العرائش نيوز:
بقلم الأستاذ ابراهيم الحداد
محام بهيئة طنجة
في خضم النقاش القديم الجديد حول ضمانات المحاكمة العادلة بالمغرب، وفي سياق السياسة التي ينهجها المشرع المغربي والمتمثلة في العطاء باليمين والأخذ باليسار وذلك من خلال التنصيص على مجموعة من الضمانات، واغفال التنصيص على الجزاء المترتب عن الاخلال بها، كالحق في الاخبار بدواعي الإيقاف ، والحق في التزام الصمت، والحق في الاستفادة من مساعدة قانونية، والحق في الاتصال بأحد الأقارب أو المحامي، والحق في طلب تعيين محام في اطار المساعدة القضائية، والحق في تلاوة التصريحات والتوقيع عليها…كلها حقوق أساسية وجوهرية من شأنها أن تعزز من ضمانات المحاكمة العادلة، لكن ما جراء الاخلال بها؟
بالعودة الى النص لا نجد أي جزاء صريح على خرق هذه المقتضيات، ليبقى الأمر متروكا للسلطة التقديرية للقضاة.
وبالعودة الى النص نفسه، نجده ينص على أن المحاضر التي يحررها ضباط الشرطة القضائية في شأن التثبت من الجنح والمخالفات يعتد بها الى أن يثبت العكس بأي وسيلة من وسائل الاثبات، وأن الاعتراف كغيره من وسائل الاثبات يخضع للسلطة التقديرية للقضاة، وأن ما عدا ذلك من المحاضر تعتبر مجرد تصريحات تخضع لتقدير المحكمة، لكن الممارسة تؤكد أن الاعتراف سيد الأدلة، وأن محاضر الشرطة القضائية سواء في الجنح أو الجنايات تعلو ولا يعلى عليها، فهل هي أزمة نص أم أزمة تطبيق!
لمقاربة الموضوع من زاوية عملية صرفة، ارتأيت التطرق لقضية مثيرة جدا شهدتها المحكمة الابتدائية بالقنيطرة، وأصدرت بشأنها حكما بتاريخ 05/04/2018، وتعود وقائعها الى المحضر المحرر من طرف الشرطة القضائية بأمن مهدية بتاريخ 30/02/2018، والذي يستفاد منه أن عناصر فرقة الأبحاث والتدخلات تلقت معلومة من أحد مخبريها مفادها أن أحد المتهمين يتولى بيع المخدرات بإحدى المقاهي الكائنة بمدارة المحكمة، فانتقلت الفرقة الى عين المكان وتمكنت من رصد المتهم وضبطه، وعند جسه وقائيا عثر بحوزته على عشر قطع من مخدر الشيراومبلغ مالي قدره 393.50 درهم، وعاين الضابط محرر المحضر هذا المحجوز بمقتضى محضر الإيقاف والحجز، واستفسر المتهم عنه فأجابه بأن تلك المخدرات تخصه، وأنها عثرت بحوزته.
وبناء على الاستماع تمهيديا الى المتهم في محضر رفض توقيعه دون ذكر أي سبب لذلك، اعترف بكل المنسوب إليه جملة وتفصيلا، مضيفا أنه اقتنى المخدرات من شخص اسمه (أ.ع) وعمل على تهيئها وشرع في بيعها في المقهى المذكور، وبقي على هذه الحالة الى حين إلقاء القبض عليه.
وبناء على إحالة المسطرة على السيد وكيل الملك، استنطق المتهم فأنكر حيازته للمخدرات واتجاره فيها، منازعا في كل تصريحاته التمهيدية المعروضة عليه، فتمت متابعته في حالة اعتقال من أجل حيازة المخدرات والاتجار فيها واستهلاكها.
وعند عرض القضية بالمحكمة، أنكر المتهم المنسوب إليه، مؤكدا أنه رفض التوقيع على محضر استماعه تمهيديا لأنه لم يستمع اليه بالمرة من طرف الشرطة، ولم يدل بما جاء فيه من تصريحات، مردفا أن صاحب المقهى كان شاهدا على ذلك.
إلى هنا، أكاد أجزم أن القرار الذي تتخذه جل الهيئات في مثل هذه الحالات (أقول جل وليس كل، لوجود هذه النازلة التي كسرت القاعدة العامة)، هي اعتبار القضية جاهزة، لكون المتهم اعترف بمحضر الشرطة القضائية، ولكون محاضر الشرطة القضائية يوثق بمضمنها، ولأن المشرع لم يرتب البطلان على عدم امضاء المشتبه فيه على محضر تصريحاته.
لكن، عندما نكون أمام قاض لا يكتفي بظاهر النص، بل ينفذ ببصيرته الى جوهر الحقيقة، ولا يتعامل مع الملف كأوراق مجردة، بل كقضية تمس حقوقا ومصائر، لكل سطر فيها أثر، ولكل قرار تبعات إنسانية، وبالرغم من أن المتهم مثل أمام المحكمة بدون دفاع بعدما تنازل عن حقه في ذلك، أصدرت المحكمة تلقائيا أمرا شفاهيا للضابط المسؤول عن أمن المحكمة باستدعاء صاحب المقهى حالا (نظرا لكون المقهى قريبة جدا من المحكمة)، مع حفظ القضية الى حين حضوره، فتعذر تنفيذ الأمر لكون المعني بالأمر لم يكن يعمل في ذلك اليوم، فقررت المحكمة استدعائه تحت اشراف السيد وكيل الملك، وأخرت الملف لأسبوع.
