العرائش نيوز :
ذ:مروان بل
أصبحت مسألة القدرة الشرائية في المغرب من أبرز القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تشغل الرأي العام. فبالنسبة لعدد كبير من الأسر، يشكل ارتفاع أسعار المواد الأساسية – خصوصاً الغذائية – ضغطاً يومياً متزايداً على ميزانياتها. وتؤكد معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن التضخم المسجل خلال السنوات الأخيرة يرتبط بدرجة كبيرة بارتفاع أسعار المواد الغذائية مثل الخضر والفواكه واللحوم والأسماك.
في هذا السياق، يطرح المواطنون تساؤلات متزايدة حول دور الدولة في مواجهة هذه الظاهرة. فإذا كانت السلطات العمومية تمتلك أدوات للتدخل وتنظيم الأسواق، فلماذا تستمر الأسعار في الارتفاع؟ ولماذا لا تنعكس أحياناً تراجعات التكاليف أو تحسن الإنتاج على الأسعار التي يدفعها المستهلك؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، ينبغي تحليل الأدوات المتاحة للدولة، وحدود تدخلها، وكذلك الكيفية التي تتشكل بها الأسعار فعلياً داخل سلاسل التوزيع.
الأدوات التي تمتلكها الدولة للحد من ارتفاع الأسعار
يُعد نظام الدعم الذي تديره صندوق المقاصة من أهم الأدوات التي تعتمد عليها الدولة لحماية القدرة الشرائية. ويهدف هذا النظام إلى الحفاظ على أسعار مستقرة نسبياً لبعض المواد الأساسية مثل غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني المصنوع من القمح اللين.
ووفقاً لمعطيات وزارة الاقتصاد والمالية فإن الهدف من هذا النظام هو الحد من تأثير تقلبات الأسعار الدولية على السوق المحلية وتجنب ارتفاعات مفاجئة قد تؤثر بشكل مباشر على الأسر ذات الدخل المحدود.
غير أن هذا النظام يظل محدود التأثير لعدة أسباب. فهو يشمل عدداً قليلاً من المنتجات فقط، كما أنه يشكل عبئاً مهماً على الميزانية العامة للدولة. والأهم من ذلك أنه لا يتدخل في بنية الأسعار داخل سلاسل التوزيع، حيث تبقى هوامش الربح التي يضيفها الوسطاء والتجار عاملاً أساسياً في تحديد السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.
مراقبة الأسواق وتنظيم المنافسة
إلى جانب سياسة الدعم، تمتلك الدولة أدوات قانونية لتنظيم الأسواق ومنع الممارسات التي قد تضر بالمنافسة. ويشكل القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة الإطار القانوني الرئيسي الذي ينظم تحديد الأسعار في المغرب، حيث يقوم على مبدأ حرية الأسعار مع إمكانية تدخل السلطات العمومية في حالات استثنائية عند حدوث اختلالات كبيرة في السوق.
تتولى مصالح وزارة الصناعة والتجارة عمليات المراقبة الميدانية للأسواق، في حين يتكلف مجلس المنافسة بدراسة الممارسات الاحتكارية أو الاتفاقات غير القانونية بين الفاعلين الاقتصاديين.
لكن هذه الإجراءات غالباً ما تتطلب تحقيقات طويلة ومعقدة، مما يجعل تأثيرها على الأسعار بطيئاً نسبياً. ولذلك لا يشعر المواطن دائماً بنتائج هذه التدخلات بشكل مباشر أو سريع.
كيف تتشكل الأسعار فعلياً؟
لفهم أسباب ارتفاع الأسعار، يجب النظر إلى المسار الذي تسلكه المنتجات قبل أن تصل إلى المستهلك. ففي العديد من القطاعات الفلاحية تمر السلع عبر عدة مراحل: المنتج، ثم المجمع أو الوسيط، ثم تاجر الجملة، وبعد ذلك أسواق الجملة، وأخيراً تاجر التقسيط.
كل حلقة من هذه السلسلة تضيف تكاليف مرتبطة بالنقل والتخزين والتوزيع، إضافة إلى هامش ربح خاص بها. وتشير تحليلات اقتصادية إلى أن حصة المنتج من السعر النهائي غالباً ما تتراوح بين 30 و40 في المائة فقط، بينما تذهب النسبة المتبقية إلى الوسطاء ومختلف الفاعلين في سلسلة التوزيع.
ولتوضيح ذلك يمكن تقديم مثال بسيط: إذا بيع كيلوغرام من الخضر للمستهلك بـ10 دراهم، فقد يحصل المنتج على ما بين 3 و4 دراهم فقط. ثم تضاف تكاليف النقل والتجميع بحوالي درهم أو درهمين، بينما يضيف تجار الجملة هامشاً إضافياً، ويقوم تاجر التقسيط بإضافة هامش قد يتراوح بين درهمين وثلاثة دراهم. وبهذا الشكل يصبح أكثر من نصف السعر النهائي ناتجاً عن هوامش وتكاليف تظهر بعد مرحلة الإنتاج.
