بين الوزير والغفير؛ اختلال ميزان التعويضات أم اختلال مفهوم العدالة؟

العرائش نيوز:

إبراهيم الحداد
محام بهيئة طنجة
في الوقت الذي يغادر فيه بعض ضحايا الاعتداءات الجسدية قاعات المحاكم بأحكام لا تتجاوز في كثير من الأحيان بضع ملايين من السنتيمات، رغم فقدانهم عينا أو يدا أو اضطرابات في النطق والكلام، أو إصابتهم بعاهات مستديمة ترافقهم مدى الحياة، صدرت أحكام قضائية قضت لفائدة شخصيات عامة بتعويضات مالية ضخمة عن أضرار معنوية فقط.
فقد حكم لوزير العدل بتعويض بلغ 150 مليون سنتيم في ملف، و20 مليون سنتيم في ملف آخر، كما صدر حكم لفائدة الأمير مولاي هشام قضى بتعويض قدره 60 مليون سنتيم، بسبب ما اعتبر مساسا بالشرف أو السمعة أو الاعتبار، وهي أضرار تندرج ضمن نطاق الضرر المعنوي، ناتجة عن انتقاد أو تصريح أو مقال. وفي المقابل، غالبا ما يحصل مواطنون عاديون (الغفير) تعرضوا لإصابات جسدية خطيرة على تعويضات تقل بكثير عن تلك المبالغ، وعلى سبيل المثال لا الحصر، قضت محكمة الاستئناف بفاس بتعويض قدره 100.000 درهم لضحية أصيب بعاهة مستديمة تمثلت في اضطرابات في النطق والكلام (حكم بتاريخ 10/06/2021 في الملف عدد 230/2612/2021)، وقضت نفس المحكمة أيضا بتعويض قدره 80.000 درهم لضحية فقد وظيفة عينه اليمنى كليا (حكم بتاريخ 07/04/2021 في الملف عدد 150/2611/2020)، وقضت كذلك محكمة الاستئناف بآسفي بتعويض قدره 80.000 درهم لضحية فقد منفعة ذراعه الأيمن (حكم بتاريخ 24/02/2021 في الملف عدد 124/2611/2020).
هذا الواقع يطرح إشكالا قانونيا وأخلاقيا عميقا حول معايير تقدير التعويض في القضاء المغربي، ومدى انسجامها مع مبدأ المساواة أمام القانون، فبأي منطق تصبح السمعة أغلى من البصر؟ وكيف تتحول الكلمة إلى ضرر أثمن من عضو بشري لا يمكن تعويضه أو استرجاعه؟
إن مبدأ التعويض الكامل يقتضي أن تكون قيمة التعويض متناسبة مع حجم الضرر وآثاره الواقعية على حياة المتضرر، فحسب المادة 7 من قانون المسطرة الجنائية قد يكون الضرر جسمانيا أو ماديا أو معنويا، وحسب الفصل 98 من قانون الالتزامات والعقود يعرف الضرر بكونه الخسارة التي لحقت المدعي فعلا والمصروفات الضرورية التي اضطر أو سيضطر الى انفاقها لإصلاح نتائج الفعل الذي ارتكب اضرارا به، وكذلك ما حرم منه من نفع، وينص الفصل 108 من نفس القانون على أن التعويضات المحكوم بها يجب أن تحقق للمتضرر تعويضا كاملا عن الضرر الشخصي الحال المحقق. والضرر الجسماني الدائم لا يقتصر أثره على الألم الجسدي فقط، بل يمتد الى فقدان جزء من حياة المصاب وفرصه المهنية واستقلاله النفسي وقدرته على المنافسة في سوق الشغل وتغير نمط الحياة بشكل جذري، فإذا كانت هذه الأضرار لا تستحق سوى تعويضات محدودة، بينما تقدر أضرار معنوية أخرى بمبالغ ضخمة، فإن السؤال لا يتعلق بالأرقام فقط، بل بفلسفة العدالة نفسها.
وتزداد حدة هذا الإشكال عند استحضار المبدأ الدستوري للمساواة أمام القانون، فالدستور يقر بأن جميع المواطنين متساوون أمام القانون ويتمتعون بالحماية القانونية نفسها، ومن المفترض في دولة القانون ألا تقاس قيمة الإنسان بلقبه، ولا يوزن الضرر بميزان النفوذ أو المكانة، بل بميزان العدالة المجردة التي تجعل من الضرر وحده أساسا للتعويض، غير أن تفاوت التعويضات على نحو يوحي بأن القيمة القانونية للضرر تختلف باختلاف المركز الاجتماعي أو السياسي للمتضرر يثير تساؤلات مشروعة حول مدى تحقق المساواة الفعلية في التطبيق القضائي. فالمساواة لا تعني فقط توحيد النصوص القانونية، بل تقتضي أيضا أن تكون معايير التقدير القضائي موضوعية ومجردة وغير مرتبطة بمكانة الأشخاص أو نفوذهم.
وأمام هذا الوضع، تبدوا الحاجة ملحة لتدخل تشريعي عاجل ليس من أجل إلغاء السلطة التقديرية للقاضي، فهي روح العدالة، ولكن من أجل ضبطها داخل حدود معقولة تمنع الانفلات في التقدير، وإرساء معايير أكثر وضوحا وشفافية واتساقا، تضمن التناسب بين حجم الضرر وقيمة التعويض، وتكرس الثقة في العدالة باعتبارها مؤسسة لحماية الحقوق لا للتمييز بين أصحابها.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.