العرائش نيوز :
ذ. مروان بل
دخلت الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة حساسة بعد إعلان طهران إغلاق مضيق هرمز، الممر البحري الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية. هذا التطور يحمل في طياته إمكانية حدوث صدمة قوية في أسواق الطاقة العالمية.
خلال موجة التوتر الأخيرة، ارتفع سعر خام برنت إلى ما يفوق 75 دولاراً للبرميل، مع تحليلات دولية تشير إلى إمكانية تجاوزه 100 دولار إذا اتسع نطاق الصراع أو تعطلت الإمدادات. مؤسسات مالية كبرى، من بينها J.P. Morgan Asset Management، تشير إلى أن كل زيادة بـ10 دولارات في سعر البرميل قد تضيف ما بين 0.3 و0.4 نقطة مئوية إلى التضخم في الاقتصادات الكبرى، ما يعقّد قرارات السياسة النقدية في وقت لم تُحسم فيه معركة السيطرة على التضخم عالمياً.
كما حذر صندوق النقد الدولي، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام دولية، من أن ارتفاع أسعار الطاقة قد ينعكس سلباً على النمو العالمي عبر تأثير متسلسل يطال الإنتاج والاستهلاك والاستثمار. ورغم إعلان تحالف “أوبك+” زيادة محدودة في الإنتاج، فإن حجم هذه الزيادة يظل محدوداً مقارنة بالكميات الضخمة التي تعبر يومياً عبر مضيق هرمز.
ثلاثة سيناريوهات محتملة للاقتصاد العالمي
في ضوء المعطيات الحالية، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لتطور الأزمة وانعكاساتها الاقتصادية:
السيناريو الأول: احتواء التوترات
يبقى التصعيد محدوداً وتستقر أسعار النفط في نطاق يتراوح بين 70 و85 دولاراً للبرميل لفترة مؤقتة قبل أن تعود إلى مستويات أكثر توازناً. في هذا المسار، يكون التأثير على التضخم العالمي محدوداً نسبياً ويمكن للبنوك المركزية التعامل معه دون تغييرات جذرية في سياساتها.
السيناريو الثاني: تصعيد إقليمي ممتد
تتوسع رقعة المواجهة أو تتعرض حركة الملاحة لاضطرابات متكررة، ما يدفع أسعار النفط إلى نطاق 100–110 دولارات. في هذه الحالة، تعود الضغوط التضخمية بقوة، ويتراجع النمو العالمي تدريجياً، خاصة في الاقتصادات المستوردة للطاقة.
السيناريو الثالث: إغلاق طويل الأمد لمضيق هرمز
وهو السيناريو الأكثر خطورة، حيث قد يتجاوز سعر البرميل 120 دولاراً وفق تقديرات بعض التحليلات الدولية في حال تعطل الإمدادات بشكل واسع. هذا الوضع قد يخلق صدمة عالمية مزدوجة: تضخم مرتفع وتباطؤ اقتصادي، مع احتمال دخول بعض الاقتصادات في مرحلة ركود تضخمي.
المغرب في قلب المعادلة الطاقية
بالنسبة للمغرب، لا يتعلق الأمر بتطور جيوسياسي بعيد، بل بعامل قد ينعكس مباشرة على الحياة اليومية للمواطنين. فالمملكة تستورد أكثر من 90% من حاجياتها من المحروقات، ما يجعلها شديدة الحساسية لأي ارتفاع في أسعار النفط.
المفارقة أن هذه التطورات تأتي في ظرف اقتصادي دقيق تمر به البلاد. فصحيح أن معطيات المندوبية السامية للتخطيط أظهرت استقراراً في معدل التضخم الأساسي خلال شهر يناير، إلا أن الأسعار في الواقع اليومي لا تزال مرتفعة مقارنة بالسنوات السابقة. الأسر المغربية لم تستعد بعد قدرتها الشرائية التي تضررت خلال موجات التضخم السابقة المرتبطة بالأزمات العالمية والجفاف وارتفاع كلفة الاستيراد.
أي زيادة جديدة في أسعار النفط قد تنعكس سريعاً على أسعار الوقود، ثم على كلفة النقل والتوزيع، ومنها إلى أسعار المواد الغذائية والخدمات. كما أن القطاع الفلاحي، المعتمد على الطاقة والأسمدة، قد يواجه ارتفاعاً إضافياً في تكاليف الإنتاج، وهو ما قد يزيد الضغط على أسعار المواد الأساسية.
في الوقت ذاته، يواصل المغرب تنفيذ إصلاحات اجتماعية كبرى وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية واستثمارات استراتيجية مهمة. لكن ارتفاع فاتورة الطاقة قد يضغط على الميزانية العامة، ويزيد الحاجة إلى العملة الصعبة، ويؤثر على التوازنات المالية في مرحلة تتطلب استقراراً اقتصادياً واجتماعياً.
الأثر الاجتماعي يظل الأكثر حساسية. فالأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط تتحمل بالفعل أعباء معيشية مرتفعة. وفي ظل أسعار مرتفعة أصلاً، فإن أي صدمة نفطية جديدة قد تعمّق الضغط على القدرة الشرائية وتؤثر على الاستهلاك الداخلي، أحد أهم محركات النمو في المغرب.
بين الحذر والجاهزية
عالمياً، تبقى الصورة رهينة بتطورات الميدان السياسي والعسكري. الأسواق تتفاعل بسرعة، لكنها أيضاً قد تهدأ بسرعة إذا ما تراجعت حدة التصعيد. أما بالنسبة للمغرب، فإن التحدي يتمثل في تعزيز مناعته الطاقية، وتسريع مسار الطاقات المتجددة، وتنويع مصادر التزود، مع الحفاظ على التوازن بين دعم القدرة الشرائية وضبط العجز المالي.
المرحلة الحالية دقيقة، فالأسعار مرتفعة بالفعل والقدرة الشرائية ما تزال تحت الضغط. لذلك فإن أي صدمة نفطية جديدة لن تكون مجرد رقم في نشرات الأسواق، بل ستكون اختباراً حقيقياً لمرونة الاقتصاد الوطني وصلابة السياسات العمومية في مواجهة الاضطرابات العالمية.