دور الوسطاء في تضخم الأسعار
تعرف الأسواق المغربية حضوراً قوياً للوسطاء، خصوصاً في توزيع المنتجات الفلاحية. وغالباً ما يؤدي تعدد هؤلاء الوسطاء إلى تضخم الأسعار وغياب الشفافية في تحديدها.
وقد أشارت بعض التحليلات إلى أن الفارق بين سعر المنتج عند خروجه من المصنع أو الضيعة الفلاحية والسعر الذي يصل إلى المستهلك قد يصل أحياناً إلى 30 أو 40 في المائة.
كما أن بعض الممارسات التجارية في قطاعات معينة، مثل العمولات غير المباشرة أو ما يعرف بهوامش الربح الخلفية في بعض شبكات التوزيع، يمكن أن تؤثر أيضاً على السعر النهائي. هذه الممارسات ليست بالضرورة غير قانونية، لكنها تجعل آلية تحديد الأسعار أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً بالنسبة للمستهلك.
المضاربة وتخزين السلع
في بعض الحالات، كشفت عمليات المراقبة عن ممارسات تهدف إلى تخزين السلع لفترات معينة بهدف خلق ندرة مصطنعة في السوق. وعندما يقل العرض بشكل مؤقت، ترتفع الأسعار بسرعة.
وقد أسفرت بعض عمليات التفتيش عن ضبط كميات كبيرة من السلع المخزنة بشكل غير قانوني. ففي إحدى العمليات بمنطقة الدار البيضاء تم حجز أكثر من 120 طناً من الأعلاف الفاسدة، بقيمة تقديرية بلغت حوالي 600 مليون سنتيم.
هذه الحالات تظل صعبة الكشف بشكل دائم بسبب تعدد الفاعلين في السوق وتشتت مسالك التوزيع.
لماذا لم تُفرض بعد قيود صارمة على هذه الممارسات؟
يطرح كثير من المواطنين سؤالاً أساسياً: إذا كانت هذه الممارسات معروفة، فلماذا لم تُفرض قيود صارمة على الوسطاء أو على المضاربة؟
السبب الأول يعود إلى الإطار القانوني الذي يقوم على مبدأ حرية الأسعار. فالتدخل المباشر للدولة في تحديد الأسعار يبقى محدوداً ومقيداً، لأن فرض سقوف صارمة للأسعار قد يؤدي في بعض الحالات إلى تقليص العرض أو ظهور أسواق موازية.
كما أن اتخاذ قرارات تنظيمية في أسواق يهيمن عليها عدد محدود من الفاعلين يتطلب تحقيقات دقيقة لتفادي أي قرارات قد تكون محل طعن قانوني.
لكن في المقابل، يزداد اليوم النقاش حول ضرورة استخدام الأدوات القانونية والرقابية المتاحة للدولة بشكل أكثر فعالية. فحين تتحول بعض ممارسات الوساطة والمضاربة إلى ظواهر متكررة ومؤثرة بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، يصبح من الضروري تفعيل آليات المراقبة والتنظيم المتوفرة لدى السلطات العمومية بشكل حازم ومنهجي.
إن القوانين الحالية تسمح للدولة بالتدخل عند حدوث اختلالات واضحة في السوق، ولذلك يصبح من الضروري استخدام هذه الآليات بشكل فعال للحد من الممارسات التي أصبحت شائعة في بعض القطاعات.
عوامل اقتصادية خارج سيطرة الدولة
رغم أهمية دور السياسات العمومية، فإن بعض أسباب ارتفاع الأسعار تبقى خارج السيطرة المباشرة للدولة. فالقطاع الفلاحي في المغرب يعتمد بشكل كبير على الظروف المناخية، وقد أدت فترات الجفاف المتكررة إلى تراجع الإنتاج في بعض المواسم، مما يؤدي تلقائياً إلى ارتفاع الأسعار.
كما أن تكاليف النقل والطاقة والتخزين تمثل جزءاً مهماً من تكلفة السلع. وعندما ترتفع هذه التكاليف فإنها تنعكس عادة على الأسعار النهائية في الأسواق.
إن ارتفاع الأسعار في المغرب هو نتيجة تفاعل عدة عوامل اقتصادية ومؤسساتية. فهناك تأثير للسياسات العمومية، كما أن بنية سلاسل التوزيع وهوامش الربح والمضاربة في بعض الحالات تلعب دوراً مهماً، إضافة إلى عوامل خارجية مثل الجفاف وارتفاع تكاليف النقل والطاقة.
ورغم وجود أدوات متعددة بيد الدولة من الدعم إلى المراقبة وتنظيم المنافسة، فإن فعاليتها الكاملة تتوقف على درجة تفعيلها وقدرتها على معالجة الاختلالات داخل الأسواق.
وفي ظل اتساع النقاش العمومي حول القدرة الشرائية، يظل التحدي الأساسي هو تحقيق توازن بين حرية السوق من جهة وضمان حماية المستهلك من الممارسات التي تؤدي إلى تضخم غير مبرر في الأسعار من جهة أخرى، مع تفعيل الآليات القانونية والتنظيمية التي تمتلكها الدولة كلما أصبحت هذه الممارسات واسعة الانتشار وتؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين.