وبالجلسة المقبلة حضر الشاهد، وصرح بعد نفيه لمبطلات الشهادة وأدائه اليمين القانونية أن المتهم كان بالمقهى، وعند دخول الشرطة كان جالسا، وبعد أن فتشوه لم يجدوا بحوزته أي مخدرات، وبعد ذلك قدم لديه (أي الشاهد) أحد رجال الشرطة، ورافقه الى سبورة لوائح اللوطو فوجد بها قطع من المخدرات، مؤكدا أنه لم يعثر عليها بحوزة المتهم، وأن المسافة بين السبورة المذكورة والمكان الذي كان يجلس به المتهم حوالي 10 أمتار، ممثلا ذلك بالمسافة الفاصلة بين منصة الحكم وبين مؤخرة القاعة، مفيدا أن لديه شريطا مصورا يوثق ذلك.
وبناء على اطلاع المحكمة فورا على شريط الفيديو المذكور بواسطة هاتف الشاهد، كلفت هذا الأخير بوضع نسخة منه لدى كتابة الضبط قبل جلسة 05/04/2018.
وبناء على التزام المحكمة بضمان الحق في المحاكمة العادلة المقرر بمقتضى الفصل 120 من الدستور، وبحثا عن الحقيقة التي لا تتقيد المحكمة للوصول إليها بأي قيد قانوني، تطبيقا للمادة 305 من قانون المسطرة الجنائية، فضلا عن إمكانية استدعائها لكل من ترى في إفادته مساعدة للوصول الى الحقيقة، أصدرت مقررها القاضي باستدعاء ضابط الشرطة محرر المحضر، وكذا عناصر الشرطة الذين قاموا بإيقاف المتهم وذلك لجلسة 05/04/2018 قصد الاستماع إليهم كشهود في القضية.
وبناء على إعادة إدراج القضية بهذه الجلسة، أحضر لها المتهم في حالة اعتقال، وحضر من الشهود المفتش إ ج، والمقدم م م، والمقدم ز ع، فقررت المحكمة الاستماع إليهم كشهود، ثم أمرت بصرف هذين الأخيرين، والإبقاء على الأول الذي صرح بعد أدائه اليمين القانونية أنهم توصلوابمعلومات مفادها كون المتهم يتاجر في مخدر الشيرابالمقهى، وأنهم تتبعوه عدة مرات وكانوا يجدونه دائما قد تاجر فيها، فلما دخلوا هذه المرة الى المقهى قاموا بتفتيش مجموعة من الأشخاص، وأن كل عنصر منهم وقف على شخص، ثم قاموا بتفتيش المتهم وعثروا بجيبه على عشر قطع من مخدر الشيرا، مسترسلا أنهم وبعد ذلك قاموا بتسليم المتهم للضابط محرر المحضر، وأخبروه بأنهم ضبطوه وهو متحوز على كمية من مخدر الشيرا.
وبناء على مناداة الشاهد المقدم م م، وبعد أدائه اليمين القانونية أفاد أنه بعد الدخول الى المقهى وجدوا المتهم جالسا مع شخص آخر، وبعد تفتيشه عثروا بحوزته على كمية من مخدر الشيرا، وأن مفتش الشرطة إ ج هو من عثر على المحجوز بجيب المتهم، وأن المفتش المذكور هو من أخبرهم بذلك، وأكد الشاهد المقدم ز ع ما جاء على لسان الشاهدين أعلاه.
وبعد عرض المحكمة لشهادة الشاهد صاحب المقهى على الشهود الثلاثة المستمع إليهم نازعوا فيها، وأكدوا أن لا أساس لها من الصحة.
وبناء على عرض المحكمة لشريط الفيديو المدلى به من قبل الشاهد صاحب المقهى، والذي يوثق لمداهمة المقهى، ويظهر فيه الشهود الثلاثة، وباعتبارهم من رجال الشرطة قاموا بتفتيش المتهم ورفاقه تفتيشا دقيقا، عن طريق فتح معاطفهم الرياضية، وإدخال أيديهم بكل جيوبها الداخلية والخارجية، وكذا جيوب سراويلهم، ولم يعثروا بحوزتهم (بمن فيهم المتهم) على أي مخدر، لدرجة أن بدأوا في تفتيش أرضية الطاولات، الى أن طالبوا المعنيين بالأمر بالجلوس، حينها ذهب مفتش الشرطة إ ج في اتجاه الكاميرا وغاب بعض الثواني ثم عاد وكأنه يدخل شيء الى جيبه بيده اليمنى، وهو يستل الأصفاد بيده اليسرى، واتجه نحو المتهم وقام بتصفيده.
