبومها ، وتتعرض في سبيل ذلك للتحرش ، وهذا الشاب الطموح الذي ، رغم نيله شهادته الجامعية ، لم يفلح في العثور على شغل ، لأنه لا يملك صك ” باك صاحبي وصاني عليك ” الذي يسنده ، وحتى خاله الوحيد الذي يعول عليه ، يعود كل مرة من إيطاليا مدججا بالخردة والملابس المستعملة ليبيعها في الأسواق الأسبوعية ، وذاك الفلاح الذي تعرض للخداع وسلبت منه أرضه وأصبح كسيحا يزحف بكرسي متحرك ، وهذا المثقف الذي يبحث عن الحقيقة ويكتب مسرحيات تفضح الوجه البشع للحياة والمعايير الزائفة للفضيلة ، ليخلص الناس من الوهم ويقربهم أكثر إلى حقيقتهم دون رتوش أو مكياج .
كان العرض حقا مشوقا وعميقا أبانت الشخصيات خلاله عن قدرات مهمة ومتقنة في تشخيص الأدوار المنوطة بهم ، واستطاعوا أن يتلفوا الجمهور معهم في ” تلفتهم ” .
فكل شخصية أدت في الغالب أدوارا مزدوجة ، سواء في شكلها الخارجي ، إذا قيست بالمواصفات الاجتماعية المتعارف عليها ، أو في جانبها الٱخر الخفي القابع في ذاكرتها الجريحة أو الحالم كما في حالة مطربة البار أو الطالب الشاب العاطل عن العمل .
في المجمل يمكن القول إن العرض المسرحي ” التلفا ” كان ممتعا ومختلفا ، ألهم المخرج مراد الجوهري في العثور على أسلوبه ، ليشق طريقه دون تكلف إلى قلب جمهوره ، وقد تفطن ، بعد خوضه لتجارب سابقة في إخراجه لمجموعة من الأعمال المسرحية ، إلى أن المسرح ليس هو ما نقوله عن المسرح ، بل ما نصنعه من متعة وفرجة فوق الخشبة بكل ما تحمله الكلمة من أبعاد فنية وجمالية بعيدا عن أي إسقاطات سياسية أو طروحات فكرية وفلسفية .
محمد جزار


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.