المحروقات في المغرب ..حين تتحول الأزمة العالمية إلى أزمة يومية

العرائش نيوز :

ذ: مروان بل

عندما ترتفع أسعار النفط في مكان بعيد من العالم، يبدو الأمر وكأنه بعيد عن حياتنا اليومية. لكن في المغرب، لا يستغرق الأمر سوى أيام قليلة حتى تنتقل هذه الزيادة إلى محطات الوقود، ثم إلى سلة المشتريات. في الأسابيع الأخيرة، أعادت التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط دفع أسعار النفط إلى مستويات تفوق 110 دولارات للبرميل. بالنسبة لبلد يعتمد بشكل كبير على الاستيراد مثل المغرب، فإن مثل هذه الصدمات لا تبقى خارجية، بل تنتقل بسرعة إلى الاقتصاد الوطني.

هذه الهشاشة هيكلية بالأساس. فالمغرب يستورد معظم حاجياته من المنتجات البترولية، حيث تجاوزت واردات الغازوال والفيول 7.6 ملايين طن سنة 2024. وفي المقابل، تبقى قدرات التخزين محدودة ومركزة لدى عدد قليل من الفاعلين، والأهم أنها لا ترقى إلى المستوى المطلوب قانونًا. على الورق، يُفترض أن يتوفر المغرب على مخزون استراتيجي يغطي 60 يومًا، لكن في الواقع، أظهرت تقارير المجلس الأعلى للحسابات أن هذا المخزون لا يتجاوز غالبًا 30 إلى 40 يومًا، وأحيانًا أقل. وهذا يعني ببساطة أن البلاد لا تمتلك وسادة كافية لامتصاص الصدمات.

النتيجة واضحة: الأسعار ترتفع بسرعة، لكنها لا تنخفض بنفس الوتيرة. فقد أشار مجلس المنافسة إلى هذا الخلل، حيث يتم تمرير زيادات الأسعار الدولية بسرعة إلى السوق المحلية، في حين يتم نقل الانخفاضات بشكل أبطأ. بالنسبة للمستهلك، يتحول هذا الوضع إلى إحساس دائم بعدم العدالة.

لكن الإشكال لا يقتصر على سعر الوقود فقط. فالمحروقات تدخل في كل مفاصل الاقتصاد. عندما يرتفع ثمنها، ترتفع كلفة النقل، ثم اللوجستيك، ثم المواد الغذائية، ثم الخدمات. ووفقًا للمندوبية السامية للتخطيط، تظل الطاقة أحد العوامل التي تغذي التضخم، حيث بلغ التضخم الأساسي حوالي 2.4%. بالنسبة للأسر، يعني ذلك ضغطًا مستمرًا على الميزانية: تكلفة التنقل ترتفع، كلفة المعيشة ترتفع، والهامش المالي يتقلص.

في هذه المعادلة، المسؤوليات متعددة لكنها واضحة. أولًا، الشركات النفطية مطالبة قانونًا بتكوين المخزون، لكن هذا الأمر مكلف ويتطلب استثمارات كبيرة. وفي غياب تحفيزات قوية أو عقوبات فعلية، يبقى منطقها اقتصاديًا: تقليص التكاليف بدل زيادتها.

أما الدولة، فلم تكن غائبة تمامًا. فقد وضعت إطارًا قانونيًا وآليات تمويل غير مباشرة، لكنها تبقى غير كافية. المجلس الأعلى للحسابات أشار بوضوح إلى أن العقوبات لا تُطبق فعليًا، وأن الإشراف على هذا القطاع يعاني من اختلالات. النتيجة: قانون موجود، لكن دون تنفيذ حقيقي.

أما دور مجلس المنافسة، فيظل مهمًا لكنه محدود، إذ يتدخل غالبًا بعد وقوع الاختلالات، من خلال التقارير والعقوبات، دون معالجة جذرية لمشاكل السوق.

في هذا السياق، جاءت مساعدات الدولة لمهنيي النقل سنة 2022 كإجراء استعجالي. حيث تم ضخ مليارات الدراهم لدعم عشرات الآلاف من المهنيين. في البداية، خفف هذا الدعم من حدة الأزمة، لكن سرعان ما ظهرت حدوده.

بمعنى آخر، الدولة صرفت الأموال، لكن المشكلة لم تُحل. الدعم هدّأ الوضع مؤقتًا، دون أن يوقف آلية ارتفاع الأسعار. استمر المهنيون في المطالبة بزيادة الدعم، ما يؤكد أن هذه الإجراءات لم تكن كافية لمواجهة الواقع. تعددت دفعات الدعم، وارتفعت التكاليف، وبقي الاعتماد على الوقود المرتفع الثمن كما هو. والأهم من ذلك، لم تقدم الحكومة أي تقييم واضح وشفاف لنتائج هذه السياسة: لا على مستوى تكلفة النقل، ولا على مستوى الأسعار، ولا على مستوى القدرة الشرائية. في غياب هذا التقييم، تبدو هذه السياسة أقرب إلى تدخلات ظرفية متكررة منها إلى حل مستدام.

وفي النهاية، يبقى المواطن هو من يتحمل العبء. فالأسر تضطر إلى إعادة ترتيب أولوياتها: تقليل التنقل، تأجيل بعض المصاريف، أو ببساطة التكيف مع ارتفاع مستمر في تكاليف العيش. الطبقة المتوسطة تحديدًا تجد نفسها في وضع صعب: لا تستفيد بشكل كافٍ من الدعم، ولا تستطيع تحمل الزيادات بسهولة.

جوهر المشكلة واضح: المغرب لا يعاني فقط من ارتفاع أسعار النفط، بل من نظام لا يوفر الحماية الكافية من تقلباته. بين ضعف المخزون، محدودية الرقابة، واعتماد سياسات ظرفية غير مُقَيَّمة، تتحول كل أزمة دولية إلى أزمة داخلية.

الحلول موجودة، لكنها تتطلب إصلاحًا حقيقيًا. أولًا، يجب تعزيز المخزون الاستراتيجي بشكل فعلي، مع مراقبة صارمة وتطبيق للعقوبات. ثانيًا، ضرورة تحقيق شفافية أكبر في تحديد الأسعار، لضمان عدالة أكبر في نقل التغيرات. ثالثًا، إعادة التفكير في الدعم العمومي، ليكون أكثر دقة وفعالية وقابلًا للتقييم.

لكن على المدى القريب، تبقى الحقيقة واضحة: طالما استمرت التوترات الدولية، ولم يتم اتخاذ إجراءات ملموسة لتعزيز قدرة البلاد على امتصاص الصدمات، فإن الأسعار ستواصل الارتفاع. وكما يحدث دائمًا، فإن التأثير النهائي سيكون في حياة المواطنين اليومية.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.