العرائش نيوز:
بقلم الأستاذ إبراهيم الحداد
محام بهيئة طنجة
في زمن الأزمات، يسارع المغاربة بمبادرات إنسانية هدفها التخفيف من معاناة المتضررين، فالروح التضامنية جزء أصيل من الهوية المغربية، وكلما ضاقت الأرض بالأزمات تتسع قلوب المغاربة بالمبادرات، غير أن لعنة التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي التي صار معها كل شيء يصور، وكل موقف يوثق وينشر، حتى تلك اللحظات التي يفترض أن تعاش بإنسانية وصمت، أفقدت الكثير من المبادرات غاياتها وأهدافها.
صحيح أن توثيق العمل الخيري قد يكون هدفه التحفيز على العطاء أو ضمان الشفافية، لكن نشر صور المتضررين، خاصة في لحظات ضعفهم، فيه مساس بكرامتهم، ويحول الحاجة إلى مادة عرض، فالمتضرر لا يطلب شفقة، بل احتراما، ولا ينتظر أن تخلد معاناته في صورة وتنتشر في مختلف بقاع العالم، بل أن تصان إنسانيته، فالعطاء الحقيقي لا يحتاج عدسة، والنية الصادقة لا تقاس بعدد المشاركات.
إن العمل الإنساني في جوهره رسالة أخلاقية قبل أن يكون مبادرة ميدانية، ومسؤولية تحتم علينا الموازنة بين حق التوثيق وواجب صون كرامة الإنسان، خاصة في أوقات الأزمات، فما يحتاجه المتضرر هو الدعم والاحترام، لا تحويل معاناته إلى مادة للنشر أو التداول. وعليه، ونظرا لانتشار العديد من الصور لمتضرري مدينة القصر الكبير وغيرها، ومن باب ذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين، سأتطرق لهذا الموضوع من ثلاث زوايا: دينية، أخلاقية، وقانونية.
من الزاوية الدينية:
يعد العمل الإنساني عبادة وقربة إلى الله، أساسها الإخلاص وستر المحتاج، لا إظهار الفعل والبحث عن المقابل المادي أو المعنوي، خصوصا عندما يكون الشخص في حالة ضعف تستوجب الرحمة لا العرض، ومن مقاصد الشريعة حفظ الكرامة الإنسانية، وهي مقدمة على كل اعتبار شكلي أو دعائي، فالعطاء الصادق هو الذي يحفظ فيه وجه المحتاج، وهو الأقرب للقبول عند الله.
قال تعالى:﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 264]
من الزاوية الأخلاقية:
ان المتضرر ليس وسيلة لإبراز فعل الخير، بل إنسان له كرامته وخصوصيته، حتى وهو في أمس الحاجة للمساعدة، فتصويره في لحظة ضعف قد يحول العطاء من فعل رحمة إلى مشهد استعراض، والأخلاق تقتضي أن نضع أنفسنا مكان المتضرر، ونتساءل ما ان كنا سنقبل أن تنشر صورنا ونحن نعيش الخوف، الخسارة، أو الحاجة؟
ان العمل الإنساني الأخلاقي يقوم على ستر المحتاج لا تعريته، ودعمه لا إحراجه، وتوثيق الجهد دون المساس بالإنسان.
من الزاوية القانونية:
يقر القانون بأن لكل شخص حقا أصيلا في صورته، ولا يجوز نشرها أو تداولها دون موافقته الصريحة، خاصة إذا كان قابلا للتعرف عليه، ويزداد هذا الحق قوة حين يكون الشخص في وضعية هشاشة أو ضعف.
ونشر صورة شخص بدون موافقته، حتى وإن كانت النية حسنة، قد يرتب مسؤولية جنائية إذا تبث المساس بالكرامة أو التشهير، كما قد يترتب عنه مسؤولية مدنية تخول للمتضرر الحق في المطالبة بالتعويض.
وعليه نناشد كافة أصحاب المبادرات التضامنية بضرورة احترام خصوصية المتضررين، وحفظ كرامتهم، وتجنب كل ما من شأنه المساس بشعورهم أو التشهير بهم ولو بدون قصد.
