العرائش نيوز:
قبل اسبوع، خصصنا هذا الركن لننبه الى خطورة بعض الاصوات التي احترفت جلد مدينة طنجة، وتحولت الى ناطق رسمي باسم الاحباط.
وها نحن اليوم، وبعد صدور مقالنا تحت عنوان “كفوا عن جلد طنجة”، نجد انفسنا امام موجة جديدة من التفاعلات التي لا تخلو من نفس عدائي يختزل مدينة باكملها في مشهد جزئي من ورش لم يكتمل، او في لقطة انتقائية من مشروع ما زال في طور الانجاز.
لسنا هنا للدفاع عن وضع قائم، ولا لتبرير اي تأخير او تقصير، بل لنضع الامور في سياقها الحقيقي.
فما يجري في طنجة من تحول عمراني ومجالي لم يكن يوما عملية سهلة او سريعة، بل هو مسار معقد تحكمه اعتبارات تقنية، وقيود مالية، وضغوط اجتماعية متزايدة، وتداخل مؤسسي بين الشركاء العموميين.
ومع ذلك، لا يمكن انكار ان ما تحقق خلال العقدين الماضيين يمثل ثورة صامتة في مدينة كانت حتى الامس القريب تصارع من اجل اثبات موقعها، داخليا وخارجيا.
لكن اللافت اليوم، هو ان بعض هذه الانتقادات المتناثرة على شاشات الهواتف لا تصدر من فراغ، بل تحولت الى اداة ضغط مكشوفة باجندات غير معلنة. اذ لا يمكن فصل الحملة “الافتراضية” التي استهدفت فتح بعض الفضاءات العمومية، كما في حالة ساحة فارو (سور المعكازين)، عن محاولات معلومة تسعى لتقويض دينامية عمرانية لم تخضع لمنطق المحاباة او تقاسم الغنائم، بل جاءت نتيجة اشتغال مؤسساتي جاد، يرتكز على رؤية تراكمية للتهيئة المجالية ومراعاة السياق السياحي والاجتماعي للمدينة.
لقد بات من الواضح ان بعض الاطراف السياسية، التي لم توفق في مراكمة موقع او بناء بديل، اختارت ان تعرقل من الخارج، وان تلجا الى التشويش والتهويل عوض الانخراط المؤسساتي النزيه.
بل الاخطر من ذلك، ان هذه الاطراف لم تكتف بجلد المدينة، بل حاولت التسلل عبر “نقد المشاريع” لانتزاع امتيازات استثمارية او عقارية لا تنسجم مع الضوابط المعتمدة، وهي مساع تؤكد السلطات المعنية انها لن تتساهل معها تحت اي ظرف، كما أبانت عن ذلك بوضوح في مواقف متكررة تخص التدبير الحضري ومحاربة الريع العقاري المقنع.
ومن المثير ان جزءا كبيرا من هذه التفاعلات الرقمية يتغذى من انطباعات سريعة وغير مؤطرة بمعرفة تقنية او هندسية، بل يصدر عن افراد يعوزهم الحد الادنى من الالمام بمراحل انجاز المشاريع الكبرى وتعقيداتها، في مقابل رغبة جامحة في التعميم واطلاق الاحكام المسبقة. وهنا، تصبح الصورة الجزئية حكما نهائيا، والمقطع العابر برهانا، والمعلومة المبتورة مادة للتهييج.
طنجة ليست مدينة بلا اخطاء، وليست فوق النقد. لكنها ايضا ليست ساحة مستباحة لكل من فشل في التموقع، او خسر رهانه الانتخابي، او عجز عن مواكبة التحولات الجارية.
فالاوراش المفتوحة اليوم، بما لها وما عليها، تظل جزءا من رؤية مؤسساتية متكاملة، لا يمكن تقييمها من خلف شاشة، ولا ابتزازها من داخل جملة ساخرة، او من خلال اعادة تدوير نفس الصور كل مرة بغاية استدراج ردود فعل ممزوجة بين السخرية والتضليل.
ان حماية المدينة من هذا النوع من الانهاك الرمزي لا تتطلب فقط يقظة السلطات، بل تعبئة مجتمعية مسؤولة، لان المساس بصورة طنجة اليوم لم يعد شانا محليا فقط، بل قضية تتقاطع مع موقعها في استراتيجية الجاذبية الاستثمارية، وقدرتها على كسب الرهانات الكبرى، من التهيئة المستدامة الى الاستعداد لتنظيم تظاهرات رياضية وثقافية ذات بعد دولي.
واذا كانت الصورة النمطية التي نرسمها عن مدينتنا تساهم بشكل مباشر في بناء الراي العام الوطني والدولي حولها، فان اخطر ما يمكن ان يرتكب في حق طنجة هو ان نستمر في جلدها تحت غطاء “الغيرة الزائفة”، بينما نضيع فرصا حقيقية لاسنادها ومرافقتها نحو استكمال التحول الحضري والمؤسساتي.
لذلك، فان حماية المدينة لا تكون بالصراخ ولا بالاستعراض، بل بتحصين منطق التنمية من لوبيات الضغط، وبالوعي بان الرهان الحقيقي ليس على عدد التعليقات، بل على من يستطيع ان يقدم بديلا مقنعا، وخطابا يرقى الى مستوى اللحظة.
اما جلد طنجة، فهو لا يصلح ما فسد، بل يفسد ما صلح.
طنجة 24