وبناء على تعرف الشهود على أنفسهم في الشريط المشار اليه، وعدم منازعة أي منهم في صحته، أعطيت الكلمة للشاهد المفتش إ ج لتقديم مستنتجاته حول الموضوع، فنفى أن يكون قد عثر على المخدرات بسبورة أوراق اللوطو، مؤكدا أن جيب جاكيط المتهم كانت ممتلئة بالمخدرات، رغم أنه لم يدخل يده في جيبه، وأنه شعر بوجودها عن طريق الجس، وأنهم ذهبوا به لحظتها الى سيارة المصلحة حيث أخرجوا المخدرات من جيبه، مردفا أنه لا يمكنه إخراج المخدرات من جيبه بالمقهى.
وبناء على الاسترسال في استنطاق المتهم، تشبث بإنكاره، موضحا أنه رفض التوقيع على المحضر لأنه لم يستمع إليه بالمرة، وتناول الكلمة السيد وكيل الملك الذي التمس الحكم بإدانة المتهم وفق مواد المتابعة، والحكم عليه بعقوبة ملائمة لخطورة الأفعال، بناء على محضر الضابطة القضائية، كما أن الشهود المستمع إليهم أكدواأنهم أوقفوه وعثروا بجيبه على عشر قطع من مخدر الشيرا، وبعد أن كان المتهم آخر من تكلم تقرر اختتام المناقشات، وحجز القضية للتأمل والنطق بالحكم على المقعد.
وقبل التطرق الى الحكم والحيثيات التي بني عليها، نقف قليلا عند مرافعة النيابة العامة، ونعيد طرح نفس السؤال هل نحن أمام أزمة نص أم أزمة تطبيق! خصوصا وأن النص يقر أن النيابة العامة خصم شريف، وشرف الخصومة يفرض عليها البحث عن الحقيقة لا مجرد الإدانة، ولها باسم القانون وقوته أن تلتمس البراءة إن تبين لها انعدام الدليل، شريط الفيديو الذي عرض أمامها واضح وضوح الشمس.
وإجمالا، فقد قضت المحكمة بعدم مؤاخذة المتهم من أجل المنسوب إليه، وحكمت ببراءته مع تحميل الخزينة العامة الصائر، وعللت قضائها بأنه لئن كانت المحاضر والتقارير التي يحررها ضباط الشرطة القضائية في شأن التثبت من الجنح والمخالفات يوثق بمضمنها الى أن يثبت العكس، ولئن تضمن محضر الحجز والايقاف وبعده محضر استماع المتهم كون هذا الأخير ضبط وهو متحوز على كمية من مخدر الشيرا، فإن هذين المحضرين يوثق بمضمنهما ما لم يثبت ما يخالفهما بكل وسائل الاثبات بما في ذلك شهادة الشهود، وشهادة الشاهد صاحب المقهى جاءت واضحة ولا لبس فيها ، بل ومتطرقة لأدق تفاصيل القضية ومتماسكة في كل جوانبها، وان ما يؤكد صدق وصحة هذه الشهادة هو ما تضمنه شريط الفيديو المدلى به من طرف الشاهد ذاته، وان مما يعضد وسيلتي الاثبات هاته هو ما شاب تصريحات رجال الشرطة المستمع اليهم كشهود من تناقضات، اذ صرحوا قبل مشاهدتهم للشريط المذكور أنهم لما دخلوا المقهى قاموا بتفتيش المتهم وعثروا بجيبه على عشر قطع من مخدر الشيرا، قبل أن يتراجع أولهم المسمى إ ج عن تلك التصريحات جملة وتفصيلا مفيدا أن جيب جاكيط المتهم كانت ممتلئة بالمخدرات، رغم أنه لم يدخل يده في جيبه، وأنه شعر بوجودها عن طريق الجس، وأنهم ذهبوا به لحظتها الى سيارة المصلحة حيث أخرجوا المخدرات من جيبه، مردفا أنه لا يمكنه إخراج المخدرات من جيبه بالمقهى، وان ما يزيد من تعميق حدة هذا التناقض، هو ما وثقه الشريط اذ أظهر الشاهد المذكور رفقة الشاهدين الآخرين قام بتفتيش المتهم عن طريق فتح معطفه الرياضي، وأدخل يده بكل جيوبه الداخلية والخارجية وكذا جيوب سرواله ولم يعثر بحوزته على أي مخدر، يضيف الحكم أنه قد ثبت للمحكمة بصفة قطعية يقينية بعد اعمالها لقواعد الاستدلال المباشر المبني على مفهوم التقابل بالتضاد بين مجمل القضايا التي تنطوي عليها تلك المعطيات كما هو مقرر في محله من علم المنطق عكس ما تضمنه المحضران أعلاه واقتنعت تبعا لذلك اقتناعا وجدانيا صميما بعدم ثبوت جنحة حيازة المخدرات والاتجار فيها واستهلاكها في حق المتهم.
وبذلك أكون قد اقتنعت أيضا اقتناعا وجدانيا صميما، على أن النص بالرغم من أهميته في ضمان المحاكمة العادلة، فإن الأزمة الحقيقية هي أزمة التطبيق.
